من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو بكر اليوسفي
ماذا روى «دمية القصر وعصرة أهل العصر» عن أبو بكر اليوسفي الزوزني؟
صاحب التجنيس الأنيس والتطبيق، الذي طبّق به مفصل الصّنعة كلّ التطبيق. وكان في زمانه نادرة، يملك قلما جاريا، ويدا قادرة. فاللفظ أري، والخطّ وشي، والقول فصل، والمذهب عدل. وتوسّل إلى الصاحب اسماعيل بن عبّاد بمذهب الاعتزال وامتطى إلى حضرته بالريّ ظهور الآمال، وأوقر من صلاته الظهور بالأموال. وربحت بحضرته تجارته، ولم تخسر في معاملته/ صفقته. ووقع شعره منه أحسن المواقع، ورتّبه في مجلسه
في أرفع المواضع. وحدثني والدي قال: كان أبو بكر عندنا بباخرز مدة، وأحمد جوارنا، وصحبتنا. فقال يمدحنا وقصبتنا:
وردت مالين فألفيتهارمّانة حباتها المكرمات
أصيح من ظرف سجاياهمعاش الوفاء المحض والمكرمات
قال والدي: واتّفق أني وردت زوزن ملتجئا اليها من أيدي قوم ذقتهم فعفتهم، وفررت منهم لمّا خفتهم، فأقبلوا عليّ، وشكا محطيّ ثقل وطأة إنزالهم لديّ. فقلت فيهم معارضا لما قال يوسفهم فينا. فإنّ أيادي أولئك لم تكن تقصّر عن أيادينا:
قد ملئت زوزن من سادةلهم نفوس بالعلا عارفات
ما أغتدي إلّا ومن عندهمعارفة عندي بل عارفات
قد بقي الفخر بهم والنّدىوالبخل والشّؤم مع العارفات
والأيادي قروض، وقضاء القروض مفروض. وأنشدني والدي قال:
أنشدنيها لنفسه:
سقى الله ريّا وأروى معاوأروى منازل أروى بها
بلاد بها كنت أرعى المنىوآتي المعيشة من بابها
وإني لآمل في آملليالي أحظى بأعتابها
فيا دهر ساعد على بغيتيويا عمر كن بعض أسبابها
وأنشدني له أيضا، قال: أنشدني لنفسه من قصيدة [طويلة] له:
ليالي ريّا كروض الأصيلكبدر السّماء كماء الفرات
تبسّم عن ضاحك كالمهاةوتلحظ عن مثل عين المهاة
/
وفي عينها عين ماء الحياءوفي فمها (عين ماء) الحياة
فعشنا نواتي بلا رقبةوما ضاق عنّا نقير النّواة
فقولا لريّا: أفاق الزّمانفواتي بوصلك قبل الفوات
وله:
لمن رسم دار بذات الأشاوقد أوحش القلب إذ أو حشا؟
عهدت به بين غزلانهغزالا حشا بالغرام الحشا
وأنشدني له بعض من أثق به من تلامذة القاضي (أبي العلا صاعد بن محمّد) هذه القصيدة:
سقيا لمنزلنا بذات خبارحيث العذول يريبها أخباري
إذ حاجتي ذات المداري والهوىأقصاه والفلك المدار مدار
ألقى زماني مسعدا ومساعداوأرى سواء (حبرتي وحباري
صاحبت بكرا من زمان مقبلففضضت عذرته بخلع عذاري
بكّرت أزهار الحيا بمزاهروأخذت من أوتارها أو تاري
فعريت فيه من المروءة لابساثوب الهوى) والعار ثوب العاري
ومنها:
لمّا فطمت عن اللّذاذة كلّهاداوى النّهى بصراري إصراري
فوقفت في ربع خلا من أهلهوالدمع جار في فراق الجار
والحبّ يأكل كلّ قلب فارغخال، ويسروه عريم الساري
والمرء بالأوزار [مخذول] إذالم يلف من تقواه ذا أوزار
فإذا أجرّتني الغواية حبابهافي شرّتي فقصارها إقصاري
/ والمرء يقتل بالفراق (وما لهغير التعلّل بالمنى من ثار
وإذا الفتى حرم الغنى في أرضهألقاه إقتار إلى الإقتار
وكذاك من منع الحيا أحياؤهتبع القطار وسار في الأقطار
صاحبت أحداث الزّمان مجاملافاستعتبت أقدارها أقداري
وركبت أهوال الفلاة مساورافنعشت من (أخطارها أخطاري
وغنيت دهرا لو غنيت بنصرهولقد أواري في الضلوع أواري
يعني بنصر الأمير العالم العادل ابن سبكتكين، أخا السلطان محمود:
وأملّني طول التصرّف أنّنيأبصرت بخس الحقّ في استمرار
فشكا إلى الله العزيز هوانهفافتكّه من عقلة وإسار
والدين أبدى للإله جوارهحتى أتاح له أعزّ جوار
يا أيّها القاضي الذي آثارهقد غبّرت في أوجه الآثار
وتبسّمت أفعاله وكأنّهاغرر وضحن على جبين نهار
وعقائل جلت العقول وجوههاأبكارها كقلائد الأبكار
حجج كمثل طرائق الصّبح انجلتمعها ظلامة ممتر وممار
وأبحن للدين القويم سعادةوقطعن عنه دوابر الإدبار
وعليه درع تقى وحلّة سؤددورداء مكرمة وتاج فخار
إنّ الأمير رآك سيفا مثلههو في النضال وأنت يوم نظار
/ذاك الذي لو قال للفرس: اضطرمنزل الحضار به بجنب حضار
زند به عضد السيوف فصاوكتحربا وزند في المجاعة وار
فنفى غواشيه بطلعة نيّرورمى أعاديه بشعلة نار
وجلوت عن وضح الهدى فجلوتهمتضاحك الأنوار والأنوار
يا من أقام (ببلدة مستوطناوثناه في الأسفار والأسفار
تروى محاسن لفظها وكأنهادرر وآراء كمثل دراري
ومآثر قد خلّدت فكأنّهاغرر وعزم مثل حدّ غرار
ومنها في صفة القلم:
قصبات فضل قد حوى قصباتهافجرى موقّى كبوة وعثار
يبثثن في القرطاس أجباء النّهيبلعاب منقار لها من قار
فكأنهنّ من الحرير لوابسقمصا لها مفروجة الأزرار
سقيا لأيّام مضين مضيئةوظلمن مظلمة وهنّ عوار
فسعدت قبل بقربه وبقربتيوشقيت بعد ببعده ودياري
كم من يد أسدت يداه كلاهمايمناه يمني واليسار يساري
ولقد قصدت زيارة فمنعتهاوالحجّ آفته من الإحصار
فوسمت باسم أبي العلاء قصيدةوجعلتها هديا مع الأشعار
ومنها:
فالعقل جسري والجسارة معقليوالعذر صوني والصّواب عذاري
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع