من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ أبو نصر أحمد بن ينفع
هو في المنصب خوافيّ، وفي المنسب قشيريّ. ولست أروي وصفا أجمع لفضائله وفضائل قبائله من قول [الأديب] أبي بكر اليوسفيّ فيهم:
سقى آل ينفع صوب الحيافهم في حساب العلا الحاصل
هم الزائدون هم الفاضلونوغيرهم الزائد الفاضل
لساني عن حالهم سائلودمعي على إثرهم سائل
إذا كنت في ظلهم قائلافإني بفضلهم قائل
ثم الشيخ أبو نصر من بينهم رأس الرؤساء، ووارث العزّة القعساء، وصاحب البيان الذي ينسي القرم جراجره، والليث زماجره. ويتضاءل سحبان ويتضعضع، لفصاحة بين لحييه، فيتقعقع. ثم له من الترسل الحظّ الأولى، وقدحه فيه القدح المعلىّ. وكتب مدة في ديوان [الرسالة] للشيخ أبي نصر أحمد بن أحمد بن عبد الصمد الوزير، والجاه بمائه والمال بنمائه، والأمر نافذ، والقلب بأطراف الأماني آخذ. فلما حانت
أيام الفترة، وأصبت سماء الفتنة، اجتمع إليه نفر من الغاغة، واستولوا على النواحي المجاورة لناحيته بشنّ الغارة. ونظروا إلى العواقب بعين الحقارة، ولم ينصفوا في مراعاة القارة، حتى طلعت الرايات الطغرليّة،/ فانفضّوا من حوله، لخوف السلطان وهوله، «كمثل الشيطان إذ قال للانسان: اكفر فلما كفر قال: إني بريء منك [إني أخاف الله ربّ العالمين] ». ولولا سوء القضاء المضيّق عليه لرحب الفضاء، لأكبّ على العلم، وهو فيه من الأعلام ولم يتعاط السيوف بدلا من الأقلام، غير أنّه اغترّ ببأسه الشديد، وانتقل من القصب إلى الحديد. فأخذه السلطان أخذ عزيز مقتدر، وأورده الأجل حتفه شرب محتضر. فصلب ذلك الكبير بالمربّع الصغير على
بعض الخشاب. وأنشد: علو في الحياة وفي الممات، ورثاه الشيخ والدي، ﵀، بقصيدة أولها:
لأبي نصر بن ينفع حزنفي فؤادي تضيق عنه الضلوع
جذع هالنا على الجذع منهمنظر رائع وقلب مروع
طاله الجذع فاستطال ولولاجهلها لم تطل كذاك الجذوع
فمما بلغني من شعره، ما أنشدنيه الشيخ أبو محمد الحمدانيّ، قال: أنشدني لنفسه مرثية ابنه أبي الحسن بن ينفع، رحمهما الله:
شفّ المكارم والعلا تعطيلإذ قيل «ينفع» ذو الندى مقتول
سمح القضاء به فقلت مصدّقا:إنّ الزمان بمثله لبخيل
تبكي عليه بدمعها عين العلاوالمجد مشقوق الصّدار عليل
لو كان مثلك من أصابك سيدانفع العزاء ونفّس التعليل
قال: وأنشدني لنفسه، وقد كتب منها إلى بعض أصدقائه من الحبس:
دعوت فلانا راجيا فكأنّمادعوت به غيثا من الجود هاميا
وأوردني شربا من الفضل صافياوألبسته ثوبا من الحمد ضافيا
/ على أنّ ذا يفنى ويبقى ثناؤناوخير جزاء المرء ما كان باقيا
قال: وأنشدني لنفسه أيضا، وكتب بها إلى شمس الكفاة ساعة وروده الحضرة:
وشاعر جاء، شعره ذهبينثر من لفظه ومن كيسه
له نثاران يبتغي بهمافي عدله موضعا لتعريسه
إنّ ابن ليث أصابه سبعفصار من جحره إلى خيسه
وأنشدني الأديب أبو القاسم مهديّ بن أحمد الخوافيّ قال: أنشدني الشيخ أبو نصر لنفسه: قال: وكتب به إلى شمس الكفاة:
ألا أبلغا الشيخ الأجلّ رسالةتنبّئه أنّ الديار منازل
وأنّ الغنى، فوق الكفاية، فاقةوكلّ حطام ناله المرء زائل
وأنشدني له في مرثية أبيه أيضا:
مضى الجود حين مضى «ينفع»فعين العلا بهما ساهده
حليفان ما اختلفا في الحياةووارتهما تربة واحده
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع