من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة الأولى مناقب الترك (٢)
الصفحة ٢ من ٢
والتركي يعمل هذا كله لنفسه من ابتدائه إلى غايته، فلا يستعين برفيق، ولا يفزع فيه إلى صديق، ولا يختلف إلى صانع، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، وأكاذيب مواعيده، وبعزم كرائه.
وحين بلغ أوس بن حجر صفة القانص، وبلغ له الغاية في جمعه لأبواب الكفاية بنفسه، قال:
قصيٌّ مبيت الليل للصيد مطعملأسهمه غارٍ، وبارٍ وراصفُ
وليس أنه ليس في الأرض تركيٌّ إلا وهو كما وصفنا، كما أنه ليس كل يونانيٌّ حكيماً ولا كل صينيٍّ غايةً في الحذق، ولا كل أعرابيٍّ شاعراً قائفا، ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم وأتم، وهي فيهم أظهر وأكثر.
قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النجدة والفروسية في الترك دون جميع الأمم، وفي العلل التي من أجلها انتظموا جميع معاني الحرب، وهي معانٍ تشتمل على مذاهب غربية، وخصالٍ عجمية.
فمنها: ما يقضي لأهله بالكرم وببعد الهمة وطلب الغاية. ومنها: ما يدل على الأدب السديد والرأي الأصيل، والفطنة الثاقبة والبصيرة النافذة. ألا ترى أنه ليس بدٌّ لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر والكتمان، ومن الثقافة، وقلة الغفلة وكثرة التجربة. ولا بد من البصر بالخيل والسلاح، والخبرة بالرجال وبالبلاد، والعلم بالمكان والزمان والمكايد، وبما فيه صلاح هذه الأمور كلها.
والملك يحتاج إلى أواخٍ شداد وأسباب متان، ومن أتمها سبباً وأعمقها نفعاً ما ثبته في نصابه، وأقره وسكنه في قراره، وزاد في تمكنه وبهائه، وقطع أسباب المطعمة فيه، ومنع أيدي البغاة من الإشارة إليه فضلاً عن البسط عليه.
قال: ثم إن الترك عطفت على العرب بالمحاجّة والمقايسة، وقالوا: قلتم إن تكن القرابة مما يستحق بالكفاية فنحن أقدم في الطاعة والود والمناصحة، وإن تكن تستحقّ بالقربة فنحن أقرب قرابةً.
قالوا: والعرب بعد هذا صنفان: عدنان وقحطان. فأما القحطانيّ فنسبتنا إلى الخلفاء أقرب من نسبتهم، ونحن أمس بهم رحماً؛ لأن الخليفة من ولد إسماعيل بن ابراهيم، دون قحطان وعابر. وولد إبراهيم ﵇ إسماعيل، وأمه هاجر، وهي قبطية. وإسحاق وأمه سريانية. والستة الباقون أمهم قطورا بنت مفطون عربية، من العرب العاربة.
وفي قول القحطانية: إنّ أمّنا أشرف في الحسب إذ كانت عربية. وأربعة من الستة هم الذين وقعوا بخرسان، فأولدوا ترك خرسان. فهذا قولنا للقحطانيّ.
وأما قولنا للعدنانيّ، فإبراهيم أبونا، وإسماعيل عمّنا، وقرابتنا من إسماعيل كقرابتكم.
قال الهيثم بن عدىّ: قيل لمبارك التركي، وعنده حمّادٌ التركي: إنّكم من مذحج. قال: ومذحج هذا من هو ذاك؟ وما نعرف إلاّ إبراهيم خليل الله وأمير المؤمنين.
قال الهيثم: وقد كان سقط إلى بلاد الترك رجلٌ من مذحجٍ فأنسل نسلاً كثيراً، ولذلك قال شاعر الشعوبية للعرب في قصيدة طويلة:
زعمتم بأنّ الترك أبناء مذحجٍوبينكم قربى وبين البرابر
وذالكم نسل ابن ضبة باسلٍوصوفان أنسال كثير الجرائر
وقال آخر:
متى كانت الأتراك أبناء مذبحٍألا إن في الدنيا عجيباً لمن عجب
وقد سمعتم ما جاء في سد بني قطورا وشأن خيولهم بنخل السود، وإنما كان الحديث على وجه التهويل والتخويف بهم لجميع الناس، فصاروا للإسلام مادةً وجنداً كثيفاً، وللخلفاء وقايةً وموئلاً وجنةً حصينة، وشعاراً دون الدثار.
