تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الرسالة الأولى مناقب الترك (٢)

الصفحة ١ من ٢

والخوارج إذا ولوا فقد ولوا وليس لهم بعد الفرِّ كر، إلا ما لا يعد. والتركيُّ ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم النافع، والحتف القاضي؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبرٌ كما يصيب به وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه، ولا انتساف الفرس، واختطاف الفارس بتلك الراكضة.

ولم يفلت من الوهق في جميع الدهر إلا المهلب بن أبي صفرة، والحريش بن هلال، وعباد بن الحصين. وربما رمى بالوهق وله فيه تدبير آخر

وإن لم يجنب المرمى معه، يوهم الجاهل أن ذلك إنما كان لخرق التركي، أو لحذق المرمى.

قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاثة قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك.

قال: والتركي في حال شدته، معه كل شيء يحتاج إليه لنفسه وسلاحه ودابته وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب وعلى مواصلة السفر، وعلى طول السُّري وقطع البلاد، فعجيبٌ جداً.

فواحدةً: أن فرس الخارجي لا يصبر صبر برذون التركي.

والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم، والتركي أحذق من البيطار، وأجود تقويماً لبرذونه على ما يريده من الراضة وهو استنتجه، وهو رباه فلواً، وتتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه. وقد عوده ذلك حتى عرفه، كما يعرف الفرس أقدم،

والناقة حل، والجمل جاه، والبغل عدس، والحمار ساسا، وكما يعرف المجنون لقبه والصبي اسمه.

ولو حصلت عُمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابته أكثر من جلوسه على ظهر الأرض. والتركي يركب فحلاً أو رمكة، ويخرج غازياً أو مسافراً، أو متباعداً في طلب صيدٍ، أو سببٍ من الأسباب، فتتبعه الرَّمكة وأفلاؤها، إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها أو احتاج إلى طعامٍ فصد دابةً من دوابِّه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدةً تحته ركب أخرى من غير أن ينزل إلى الأرض. وليس في الأرض أحدٌ إلا وبدنه ينتفض على اقتيات اللحم وحده غيره؛ وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظُّلها من شمس ولا يكنها من برد.

قال: وأما الصبر على الخبب فإن الثغريين، والفرانقيين، والخصيان والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخصٍ واحد لما وفوا بتركي واحد.

والتركي لا يبقى معه على طول الغاية إلا الصميم من دوابه. والذي يقتله التركي بإتعابه له، وينفيه عند غزاته، هو الذي لا معه فرس الخارجي، ولا يبقى معه كل برذون بخاري. ولو ساير خارجياً لاسترغ وسعه قبل أن يبلغ الخارجي عفوه.

والتركي هو الراعي، وهو السائس وهو الراكض، وهو النخاس، وهو البيطار، وهو الفارس. والتركي الواحد أمةٌ على حدة.

قال: وإذا سار التركي في غير عساكر الترك، فسار القوم عشرة أميال سار عشرين ميلاً؛ لأنه ينقطع عن العسكر يمنةً ويسرة، ويسرع في ذرى الجبال، ويستبطن قعور الأودية في طلب الصيد؛ وهو في ذلك يرمي كل ما دب ودرج، وطار ووقع.

قال: والتركي لم يسر في العساكر سير الناس قط، ولا سار مستقيماً قط.

قالوا: وإذا طالت الدلجة واشتد السير، وبعد المنزل، وانتصف النهار، واشتد التعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا،

وقطعهم ما هم فيه عن التشاغل بالحديث، وتفسخ كل شيءٍ من شدة الحر، وخمد كل شيء من شدة البرد، وتمنى كل جليد القوى على طول السرى أن تطوى له الأرض، وكلما رأى خيالاً أو أبصر علماً سر به واستبشر، وظن أنه قد بلغ المنزل؛ فإذا بلغه الفارس نزل وهو متفحج كأنه صبيٌّ محقون، يئن أنين المريض، ويستريح إلى التثاؤب، ويتداوى مما به بالتمطي والتضجع. وترى التركي في تلك الحال وقد سار ضعف ما ساروا وقد أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى قرب المنزل عيراً أو ظبياً، أو عرض له ثعلب أو أرنب، خيركض ركض مبتدئ مستأنف، كأن الذي سار ذلك السير وتعب ذلك التعب غيره.

وإن بلغ الناس وادياً فازدحموا على مسلكه أو على قنطرته، بطن برذونه فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبةٍ صعبةٍ ترك السنن وذهب في الجبل صعداً، ثم تدلى من موضع يعجز

عنه الوعل؛ وأنت تحسبه مخاطراً بنفسه، للذي ترى من مطَّلعه. ولو كان في كل ذلك مخاطراً لما دامت له السلامة مع تتابع ذلك منه.

قال: ويفخر الخارجي بأنه إذا طلب أدرك، وإذا طُلب لم يدرك. والتركي ليس يحوج إلى أن يفوت؛ لأنه لا يُطلب ولا يرام. ومن يروم ما لا يطمع فيه؟! فهذا. على أنا قد علمنا العلة التي عمت الخوارج بالنجدة استواء حالتهم في الديانة، واعتقادهم أن القتال دين؛ لأننا حين وجدنا السجستاني والخراساني والجزري واليمامي والمغربي والعماني، والأزرقي منهم والنجدي والإباضي والصفري، والمولى والعربي، والعجمي والأعرابي، والعبيد والنساء، والحائك والفلاح، كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب وتباين البلدان علمنا أن الديانة هي التي سوت بينهم، ووفقت بينهم في ذلك. كما أن كل حجامٍ في الأرض من أي جنسٍ كان، ومن أي بلدٍ كان، فهو يحب

النبيذ، وكما أن أصحاب الخلقان والسماكين والنخاسين والحاكة في كل بلد من كل جنس، شرار خلق الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أن ذلك خلقة في هذه الصناعات، وبنية في هذه التجارات، حين صاروا من بين جميع الناس كذلك.

قال: ورأينا التركي في بلاده ليس يقاتل على دينٍ ولا على تأويل، ولا على ملك ولا على خراج، ولا على عصبية ولا على غيرة دون الحرمة والمحرم، ولا على حمية ولا على عداوة، ولا على وطنٍ ومنع دار ولا مال؛ وإنما يقاتل على السلب والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا. وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم. وهو الطالب غير المطلوب؛ ومن كان كذلك فإنما يأخذ العفو من قوته، ولا يحتاج إلى مجهوده. ثم هو مع ذلك لا يقوم له شيء ولا يطمع فيه أحد، فما ظنك بمن هذه صفته أن لو اضطره إحراج أو غيرة أو غضب أو تدين، أو عرض له بعض ما يصحب المقاتل المحامي من العلل والأسباب.

قال: وقناة الخارجىّ طويلة صماء، وقناة التركيّ مطرد أجوف والقنىُّ المجوفة القصار أشد طعنة وأخف في المحمل. والعجم تجعل القنى

الطوال للرجالة، وهي قنى الأبناء، على أبواب الخنادق والمضايق. والأبناء في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانية؛ لأن الغالب على الأبناء المطاعنة على أبواب الخنادق وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل والفرسان وعلى الخيل والفرسان تدور الجيوش، لهم الكر والفر. والفارس هو الذي يطوي الجيش طيَّ السجل، ويفرقهم تفريق الشعر. وليس يكون الكمين إلا منهم ولا الطليعة ولا السَّاقة. وهم أصحاب الأيام المذكورة والحروب الكبار والفتوح العظام، ولا تكون المقانب والكتائب إلا منهم. ومنهم من يحمل البنود والرايات، والطبول والتجافيف والأجراس. وهم أصحاب الصهيل والقتام، وزجر الخيل، وقعقة الريح في الثياب

والسلاح ووقع الحوافر، والإدراك إذا طَلبوا، والغوث إذا طُلبوا. ولم يجعل النبي ﷺ للفارس سهمين وللراجل من المقاتلة سهماً واحداً إلا لتضاعيف الرد في القتل والفتوح، والنهبة والمغانم.

ثم قال: ولعمري إن الأبناء من القتال في السكك والسجون والمضايق ما ليس لغيرهم. ولكن الرجال أبداً أتباعٌ ومأمورون ومنقادون، وقائد الرجال لا يكون إلا فارساً، وقائد الفرسان من الممتنع أن يكون راجلاً. ومن تعود الطعان والضرب والرمي راكباً إن اضطر إلى الطعن والرمي راجلاً كان على ذاك أدفع على نفسه، وأرد عن أصحابه، من الراجل إذا احتاج أن يستعمل سلاحه فارساً. وعلى أنه ما أكثر ما ينزلون ويقاتلون. وقد قال الشاعر:

لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلناوأخو الحرب من أطاق النزولا
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «بات ليلي بالأنعمين طويلا»

وقال الضبيُّ: وعلام أركبه إذا لم أنزل.

وقال آخر: فمعانقٌ ومنازل.

وقال حميد: وليس في الأرض قومٌ إلا والتساند في الحروب، والإشتراك في الرياسة ضارٌ لهم، إلا الأتراك. على أن الأتراك لا يتساندون ولا يتشاركون؛ وذلك أن الذي يكره من المساندة والمشاركة اختلاف الرأي، والتنافس في السر، والتحاسد بين الأشكال، والتواكل فيما بين المشتركين.

والأتراك إذا صافوا جيشاً إن كان في القوم موضع عورةٍ فكلهم قد أبصرها وعرفها؛ وإن لم تكن هناك عورةٌ لم يكن فيهم مطمع، وكان الرأي الانصراف، فكلهم قد رأى ذلك الرأي وعرف الصواب فيه. وخواطرهم واحدة، ودواعيهم مستوية بإقبالهم معاً. وليس هم أصحاب تأويلاتٍ ولا أصحاب تفاخرٍ وتناشدٍ، وإنما شأنهم إحكام أمرهم؛ فالاختلاف يقل بينهم.

وكانت الفرس تعيب العرب إذا خرجوا إلى الحرب متساندين، وكانت تقول: الاشتراك في الحرب وفي الزوجة وفي الإمرة سواء.

قال حميد: فما ظنك بقومٍ إذا تساندوا لم يضرهم التساند، فكيف يكونون إذا تحاسدوا.

فلما انتهى الخبر إلى المأمون قال: ليست بالترك حاجةٌ إلى حكم حاكم بعد حميد؛ فإن حميداً قد مارس الفريقين، وحميد خراساني وحميد عربي، فليس للتهمة عليه طريق.

قالوا: وأتى الخبر ذا اليمينين طاهر بن الحسين فقال: ما أحسن ما قال حميد. أما إنه لم يقصر ولم يفرط.

فهذا قول الخليفة المأمون، وحكم حميد، وتصويب طاهر.

وخبرني رجلٌ من أهل خراسان أو من بني سدوس قال: سمعت أبا البط يقول: ويلكم، كيف أصنع بفارسٍ يملأ فروج دابته منحدراً من جبل، أو مصعداً في مقطعٍ عفير، ويمكنه على ظهر الفرس ما لا يمكن الرقاص الأبلَّىَّ على ظهر الأرض.

قال: وقال سعيد بن عقبة بن سلمٍ الهنائي، وكان ذا رأيٍ في الحرب وابن ذي رأيٍ فيها: فرق ما بيننا وبين الترك أن الترك لم تغز قوماً قط،

ولا صافت جيشاً ولا هجمت على عدو كانوا عرباً أو عجماً، فأخرجوا إليهم أعدادهم ولقوهم بمثلهم. وليس غايتهم إلا أن ينقادوا ليكفوا عنهم بأسهم ومعرتهم، ويصرفوا عنهم كيدهم. فإن هم امتنعوا من الصلح واعتزموا على الحرب فليس شأنهم والذي يدور عليه أمرهم إلا منع أنفسهم وتحصين عسكرهم، والاحتراس منهم. فأما أن ترقى هممهم وتسمو أنفسهم إلى الاحتيال عليهم، والتماس غرتهم، فإن هذا شيءٌ لا يخطر على بال من يحاربهم.

ثم قال: وقد عرفتم حيلهم في دخول المدن من جهة حيطانها المصمتة العريضة، وحيلتهم في عبور نهر بلخ.

وسعيدٌ هذا هو الذي قال: إذا حاربتم وكنتم ثلاثةً فاجعلوا واحداً مددا، وآخر كمينا. وله كلام في الحرب غير هذا كثير.

قال سعيد: وأخبرني أبي قال: شهدت أبا الخطاب يزيد بن قتادة بن دعامة الفقيه، وذكر قول عمر بن الخطاب ﵁ في الترك حيث قال: " عدوٌّ شديدٌّ طلبه، قليلٌ سلبه "، فقال رجلٌ من العالية: نهى عمر أبا زبيدٍ الطائيَّ عن وصف الأسد؛ لأن ذلك مما يزيد في رعب

الجبان، وفي هول الجنان، ويقل من رغب الشجاع، وقد وصف الترك بأشد من وصف أبي زبيدٍ الأسد.

وقال سعيد في حديثه يومئذٍ، وقد قطعت شرذمةٌ منهم بلاد أبي خزيمة - يريد حمزة بن أدرك الخارجي - وما والي خراسان في بعض الأمر، وحمزة في معظم الناس، فقال لأصحابه: أفرجوا لهم ما تركوكم، ولا تتعرضوا لهم؛ فإنه قد قيل: تاركوهم ما تاركوكم.

فهذا قول سعيد بن عقبة ورأيه وحديثه؛ وهو عربي خرساني.

وذكر يزيد بن مزيد الوقعة التي قتل فيها يولبا التركي الوليد بن طريف الخارجي، فقال في بعض ما يصف من شأن الترك: ليس لبدن التركي على

ظهر الدابة ثقل، ولا لمشيه على الأرض وقع، وإنه ليرى وهو مدبرٌ ما لا يرى الفارس منا وهو مقبل. وهو يرى الفارس منا صيداً ويعد نفسه فهدا، ويعده ظبياً ويعد نفسه كلبا. والله لو رمى به في قعر بئر مكتوفاً لما أعجزته الحيلة؟ ولولا أن أعمار عامتهم تقصر دون الجبل - يعني جبل حلوان - ثم هموا بنا، لألقوا لنا شغلاً طويلاً.

وأنشد رجلٌ من أصحابه:

هب الدنيا تساق إليك عفواًأليس مصير ذاك إلى زوال
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «نعى نفسي إلي من الليالي»

قال: أما التركي فلأن ينال الكفاف غصباً أحب إليه من أن ينال الملك عفواً. ولم يتهن تركيٌّ بطعامٍ إلا أن يكون صيداً او مغنما، ولا يعز على ظهر دابته طالباً كان أو مطلوبا.

وقال ثمامة بن أشرس، وكان مثل محمد بن الجهم في كثرة ذكره للترك. قال ثمامة: التركي لا يخاف إلا مخوفا ولا يطمع في غبر مطمع، ولا يكفُّه عن الطلب إلا اليأس صرفا، ولا يدع القليل حتى يصيب أكثر منه، وإن قدر أن يجمعهما لم يفرط في واحدٍ منهما. والباب الذي لا يحسنه لا يحسن منه شيئاً،

والباب الذي يحسنه قد أحكمه بأسره وأمره وخفيه عنده كظاهره، ولا يتشاغل بشيء، ولا على نفسه من شيء. ولولا أن يجم نفسه بالنوم لما نام، على أن نومه مشوبٌ باليقظة، ويقظته سليمة من الوسنة، ولو كان في شقهم أنبياء، وفي أرضهم حكماء، وكانت هذه الخواطر قد مرت على قلوبهم، وقرعت أسماعهم، لأنسوك أدب البصريين، وحكمة اليونانيين، وصنعة أهل الصين.

وقال ثمامة: عرض لنا في طريق خراسان تركيٌّ ومعنا قائد يصول بنفسه ورجاله، وبيننا وبين التركي وادٍ، فسأله أن يبارزه فارسٌ من القوم، فأخرج له رجلاً لم أرقط أكمل منه، ولا أحسن تماماً وقواماً منه، فاحتال حتى عبر إليهم الفارس، فتجاولا ساعةً، ولا نظن إلا أن صاحبنا يفي بأضعافه، وهو في ذلك يتباعد عنا. فبينما هما في ذلك إذ ولى عنه التركي كالهارب منه، وفعل ذلك في موضعٍ ظننا أن صاحبنا قد ظهر عليه، وأتبعه الفارس لا نشك إلا أنه سيأتينا برأسه، أو يأتينا به مجنوباً إلى فرسه، فلم نشعر إلا وصاحبنا قد أفلت عن فرسه وغاب عنه، فنزل التركي إليه فأخذ سلبه وقتله، ثم عارض فرسه فجنبه إليه معه.

قال ثمامة: ثم رأيت بعد ذلك التركي قد جيء به أسيراً إلى دار الفضل ابن سهل، فقلت له: كيف صنعت يومئذ، وكيف طاولته ثم علاك ثم وليت عنه هارباً ثم قتلته؟ قال: أما إني لو شئت أن أقتله حين عبر؛ وقد كان مقتله بارزاً لي، ولكني احتلت عليه حتى نحيته عن أصحابه لأجوِّزه، فلا يحال بيني وبين فرسه وسلبه.

قال ثمامة: وإذا هو يدير الفارس من سائر الناس ويريغه كيف شاء وأحب.

قال ثمامة: وقد غبرت في أيديهم أسيراً فما رأيت كإكرامهم وتحفهم وألطافهم.

فهذا ثمامة بن أشرس، وهو عربي لا يتهم في الإخبار عنهم.

وأنا أخبرك أني قد رأيت منهم شيئاً عجيباً وأمراً غريباً: رأيت في بعض غزوات المأمون سماطي خيل على جنبتي الطريق بقرب المنزل، مائة فارسٍ من الأتراك في الجانب الأيمن، ومائةٌ من سائر الناس في الجانب الأيسر، وإذا هم قد اصطفوا ينتظرون مجيء المأمون، وقد انتصف النهار واشتد الحر. فورد عليهم وجمع الأتراك جلوسٌ على ظهور خيولهم إلا ثلاثة أو أربعة، وجميع تلك الأخلاط من الجند قد رموا بنفوسهم إلى الأرض إلا ثلاثة أو أربعة. فقلت

لصاحبٍ لي: انظر أي شيءٍ اتفق لنا. أشهد أن المعتصم كان أعرف بهم حين جمعهم واصطنعهم.

وأردت مرة القاطول - وهي المباركة - وأنا خارجٌ من بغداد، وأرى فوارس من أهل خراسان والأبناء وغيرهم من أصناف الجندي، قد عار لهم فرس، وهم على خيلٍ عتاق يريغونه فلا يقدرون على أخذه، ومر تركيٌ ولم يكن من ذوي هيئاتهم وذوي القدر منهم، وهو على برذونٍ له خسيس، وهم على الخيول المطهمة، فاعترض الفرس اعتراضاً، وقتله قتلاً وحياً؛ وأتاه من زجره بشيءٍ، فوقف أولئك الجند وصاروا نظارة، فقال بعضهم ممن كان يزري على ذلك التركي: هذا وأبيك التكلف والتعرض: أن فرساً قد أعجزهم وهم أسد البلاد، وجاء هذا مع قصر قامته وضعف دابته، فطمع أن يأخذه. فمى انقضى كلامه حتى أقبل به ثم سلمه إليهم ومضى لطلبته، لم ينتظر ثناءهم ولا دعاءهم، ولا أراهم أنه قد صنع شيئاً، أو أتى إليهم معروفاً.

والأتراك قومٌ لا يعرفون الملق ولا الخلابة، ولا النفاق ولا السعاية، ولا التصنع ولاالنميمة ولا الرياء، ولا البذخ على الأولياء، ولا البغيَ على الخلطاء، ولا يعرفون البدع، ولم تفسدهم الأهواء، ولايستحلُّون الأموال على التأوُّل، وإنما كان عيبهم، والذي يوحش منهم، الحنين إلى الأوطان، وحبُّ التقلب في البلدان، والصبابة بالغارات، والشغف بالنهب، وشدة

الإلف للعادة، مع ما كانوا يتذاكرون من سرور الظفر وتتابعه، وحلاوة المغنم وكثرته، وملاعبهم في تلك الصحارى، وتردُّدهم في تلك المروج، وألا يذهب بطول الفراغ فضل نجدتهم باطلاً، ويصير حدهم على طول الأيام كليلاً.

ومن حذق شيئاً لم يصبر عنه، ومن كره أمراً فر منه.

وإنما خصوا بالحنين من بين جميع العجم لأن في تركيبهم وأخلاط طبائعهم من تركيب بلدهم وتربيتهم، ومشاكلة مياههم ومناسبة إخوانهم، ما ليس مع أحدٍ سواهم. ألا ترى أنك ترى البصريَّ فلا تدري أبصريٌّ هو أم كوفيٌّ، وترى المكيَّ فلا تدري أمكيّ هو أم مدنيّ. وترى الجبليَّ فلا تدري أجبليٌّ هو أم خراسانيّ، وترى الجزريَّ فلا تدري أجزريٌّ هو أم شاميّ. وأنت لا تغلط في التركيّ، ولا تحتاج فيه إلى قيافةٍ ولا إلى فراسة، ولا إلى مساءلة. ونساؤهم كرجالهم، ودوابهم تركيةٌ مثلهم.

وهكذا طبع الله تلك البلدة، وقسم لتلك التربة. وجميع دور الدنيا ونشوُّها إلى منتهى قواها ومدة أجلها، جارية على عللها، وعلى مقدار أسبابها وعلى قدر ما خصها الله تعالى به وأبانها، وجعل فيها. فإذا صاروا إلى دار الجزاء، فهي كما قال اللَّه تعالى: " إنا أنشأناهنَّ إنشاءً ".

وكذلك ترى أبناء العرب والأعراب الذين نزلوا خراسان، لا تفصل بين من نزل أبوه بفرغانة وبين أهل فرغانة، ولا ترى بينهم فرقاً في السبال الصهب

والجلود القشرة، والأقفاء العظيمة، والأكسية الفرغانية. وكذلك جميع تلك الأرباع، لا تفصل بين أبناء النازلة وبين أبناء النابتة.

ومحبة الوطن شيءٌ شامل لجميع الناس، وغالب على جميع الجيرة. ولكن ذاك في الترك أغلب، وفيها أرسخ؛ لما معها من خاصة المشاكلة والمناسبة، واستواء الشبه، وتكافي التركيب. ألا ترى أن العبدي يقول: " عمر الله البلدان بحب الأوطان "، وأن ابن الزبير قال: " ليس الناس بشيءٍ من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم "، وأن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لولا تفرق أهواء العباد لما عمَّر الله البلاد "، وأن جمعة الإيادبة قالت: " لولا ما أوصى الله به العباد من قفر البلاد، لما وسعهم وادٍ ولا كفاهم زاد ".

وذكر قتيبة بن مسلم الترك فقال: " هم والله أحن من الإبل المعقلة إلى أوطانها "؛ لأن البعير يحن إلى وطنه وعطنه، وهو بعمان، من ظهر البصرة، فهو يخبط كل شيء ويستبطن كل وادٍ، حتى يأتي مكانه؛ على أنه طريقٌ لم يسلكه إلا مرةً واحدة، فلا يزال بالشم والاسترواح وحسن الاستدلال، وبالطبيعة المخصوص بها حتى يأتي مبركه، على بعد ما بين عمان والبصرة.

فلذلك ضرب به قتيبة المثل.

والشح على الوطن والحنين إليه، والصبابة به، مذكورةٌ في القرآن، مخطوطةٌ في الصحف بين جميع الناس. غير أن التركي للعلل التي ذكرناها أشد حنيناً وأكثر نزوعاً.

وباب آخر، مما كان يدعوهم إلى الرجوع قبل العزم الثابت، والعادة المنقودة: وذلك أن الترك قومٌ يشتد عليهم الحصر والجثوم، وطول اللُّبث والمكث، وقلة التصرف والتحرك، وأصل بنيتهم إنما وضع على الحركة، وليس للسكون فيها نصيب، وفي قوى أنفسهم فضلٌ على قوى أبدانهم، وهم أصحاب توقد وحرارة، واشتغال وفطنة، كثيرةٌ خواطرهم، سريع لحظهم، وكان يرون الكفاية معجزة، وطول المقام بلادة، والراحة عقلة، والقناعة من قصر الهمة؛ وأن ترك الغزو يورث الزلة.

وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهبٍ الراسبيَّ: " حب الهوينا يكسب النصب ". والعرب تقول: " من غلا دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء ". وقال أكثم بن صيفيَّ: " ما أحب أني مكفيٌ كل أمر الدنيا ". قيل: ولم؟ قال: " أخاف العجز ".

فهذه كانت علل الترك في حب الرجوع والحنين إلى الوطن.

ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشرود ويبعثهم على الرجوع، ويكره عندهم المقام، ما كانوا فيه من جهل قوادهم بأقدارهم، وقلة معرفتهم بأخطارهم، وإغفالهم موضع الرد عليهم والانتفاع بهم، حتى جعلوهم أسوة أجنادهم، ولم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامة ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أن الضيم لا يليق بهم؛ وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لا يعرف حقهم ألوم ممن منعهم حقهم، فلما صادفوا ملكاً حكيماً، وبأقدار الناس عليماً، لايميل إلى سوءعادةٍ ولايجنح إلى هوى، ولايتعصب لبلد على بلد؛ يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحق حيثما أقام، أقاموا إقامة من قد فهم الحظ، ودان بالحق ونبذ العادة، وآثر

الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمام على ملك الجبرية، واختار الصواب على الإلف.

ثم اعلم بعد هذا كله أن كل أمةٍ وقرنٍ، وكل جيلٍ وبني أبٍ وجدتهم قد برعوا في الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب، وفي تأسيس الملك، وفي البصر بالحرب؛ فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن يكون الله قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي تقابل تلك الأمور، وتصلح لتلك المعاني؛ لأن من كان متقسم الهوى، مشترك الرأي، ومتشعب النفس، غير موفر على ذلك الشيء ولا مهيَّأٍ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئاً بأسره، ولم يبلغ في غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم والآداب، والعرب فيما نحن فيه ذاكروه في موضعه، وآل ساسان في الملك، والأتراك في الحروب. ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجاراً ولا صناعاً بأكفهم، ولا أصحاب زرعٍ ولا فلاحة وبناءٍ وغرسٍ، ولاأصحاب جمعٍ ومنعٍ، وحرصٍ وكدٍّ، وكانت الملوك تفرغهم، وتجري عليهم كفايتهم،

فنظروا حين نظروا بأنفسٍ مجتمعة، وقوةٍ وافرة، وأذهانٍ فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون جماماً للنفس، وراحةً بعد الكد، وسروراً يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، وصاغوا من المنافع كالقرصوطونات، والقبانات، والأسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، وكالشيزان، والبركار، وكأصناف المزامير والمعازف، وكالطب والحساب والهندسة واللحون، وآلات الحرب كالمجانيق،

والعرادات، والرتيلات، والدبابات، وآلة النفاط، وغير ذلك مّما يطول ذكره.

وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا فعلة؛ يصورون الآلة، ويخرطون الأداة، ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسونها، ويرغبون في العلم ويرغبون في العمل.

فأما سكان الصين فهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت والتصوير، والنسخ والخطّ، ورفق الكف في كل شيءٍ يتولونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه.

واليونان يعرفون الفلك، لأن أولئك حكماء وهؤلاء فعلة. وكذلك العرب، لم يكونوا تجاراً ولا صناعا، ولا أطباء ولا حساباً، ولا أصحاب فلاحة فيكونون مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم من صغار

الجزية. ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغني الذي يورث البلدة، والثروة التي تحدث الفرَّة، ولم يحتملوا ذُلاً قط فيميت قلوبهم ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فيافٍ وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا اللثق، ولا البخار ولا الغلط ولا العفن، ولا التخم. أذهان حداد، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم لقول الشعر وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآفاق، وتعرُّف الأنوار، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع من جميع الأمم وأفخر، ولأيامهم أحفظ وأذكر.

وكذلك الترك أصحاب عمد وسكان فيافٍ وأرباب مواشٍ، وهم أعراب

العجم كما أن هذيلاً أكراد العرب. فحين لم تشغلهم الصناعات والتجارات، والطب والفلاحة والهندسة؛ ولا غرسٌ ولا بيانٌ، ولا شقٌّ أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن هممهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفةً وكانت لهذه المعاني والأسباب مسخرةً ومقصورةً، عليها، وموصولة بها أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، ولذتهم وفخرهم، وحديثهم وسمرهم.

فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، وأهل الصين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكآل ساسان في الملك والرياسة.

ومما يستدل به على أنهم قد استقصوا هذا الباب واستغرقوا، وبلغوا أقصى غايته وتعرفوه، أن السيف إلى أن يتقلده متقلد، أو يضرب به ضارب، قد مرَّ على أيدٍ كثيرة، وعلى طبقات من الصناع، كل واحدٍ منهم لا يعمل عمل صاحبه، ولا يحسنه ولا يدعيه ولا يتكلفه، لأن الذي يذيب حديد السيف ويميعه، ويصفيه ويهذبه، غير الذي يمده ويمطله؛ والذي يمده ويمطله

غير الذي يطبعه ويسوي متنه، ويقيم خشيبته؛ والذي يطبعه ويسوي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي يرهفه غير الذي يركب قبيعته ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير السيلان وشاربي القبيعة ونصل السيف غير الذي ينحت خشب غمده، والذي ينحت خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحليه، والذي يحليه ويركب نعله غير الذي يخرز حمائله. وكذلك السرج، وحالات السهم والجعبة والرمح وجميع السلاح، مما هو جارحٌ أو جُنَّة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع