تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

السلار أبو المعالي محمد بن علي العقيلي الكاتب

الذي تتقصّد لأنبوب قلمه أنابيب الرماح، ويتثلّم لغرب لسانه غروب الصفاح. فقد قرأت له كتابا أنشأه في الفتوح التي سهلّها الله تعالى للراية الطغرلية بالعراق؛ ديار بكر وربيعة ومضر من لدن شعبان سنة سبع وأربعين وأربعمائة إلى أواخر سنة تسع وأربعين فمن فصوله قوله:

«فلما تبسّم ثغر الصباح، وتجلّى السّحر في غرر منه وأوضاح؛ أمرنا بعض الغلمان الدارية بالعبور فعبروا دجلة، وهي طاغية العباب، مصندلة الماء، مفضّضة الحباب. ورسمنا للرماة رشق من يرفع من السور رأسه، وللرجّالة أن ينقبوا أساسه، وشرف المدينة بالأسنّة والنصول متبلّجة، وفي جنن الحديد متبرّجة. والسهام تقع فتطير، حيث لا يتوقّع من سويداء قلب، وسواد عين وثغر نحر، ومحلّ فكر ».

فصل: «ووقع الفراغ من عقد الجسر في مدة قصيرة، وأيام يسيرة.

وعبر عليه الرجل والخيل، وحلّ بالأعداء الثّبور والويل، وقامت الحرب مع المخاذيل على ساق، واستتبّ أسباب الظفر أحسن اتّساق. والسهام تقع عليهم وقوع المطر من الغيم، والزانات تنساب إليهم في الهواء أنسياب

الأيم. والحجارة تجرح وتكسّر، والمنايا في وجوههم تكلح وتكشّر، والرجّالة ينقبون، والزرّاقة يحرقون. والطير فوق رؤوسهم تنتظر هلاك نفوسهم، ودماؤهم تغلي في أوداجهم، وأرواحهم تتبرّأ من أجسادهم، وألسنتهم تتكلّف نشاطا ليس له [من القلوب مادة] وأعينهم خائرة من قتال ليس لهم بمثله عادة. وهم في أثناء ذلك يهوّلون على الأولياء باجتماع أمداد للعرب، لا يحاط بهم بحدّ وحزر، ولا يعبّر عن جموعها بعدّ وحصر، ولم يعلموا أنّ الطّود لا يزعزع بالرياح، والسيل لا يمنع بالصياح، والأسد لا تفزع بالنّباح. والرّجالة ينقبون ويرقبون، والرماة يرمون فيصمون، ويتعلّقون بفضلات أحجار السور، فيتسلّقون. ووقعت فردة في مقتل زعيم الحفظة، فانتقل إلى النار، ووقع القتل منهم في الصغار والكبار.»

فصل: «وكان ظنّهم أن نستعمل فيهم من سوء الملكة، ولؤم القدرة، ما استعمل أصحابهم بسنجار، فيبلسون بجرائرهم، ويقتلون عن آخرهم.

وكانوا عندنا أذلّ من أن يدرك بهم ثار، ويكون للسيف فيهم آثار وأمرنا بتخليتهم وإعتاقهم، ونزّهنا السيوف عن تدنيسها بأعناقهم».

فصل: «وإنّما اختاروا هذه المواضع لحاجز بيننا وبينهم من مفازة لا يظفر فيها بماء، ولا مضطرب فيها لسائر حرّ متحير، ولفح هواء، والزمان قلب الصيف، والحرّ أشدّ وقعا من حدّ السيف. متحصّنين بذلك القاع الأجرد، معوّلين على جمر الحديد المتوقّد، ظانّين أنّ ذلك مما يمنع أولياءنا من قتالهم وإطلالهم على أطلالهم، ولا يعلمون أنّ عساكرنا سيّما التّركمان يرتاحون الى البرد ارتياح الذئاب، ويصبرون على الحر والعطش صبر الضّباب. ويثبتون للفح السّموم، ثبات ذوات السّموم.

لا يمنعهم من مغزاهم حرّ وبرد، ولا يردّهم عن منجاهم غور ونجد. قد غذّوا بلبان الحروب ونشأوا على الكدّ والدّؤوب. صبيانهم من رجال غيرهم أفرس، وشيوخهم من شبّان سواهم أحمس. متنزّهاتهم شنّ الغارات على العدوّ، وأنسهم/ الركض بالآصال والغدوّ؛ [فهم أمضى في الظلام من الخيال، وأسرع إلى العداة من الآجال إلى الآمال]. ونحن منتظرون ما يحدث لهم من رأي في التقدّم إلينا، والقرب منّا، فنشفي منهم غلّة الأسل الظّماء، ونروي السيوف من هاماتهم بالدماء. فكلما قدّمهم التدبير ذراعا، أخّرهم الفرار باعا، إلى أن وقع اليأس من إقدامهم. واشتدّ حنين الصّوارم إلى هامهم.

قلت: وإنّما أوردت له هذه الفصول لأنّ الغالب على هذا الفاضل الترسّل، يحطب في حبله، ويناضل بنبله. فإذا مال إلى الشّعر

أسفّت درجته، وخفّت كفّته. فمما أنشدني لنفسه، ونحن بالعراق قوله:

خطّ الجمال على لألاء عارضهدقيق خطّ بنقط الخال موسوم
للشاعر السلار العقيلي، اقرأ القصيدة
كما يقرمط عنوان بغاليةعلى كتاب بطين المسك مختوم
للشاعر السلار العقيلي، اقرأ القصيدة

وأنشدني له الشيخ أبو الحسن الطلحيّ قال: أنشدنيه لنفسه:

هجرت النساء أوان الشبابوثبت إليهنّ والشيب زارا
للشاعر السلار العقيلي، اقرأ القصيدة
وعنّست عنهنّ نفسي فحينخضبت العذار خطبت العذارى
للشاعر السلار العقيلي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.