وفي المأثور من الخبر: " تاركوا الترك ما تاركوكم ". وهذه وصيةٌ لجميع العرب؛ فإن الرأي متاركتنا ومسالمتنا. وما ظنكم بقومٍ لم يعرض لهم ذو القرنين. وبقوله " اتركوهم " سمُّوا الترك. هذا بعد أن غلب على جميع الأرض غلبةً وقسراً، وعنوةً وقهراً.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: " هذا عدوٌّ شديدٌ كلبه، قليل سلبه ". فنهى كما ترى عن التعرض لهم، بأحسن كناية.
والعرب إذا ضربت المثل في العداوة الشديدة قالوا: ما هم إلا الترك والديلم.
قال عملس بن عقيل بن علفة:
تبدلت منه بعد ما شاب مفرقيعداوة تركي وبغض أبي حسل
وأبو حسل هو الضَّبّ. والعرب تقول: " هو أعقُّ من ضبّ "؛ لأنه يأكل أولاده.
ولم يرعب قلوب أجناد العرب مثل الترك. وقال خلفٌ الأحمر:
كأني حين أرهنهم بنيَّدفعتهم إلى صهب السبال
قال: وإياهم عني أوسٌ بن حجر:
تكّبتها ماءهم لما رأيتهمصهب السبال بأيديهم بيازير
وحدثني إبراهيم بن السندي مولى أمير المؤمنين، وكان عالماً بالدولة، شديد الحب لأبناء الدعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيامهم، ويدعو الناس إلى طاعتهم، ويدرسهم مناقبهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان أردَّ على هذا الملك من عشرة آلاف سيفٍ شهير، وسنانٍ طريرٍ، لكان ذلك قولاً ومذهباً.
قال: حدثني عبد الملك بن صالح، عن أبيه صالح بن علي أن خاقان ملك الترك واقف مرةالجنيد بن عبد الرحمن أمير خراسان، وقد كان الجنيد هاله أمره، وأفزعه شأنه، وتعاظمه جموعه وجمعه، وبعل به، وفطن به خاقان وعرف ما قد وقع فيه، فأرسل إليه:
" إني لم أقف هذا الموقف وأمسك هذا الإمساك وأنا أريد مكروهاً، فلا ترع. ولو كنت أريد غلبةً أو مكروهاً لقد كنت انتسفت عسكرك انتسافاً
أعجلك فيه عن الروية وقد أبصرت موقع العورة. ولولا أن تعرف هذه المكيدة فتعود بها على غيري من الأتراك، لعرَّفتك موضع الانتشار والخلل والخطأ في عسكرك وتعبيتك. وقد بلغني أنك رجلٌ عاقل، وأن لك شرفاً في بيتك وفضلاً في نفسك، وعلماً بدينك، وقد أحببت أن أسأل عن شيءٍ من أحكامهم لأعرف به مذهبكم، فاخرج إليَّ في خاصتك لأخرج إليك وحدي، وأسائلك عما أحتاج إليه بنفسي. ولا تحتفل ولا تحترس؛ فليس مثلي من غدر، وليس مثلي يؤمن من نفسه، ومن مكره وكيده، ثم ينكث بوعده. ونحن قومٌ لا نخدع بالعمل، ولا نستحسن الخديعة إلا في الحرب، ولو استقام أمر الحرب بغير خديعة لما جوَّزنا ذلك بأنفسنا ".
فأبى الجنيد أن يخرج إليه إلا وحده، ففصلا من الصفوف. وقال: سل عما أحببت، فإن كان عندي جوابٌ أرضاه أجبتك وإلا أشرت عليك بمن هو أبصر بذلك مني.
قال: ما حكمكم في الزاني؟ قال الجنيد: الزاني عندنا رجلان: رجلٌ دفعنا إليه امرأةً تغنيه عن حرم الناس، وتكفه عن حرم الجيران؛ ورجلٌ لم نعطه ذلك، ولم نحل بينه وبين أن يفعل ذلك لنفسه. فأما الذي لا زوجة له فإن نجلده مائة جلدة ونحضر ذلك الجماعة من الناس لنشهره ونحذره به، ونغربه في البلدان لنزيد من شهرته وفي التحذير منه، ولينزجر بذلك كل من كان يهم بمثل عمله. فاما الذي قد أغنيناه فإنا نرجمه بالجندل حتى نقتله.
قال: حسن جميلٌ، وتدبيرٌ كبير، فما قولكم في الذي يقذف عفيفاً بالزنى؟ قال: يجلد ثمانين جلدة، ولا نقبل له شهادةً، ولا نصدق له حديثاً.
قال: حسنٌ جميلٌ، وتدبيرٌ كبير، فما حكمكم في السارق؟ قال: السارق عندنا رجلان: رجلٌ يحتال لما قد أحرزه الناس من أموالهم حتى يأخذها بنقب حيطانهم وبالتسلق من أعالي دورهم؛ فهذا نقطع يده التي سرق بها، ونقب بها واعتمد عليها. ورجلٌ آخر يخيف السبيل، ويقطع الطريق، ويكايد على الأموال، ويشهر السلاح فإن منعه صاحب المتاع قتله، فهذا نقتله ونصلبه على المناهج والطرق.
قال: حسنٌ جميلٌ، وتدبيرٌ كبير. قال: فما حكمكم في الغاصب والمستلب؟ قال: كلُّ ما فيه الشبهة ويجوز فيه الغلط والوجوه، كالغصب والاستلاب، والجناية، والسرقة لما يؤكل أو يشرب فإنا لا نقطع فيما فيه شبهة ونتمحَّل لذلك وجهاً غير السرقة.
قال: حسنٌ جميلٌ، وتدبيرٌ كبير. قال: فما حكمكم في القاتل وقاطع الأذن والأنف؟
قال: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف. وإن قتل رجلاً عشرةٌ قتلناهم. ونقتل القويَّ البدن بالضعيف البدن، وكذلك اليد والرِّجل.
قال: حسنٌ جميلٌ، وتدبيرٌ كبير. قال: فما تقولون في الكذاب والنمام والضراط.
قال: عندنا فيهم الإقصاء لهم وإبعادهم وإهانتهم، ولا نقبل شهادتهم، ولا نصدق أحكامهم.
قال: وليس إلا هذا؟ قال: هذا جوابنا على ديننا.
قال له: أما النمام عندي هو الذي يُضرِّب بين الناس، فإني أحبسه في مكانٍ لا يرى فيه أحداً. وأما الضراط فإني أكوي أسته، وأعاقب ذلك المكان فيه. وأما الكذاب فإني أقطع الجارح التي بها يكذب، كما قطعتم اليد التي بها يسرق، وأما الذي يضحك الناس ويعودهم السخف فإني أخرجه من سلطانه، وأصلح بإخراجه عقول رعيتي.
قال: فقال الجنيد بن عبد الرحمن: أنتم قومٌ تردون أحكامكم إلى جواز العقول، وإلى ما يحسن في ظاهر الرأي؛ ونحن قومٌ نتبع الأنبياء، ونرى أنْ لم نصلح على تدبير العباد. وذلك أن الله تعالى أعلم بغيب المصالح وسر الأمر
وحقائقه، ومحصوله وعواقبه، والناس لا يعلمون ولا يرون الحزم إلا على ظاهر الأمور. وكم من مضيع يسلم، وحازمٍ يعطب.
قال: ما قلت كلاماً أشرف من هذا، ولقد ألقيت لي في فكراً طويلاً.
قال إبراهيم: قال عبد الملك: قال صالح: قال الجنيد: فلم أرى أوفى ولا أنصف ولا أفهم ولا أذكى منه. ولقد واقفته ثلاث ساعاتٍ من النهار وما تحرك منه شيءٌ إلا لسانه، وما مني شيء لم أحركه.
وهكذا يصفون ملوك الترك، يزعمون أن ساسان وخاقان الأكبر، تواقفا ببعض الكسور، وفصلاً من الصفين، وطالت المناجاة، فلما انفتلا قالوا: كان خاقان أركن وأدب، وكان مركب كِسرى أركن وأدب، ولم يتحرك من خاقان إلا لسانه، وكان برذونه يرفع قائمةً ويضع أخرى، وكان مركب كسرى كأنما صبّ صبا، وكان كسرى يحرك رأسه ويشير بيده.
قالوا: ومن الأعاجيب أن الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، وكندة لا تقوم للحارث بن كعب.
قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أنّ العرب لا تقوم للترك، والترك لا تقوم للروم، والروم لا تقوم للعرب.
قال جهم بن صفوان الترمذي: قد عرفنا ما كان بين فارس والترك من الحرب، حتى تزوج كسرى أبرويز، خانتون بنت خاقان، يستميله بذلك الصهر، ويدفع بأسه عنه. وقد عرفنا الحروب التي كانت بين فارس والروم، وكيف تساجلوا الظفر، وبأي سببٍ غرس الزيتون بالمدائن وسوسا، وبأي سببٍ بنيت الرومية ولم سميت بذلك، ولم بنى كسرى على الخليج قبالة قسطنطينية النواويس وبيوت النار. ولكن متى ظهرت الروم على ترك خرسان ظهوراً موالياً، ضربوا بها المثل إلى آخر دارمسه، ومن الأشباه، ومن يتخلل هذا النسب.
وكانت خانتون بنت خاقان عند أبرويز فولدت له شيرويه. وقد ملك شيرويه بعد أبرويز، فتزوج شيرويه مريم بنت قيصر، فولدت له
فيروزاشاهى أم يزيد الناقص والوليد. وكان يقول: ولدني أربعة أملاك: كسرى، وخاقان، وقيصر، ومروان. وكان يرتجز في حروبه التي قتل فيها الوليد بن يزيد بن عاتكة:
أنا ابن كسرى وأبي خاقانوقيصرٌ جدي وجدي مروان
فلما صار إلى الافتخار في شعره بالنجدة والثقافة بالحرب، لم يفخر إلا بخاقان فقط فقال:
فإن كنت أرمى مقبلاً ثم مدبراوأطلع من طودٍ زليق على مهر
فخاقان جدى فاعرفى ذاك واذكرىأخابيره فى السهل والجبل الوعر
قوله " وأطلع " يريد: وأنزل، وهى لغة أهل الشام وأخذوها من نازلة العرب في أول الدهر. وجعل دابته مهراً، لأن ذلك أشد وأشق.
وقال الفضل بن العباس بن رزين: أتانا ذات يوم فرسانٌ من الترك، فلم يبق أحد ممن كان خارجاً إلا دخل حصنه وأغلق بابه، وأحاطوا بحصن من ذلك الحصون، وأبصر فارسٌ منهم شيخاً يطلع إليهم من فوق، فقال له التركي: لئن لم تنزل إلي لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا! قال: فنزل إليه وفتح له الباب، ودخلوا الحصن، واكتسحوا كل شيء فيه، فضحك من نزوله إليه وفتحه له وهو في أحصن موضع وأمنع مكان، ثم أقبل به إلى حصن أنا فيه فقال: اشتروه مني. قلنا: لا حاجة لنا في ذلك. قال: فإني أبيعه بدرهم واحد. فرمينا إليه بدرهم فخلى سبيله، ثم أدبر عنا ومضى مع أصحابه، فما لبث إلا قليلاً حتى عاد إلينا فوقف حيث نسمع كلامه، فراعنا ذلك، فأخرج الدرهم من فمه وكسره بنصفين. وقال: لا يسوى درهما، وهذا غبن فاحش، فخذوا هذا النصف، وهو على كل حال غالٍ جداً بالنصف الآخر.
قال: فإذا هو أظرف الخلق.
قال: وكنا نعرف ذلك الرجل بالجبن، وقد كان سمع باحتيال الترك في دخول المدن وعبور الأنهار في الحروب، فتوهم أنه لم يتوعد بفتح الباب.
وقال ثمامة: ما شبهت الذر إلا بالترك؛ لأن كل ذرة على حدتها معها من المعرفة بادخار الطعم، ومن الشم والاسترواح، ونجب المدّخر حتى
لا ينبت في جحره، ثم الاحتيال للناس في الاحتيال لها بالصمامة والعفاص والمزدجر، وتعليق الطعام على الأوتاد والبرادات، مثل الذرّ مع صاحبتها.
وقال أبو موسى الأشعرىّ: كل جنسٍ يحتاج إلى أمير ورئيس ومدبر، حتى الذّرّ.
وروى أبو عمر الضرير، أن رئيس الذّرّ الرائد الذي يخرج أولاً لشيءٍ قد شمه دون أصحابه، لخصوصيةٍ خصه الله تعالى بها، ولطافة الحس، فإذا حاول حمله وتعاطى نقله، وأعجزه ذلك بعد أن يبلى عذرا، أتاهن فأخبرهنَّ فرجع، وخرجت بعده كأنها خيطٌ أسود ممدود. وليست ذرةٌ أبداً تستقبل ذرةً أخرى إلا واقفتها وسارتها بشىءٍ ثم انصرفت عنها.
وكذلك الأتراك كل واحدٍ منهم غير عاجزٍ عن معرفة مصلحة أمره، إلا أنّ التفاضل واجبٌ في جميع أصناف الأشياء والنبات والموات. وقد تختلف الجواهر وكلها كريم، وتتفاضل العتاق وكلها جواد.
وقد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى إلينا وبلغه علمنا؛ فإن وقع ذلك بالموافقة فبتوفيق الله وصنعه، وإن قصر دون ذلك فالذي قصر بنا نقصان علمنا، وقلة حفظنا وسماعنا. فأما حسن النِّيَّة، والذي نضمر من المحبة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير من جهة التفريط والتضييع، وبين التقصير من جهة العجز وضعف العزم، فرقٌ.
ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل صنفٍ من الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار فضل نفسه وإن لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتاباً كبيراً، كثير الورق عظيماً، ولكان العدد الذي يقضون لمؤلفه بالعلم والاتساع في المعرفة أكثر وأظهر، ولكنا رأينا أن القليل الذي يُجمع خيرٌ من الكثير الذي يفرِّق.
ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميعٌ قريبٌ، فعال لما يريد.
تم الكتاب ولله المنة، وبيده الحول والقوة والله الموفق للصواب.
والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع