من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة الخامسة رسالة في الجد والهزل
الصفحة ١ من ٢
﷽
جُعلت فداك. ليس من أجل اختياري النخل على الزرع أقصيتني، ولا على ميل إلى الصداقة دون إعطائي الخراج عاقبتني، ولا لبغضي دفع الإتاوة والرضا بالجزية حرمتني.
ولست أدري لم كرهت قربي وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي واستطلت عمري وايام مقامي. ولم سرتك سيئتي ومصيبتي وساءتك حسنتي وسلامتي، حتى ساءك تجملي بقدر ما سرَّك جزعي وتضجُّري، وحتى تميت أن أخطئ عليك فتجعل خطئي حجة لك في إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفاً من أن تجعله ذريعةً لك إلى تقربي.
فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك فليس - جُعلت فداك - هذا الحقد في طبقة هذا الذنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة.
ولو كان إذ لم يكن في وزنه وقع قريباً، وإذْ لم يكن عدله وقع مُشبها كان أهون في موضع الضرر، وأسهل في مخرج السماع.
فأي شيءٍ بقيت للعدو المكاشف والمنافق الملاطف، وللمعتمد المصر وللقادر المدل.
ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستر بعقوبة معصية المعلن، ومن لم يفرق بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنى بعقوبة السرق، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب خرج إلى مثله في باب الثواب. ومن خرج من جميع الأوزان وخالف جميع التعديل، كان بغاية العقاب أحق، وبه اولى.
والدليل على شدة غيظك وغليان صدرك قوة حركتك وإبطاء فترتك وبعد الغاية في احتيالك. ومن البرهان على ثبات الغضب، وعلى كظم الذنب تمكن الحقد ورسوخ الغيظ، وبعد الوثبة وشدة الصولة.
وهذا البرهان صحيحٌ ما صح النظم، وقام التعديل، واستوت الأسباب ولا أعلم ناراً أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركةً أنقض
لقوة الأبدان من طلب الطوائل مع قلة الهدوء والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء الحالات أقسامها من التدبير.
ولا أعلم تجارة أكثر خسراناً ولا أخف ميزاناً من عداوة العاقل العالم، وإطلاق لسان الجليس المداخل، والشعار دون الدثار، والخاص دون العام.
والطالب - جُعلت فداك - بعرض ظفرٍ ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم تقع المنازلة. ومن الحزم ألا تخرج إلى العدو إلا ومعك من القوى ما يغمر الفضلة التي ينتجها له الإخراج. ولا بد أيضاً من حزمٍ يحذرك مصارع البغي، ويخوفك ناصر المطلوب.
وبعد - أبقاك الله - فأنت على يقينٍ من موضع ألم الغيظ من نفسك، والغيظ عذاب. ولربما زاد التشفي في الغيظ ولم ينقص منه. ولست على يقين من نفوذ سهمك في صيدك كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك.
والحازم لا يلتمس شفاء غيظه باجتلاب ضعفه، ولا يطفئ نار غضبه تأخر عقوبة من أغضبه، ولا يسدد سهمه إلا والغرض ممكن، والغاية قريبة، ولا يهرب إلا والمهرب معجزة.
إن سلطان الغيظ غشوم، وإن حكم الغضب جائر، وأضعف ما يكون العزم عن التصرف أضعف ما يكون الحزم. والغضب في طباع الشيطان، والهوى يتصور في صورة امرأة، فلا يبصر مساقط العيب ومواقع الشرف إلا كلُّ معتدل الطباع، ومعتدل الأخلاط مستوي الأسباب.
والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا مخافة جواذبه إلى سرف الهوى. فما ظنك بسرف الغضب، وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممن قد تعود إهمال النفس ولم يعودها الصبر، ولم يعرِّفها موضع الحظ في تجرع مرارة العفو، وأن المراد من الأمور عواقبها لا عواجلها.
ولقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور فما ظنك بإفراط الغيظ. وقد قال بعض الناس: لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في الكفاية إذا كان يؤدي إلى المعجزة، ولا في كثرة الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة.
جُعلت فداك. إن داء الحزن وإن كان قاتلاً فإنه داءٌ مماطل، وسقمه سقم مطاول، ومعه من التمهُّل بقدر قسطه من أناة المرة السوداء. وداء
الغيظ سفيهٌ طيَّاش، وعجولٌ فحَّاش، يُعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصية، ومعه من الخرق بقدر قسطه من التهاب المرة الحمراء. والعجول يخطئ وإن ظفر، فكيف به إذا أخفق. على أن إخفاقه يزيد في حقيقة خطئه كما أن ظفره لا ينتقص من مقدار زلله. وأنت روحٌ كما أنت وحشيّ من قرنك إلى قدمك. وعمل الآفة في الدِّقاق والعتاق أسرع، وحدها عن الغلاظ الجفاة أكلُّ؛ فلذلك اشتد جزعي لك من سلطان الغيظ وغلبته.
والله لو كنت ابتلعت مزار بابك، وأبطلت بمر الباطل، ووردت الفظائع كلها، ونقضت الشروط بأسرها، وأفسدت نتاجك، وقتلت كل شطر نجيٍّ لك، ورفعت من الدنيا فراهة الخيل، وجعلت المروج كلها حمىً، وكنت صداق المرادين، وبرسام الأولاد، ومسخت جميع الجواري في صورة أبي رملة ورددت شطاط خلقك إلى جُعودة أبي حثَّة وكنت أول من سنَّ بيع الرجال في النخاسين، وفتح باب الظلم لأصحاب المظالم، وحولت إليك عقل أبى دينار، وطبعت على بيان ما نويه، وأعنت على موت المعتصم، وغضبت لمصرع الأفشين، واستجبت للديك الأبيض
الأفرق وأحببت صالح بن حنين، وأحوجتك إلى حاتم الريش، وكان أبو الشماخ صديقي، والفارسيّ من شيعتي لكان ما تركبني به سرقا، ولكنت في هذا العتاب متعديا.
جعلت فداك، لا تتعرض لعداوة عقلاء الرواة، ولضغينة حفاظ المثالب، وللسان من قد عرف بالصدق والتوخي، وبقلّه الخطل والتنكب، ما وجدت عن ذلك مندوحة، ووجدت المذهب عنه واسعاً. ولا تعاقب واداً وإن اضطرك الواد، ولا تجعل طول الصحبة سبباً للضجر، واصبر على خلقه خيرٌ من جديد غيره. وصداقة المتطرف غرور،
وملالة الصديق أفن، والعلم بأقدار الذنوب غامض، وحدود الذنوب في العقاب خفيّة. ولن يعرف العقاب من يجهل قدر الذّنب. والأجرام كثيرة الأشكال، ومتفاوتة في الأقدار. وإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك من مقدار عقابك عليه فانظر في علته وسببه، وإلى معدنه الذي منه نجم، وعشه الذي منه درج، ومغرسه الذي منه نبت، وإلى جهة صاحبه في التتايع والتترع، وفي النزوع والثبات، وإلى قحته عند التقريع، وإلى حيائه عند التعريض، وإلى فطنته عند الرشق والتورية؛ فإنّ فضل الفطنة ربما دلّ على فرط الاكتراث، وعلى قدر الاكتراث يكون الإقدام والإحجام. فكلُ ذنبٍ كان سببه الدالّة وضيق صدرٍ وغلظ طباعٍ وحدة مرارٍ، من جهة تأويل أو من جهة غلط في المقادير، أو من طريق فرط الأنفة وغلبة طباع الحميّة من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة، أو من جهة استحقاقه عند نفسه وفيما زين له من عمله، وأنّه مقصّر به مؤخّر عن مرتبته، أو كان مبلّغاً عنه أو مكذوباً عليه، وكان ذلك جائزاً عليه غير ممتنع فيه
فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب، وفي هذه المجاري، فليس يقف عليها كريم، ولا يلتفت لها حليم.
ولست أسميه بكثرة معروفة كريماً حتى يكون عقله غامراً لعلمه، وعلمه غالباً لطبعه، وحتى يكون عالماً بما ترك، وعارفاً بما أخذ. واسم الحليم جامع للكظم، والقدرة، والفهم.
فإذا وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلاّ البغضة فلو لم ترض لصاحبه بعقابٍ دون قعر جهنم لعذرك كثيرٌ من العقلاء، ولصوّب رأيك عالمٌ من الأشراف.
ومتى كانت علته طبيعة البذاء، وخلقه الشرارة والتسرع، فاقتله قتل العقارب، وادمغه دمغ رءوس الحيات.
وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلاّ لتعطيّه على الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقيّة فامنعه جميلَ رفدك، واحتل في منعه من قِبَل غيرك؛ فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته في سبّ نفسك، واستدعيت الألسنة البذيّة إلى عرضك، وكنت عوناً لهم عليك.
وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلا لتعطيه على الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقيَّة فامنعه جميل رفدك، واحتل في منعه من قبل غيرك؛ فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته في سبِّ نفسك، واستدعيت الألسنة البذية إلى عرضك، وكنت عوناً لهم عليك.
وكيف تعاقبه على ذنبٍ لك شطره، وأنت فيه قسيمه، إلا أن عليك غرمه ولك غنمه.
ومن العدل المحض والإنصاف الصحيح أن تحطَّ عن الحسود نصف عقابه، وأن تقتصر على بعض مقداره، لأن ألم حسده لك قد كفاك مؤونة شطر غيظك عليه.
وأما المواد فلا تعرض له البتة، ولا تلتفت لفته، ولو أتى على الحرث والنسل، وحتى على الروح والقلب. ولا تغتر بقوله إنيّ وادٌّ، ولا تحكم له بدعواه بأني جدّ وامق. وانظر أنت في حديثه وإلى مخارج لفظه، وإلى لحن قوله، وإلى طريقته وطبيعته، وإلى خلقه وخليقته، وإلى تصرُّفه وتصميمه وإلى توقُّفه وتهوُّره. وتأمل مقدار جزعه من قلة اكتراثه، وانظر إلى غضبه فيك ولك، وإلى انصرافه عمن انصرف عنك وميله إلى من مال إليك، وإلى تسلمه من الشر وتعُّضه له، وإلى مداهنته وكشف قناعه. بل لا تقضِ له بجماع ذلك ما كان ذلك في أيام دولتك ومع إقبالٍ من أمرك، وإن طالت الأيام وكثرت الشهور، حتى تنتظم احالات، وتستوي فيه الأزمان.
نعم، ثم لا تحكم له بذلك حتى تكون حاله مقصورة على محَّبتك، ومحنوة على نصيحتك، بالعلل التي توجب الأفعال. والأسباب التي تسخر القلوب للمودات، كالعلل الثابتة في الصنيعة، والأسباب الموجودة مع مولى
العتاقة؛ فإن عللهما خلاف علل مولى الكلالة، وخلاف علل الصديق الذي لم يزل يرى أنه مثلك، وأنه يستوجب منك استيجابك، ولا سيما إذا كانت الصنيعة أنت ابتدأتها، وأنت أبو عذرتها.
فإن أنت لم تحكم له بالغاية مع اجتماع هذه العلل فيه، ومع توافيها إليه، ولم تقضِ له بأقصى الغاية مع ترادف هذه الأسباب وتكامل هذه الدلائل، وتعاون هذه البرهانات، فكل خبرٍ بيَّنة زور، وكل دلالةٍ فاسدة. وقد قال الأول: " دلائل الأمور أشد تثبيتاً من شهادات الرجال ". إلا أن يكون في الخبر دليل، ومع الشهادة برهان؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق ولا يزيد ولا يبدِّل، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك، وليس معها أمانٌ من فسادٍ ما كان الإمكان قائماً.
وبعد متى صار اختيار النَّخل على الزرع يحقد الإخوان، ومتى صار تفضيل الحبّ وتقريظ الثمر يورث الهجران، ومتى تميزوا هذا التميُّز وتهالكوا هذا التهالك؟ ومتى صار تقديم النخلة ملة، وتفضيل السنبلة نخلة؟ ومتى صار الحكم للنعجة نسباً وللكرْمة صهراً، ومتى تكون فيها ديانة وتستحكم فيها بصيرة، ويحدث عنها حميَّة.
وقد كنا نعجب من حرب البسوس في ضرع نابٍ، ومن حرب بعاثٍ في مخرفٍ تمر، ومن حرب غطفان في سبق دابة. فجئتنا أنت بنوع من العجب أبطل كل عجب، وآنسنا بكل غريب، وحسن عندنا كل قبيح، وقرب عندنا كل بعيد.
فأن جهلت - أعزك الله - غضبك فمثلي جهل ما لا علة له، وإن عجزت عن احتمال عقابك فمثلي ضجَّ مما لا يطيق حمله. ولا عار على جازعٍ إلا فيما يمكن في مثله الصبر، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر.
وليس هذا أول شركٍ نصبته، ولا أول كيد أرغته، ولا هي بأول زبية غطيتها وسترتها، وحيلةٍ أكمنتها وربصتها.
وقد كانت التقيَّة والاقتصاد أسلم، بل كان العفو أرحم، والتغافل أكرم.
ولا خير في عقوبة تشمت العدو المتقادم، وينادي بها العدو الحادث. والأناة أبلغ في الحزم، وأبعد من الذم، وأحمد مغبةً وأبعد من خرق العجلة. وقد قال الأول: " عليك بالأناة؛ فإنك على إيقاع ما أنت موقعه أقدر منك على رد ما قد أوقعته ". فقد أخطأ من قال:
وقد يدرك المتانيِّ بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
بل لو قال: والمتأني بدرك حاجاته أحق، والمستعجل بفوت حاجاته أخلق، لكان قد وفى المعنى حقه، وإن كان القول الأول موزوناً والثاني منثوراً. ولولا أنه اشتق المستعجل من العجلة لما قرنه بالمتأني. وينبغي أن يكون الذي غلطه قولهم: " ربَّ عجلة تهب ريثاً ". فجعل الكلام الذي خرج جواباً عند ما يعرض من السبب، كالكلام الذي خرج ارتجالاً، وجعله صاحبه مثلاً عاماً. فإذا سميت العمل عجلةً وريثاً فاقض على الريث بكثرة الفوت، وبقدر ذلك من العجز، وعلى العجلة بقلة النجح، وبقدر ذلك من الخرق.
والريث والأناة في بلوغ الأمل وإدراك النعمة كانتهاز الفرصة واهتبال
الغرّة. والأناة وإن طالت فليست من جنس الريث، وانتهاز الفرصة وإن كان في غاية السرعة فليس من جنس العجلة.
وربت كلمة لا توضع إلا على معناها الذي جُعلت حظَّه، وصارت هي حقه والدالَّة عليه دون غيره، كالحزم والعلم، والحلم والرفق، والأناة والمداراة، والقصد والعدل وكالانتهاز والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة والتسرع، والغلو والتقصير.
وربت كلمةٍ تدور مع خُلتَّها، وتتقلب مع جارتها، وعلى قدر ما تقابل من الحالات، وتلاقي من الأسباب، كالحب والبغض، والغضب والرضا، والعزم والإرادة، والإقبال والإدبار، والجدّ والفتور؛ لأن هذا الباب الأخير يكون في الخير والشر، ويكون محموداً ويكون مذموماً.
وصاحب العجلة - أعزك الله - صاحب تغريرٍ ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عالمٌ، وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والريث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى مدرجة اللائمة. وصاحب الأناة إن ظفر نغع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة العلم، وأطاب ذكره دوام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حُرِم
فمبسوطٌ عذره، ومصوب رأيه مع انتفاعه بعلمه وما يجد من عزِّ حزمه ونبل صوابه، ومع علمه بالذي له عند العقلاء، وبعذره عند الأولياء والأعداء.
وما عندي لك إلا ما قال الدِّهقان لأسد بن عبد الله وهو على خراسان، حين مر به وهو يدهق في حبسه: إن كنت تعطى من ترحم فارحم من تظلم. إن السموات تنفرج لدعوة المظلوم، فاحذر من ليس له ناصر إلا الله، ولا جُنَّةٌ إلا الثقة بنزول الغير، ولا سلاحٌ إلا الابتهال إلى المولى لا يعجزه شيء.
يا أسد، إن البغي يصرع أهله، وإن الظلم مرتعه وخيم، فلا تغترّ بإبطاء العقاب من ناصرٍ متى شاء أن يغيث أغاث. وقد أملى لقومٍ كي يزدادوا
إثماً. وجميع أهل السعادة إما سالمٌ من ذنب، وإما تاركٌ إصرار. ومن رغب عن التمادي فقد نال أحد المغنمين، ومن خرج من السعادة فلا غاية له إلا دار الندوة. وسواءٌ - جُعلت فداك - ظلمت بالبطش والغشم، أو ظلمت بالدَّحس والدَّسّ. فشاور لبك، وناظر حزمك، وقف قبل الوثبة، واحذر زلة العالم.
وقد قال صاحبكم: من استشار الملالة وقلد طبيعته الاستطراف، وجعل الخطوة ذنبا، والذنب ذنوباً، ومقدار الطَّرفة إصراراً، والصَّغير كبيرا، والقليل كثيرا، عاقب على المتروك الذي لا يُعبأ به، وبلغ بالبطش إلى حيث لا بقيَّة معه، ورأى أن القطيعة التي لا صلة معها، والتخليج الذي لا تجمُّل معه، الحزم المحمود؛ وأن الاعتزام في كل موضعٍ هو الرأي الأصيل.
وقال أيضاً: من كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه، والمتأمِّر عليه دون عقله، ولم يتوكل لما لا يهواه على
ما يهواه، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف المملول المبعد من المستطرف المقرِّب، ولم يخف أن تجتذبه العادة، وتتحكم عليه الطبيعة، فليرسم حججهما، ويصور صورهما، في كتابٍ مفرد أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء العقول، على ألا يختار إلا من لا يدري أيَّ النوعين يبغي، وعلى أيهما يحامي، وأيهما دواؤه وأيهما داؤه. فإن لم يستعمل ذلك بما فضل له من سكر سوء العادة، لم يزل متورِّطاً في الخطاء مغموراً بالذمّ.
سمعتك وأنت تريدني وكأنك تريد غيري، وكأنك تشير على من غير أن تنصَّني. وتقول: إني لأعجب ممن ترك دفاتر علمه متفرقة مبثوثة، وكراريس درسه غير مجموعة ولا منظومة، كيف يعرضها للتجرُّم، وكيف لا يمنعها من التفرُّق. وعلى أن الدفاتر إذا انقطعت حزامته، وانحل شداده، وتخرَّمت ربطه، ولم يكن دونه وقاية ولا جُنَّة، تفرق ورقه؛ وإذا تفرق ورقه اشتد جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، وربما ضاع أكثره. والدَّفّتان أجمع وضمُّ الجلود إليها أصون، والحزم لها أصلح. وينبغي للأشكال أن تُنظم وللأشباه أن تؤلَّف؛ فإن التأليف يزيد الأجزاء الحسنة حسنا، والاجتماع
يحدث للمتساوي في الضعف قوة. فإذا فعلت ذلك صرت متى وجدت بعضها فقد وجدت كلها، ومتى رأيت أدناها فقد رأيت أقصاها؛ فإن نشطت لقراءة جميعها مضيت فيها.
وإذا كانت منظومةً، ومعروفة المواضع معلومة، لم تحتج إلى تقليب القماطر على كثرتها، ولا تفتيش الصناديق مع تفاوت مواضعها، وخفت عليك مؤونتها وقلت فكرتك فيها، وصرفت تلك العناية إلى بعض أمرك، وادخرت تلك القوة لنوائب غدك.
وعلى أن ذلك أدل على حبّك للعلم، واصطناعك للكتب، وعلى حسن السياسة، والتقدم في إحكام الصناعة.
وقلت: لأمرٍ ما جمعوا أسباع القرآن وسوره في مصحف، ولم يدعوا ما فيه مفرَّقاً في الصدور، ولا مبدّداً في الدفاتر، ومفرَّقاً في القماطر. على ذلك أجمع المسلمون، والسابقون الأولون، والأئمة الرشيدة، والجماعة المحمودة، فتوارثه خلفٌ عن سلف، وتابعٌ عن سابق، وصغير عن كبير، وحديثٌ عن قديم.
ولم أشك في أنها نصيحة حازم، ومشورة وامق، أو رأيٌ حضر أو حكمة
نبغت، أو صدرٌ جاش فلم يُملك، أو علمٌ فاض فلم يُرد، استعمله من استعمله، وتركه من تركه.
فلما أخذت بقولك، وصرت إلى مشورتك وأكثرت حمد الله على إفادتك من العلم وحظِّ عنايتك من النَّقْل، وجمعت البعض إلى البعض، والشكل إلى الشكل، وتقدمت في استجادة الجلود، وفي تمييز الصناع، وفي تخيُّر البياعات، وغرمت المال، وشغلت البال، وجعلتها مصحفاً مصحفا، وأجملتها صنفاً صنفا؛ ورأيت أنيِّ قد أحكمت شأني، وجمعت إلى أقطاري، ورأيت أن أنظر فيها وأنا متسلقٍ ولا أنظر فيها وأنا منتصبٌ، استظهاراً على تعب البدن؛ إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي، وإذ كان الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب؛ ولأن ذلك أبقى على نور البصر، وأصلح لقوة الناظر؛ إذ كل واحدٍ من هذه المصاحف قد أعجز يدي بثقل جرمه، وضيق صدري بجفاء حجمه. وإذا ثقل أنكأ الصدر، وأوهن العظم.
وإذا أنا نظرت فيها وانا جالسٌ سدرت عيني، وتقوس ظهري، واجتمع الدم في وجهي، وأكرهت بصري على غير جهته، وأجريت شعاع ناظري في غير مجراه.
وقد علمت - أبقاك الله - مع خبرتك بمقابح الأمور، ومواقع المنافع والمضار، ثم بمصالح العباد والبلاد، أنّ من كان على مقطع جبل، أو على شرفات قصر، فأراد رؤية السماء على بعدها، وجد ذلك على العين سهلا خفيفاً، وإن أراد أن يرى الأرض على قربها، وجد ذلك على العين عبئاً ثقيلاً. فإن بدا لي أن يقابل عيني به العبد، أو تواجهني به الأمة، كلفت أخرق الناس كفّاً، وأقلهم وفقاً، وأكثرهم التفاتا، واحضرهم نعاسا، وأقلهم على حالٍ واحدة ثباتاً، وأجهلهم بمقدار الموافقة، ولمقادير المقابلة، وبحطِّ اليد ورفعها، وإمالتها ونصبها. ثم رأيت في تضجُّرهم وتكرههم وفرارهم منه، ما صيَّر تجشُّمي لثقل وزنه، ومقاساتي لجفاء حجمه، أهون على يدي، وأخف على قلبي. فإن تعاطيته عند ذلك بنفسي فشقاءٌ حاضر، وإن ألزمته غيري فغيظٌ قاتل. وحتى صارت الحال فيها داعيةً إلى ترك درسها والمعاودة لقراءتها، مع ما كان فيها من الفائدة الحسنة، والمنافع الجامعة، ومن شحذ الطبيعة، وتمكين حسن العادة.
ولو لم يكن في ذلك إلا الشغل عن خوض الخائضين، والبعد عن لهو اللاهين، ومن الغيبة للناس والتمنِّي لما في أيديهم، لقد كان نفع ذلك كثيراً، وموقعه من الدِّين والفرض عظيما.
ومتى ثقل الدرس تثاقلت النفس، وتقاعست الطبيعة. ومتى دام الاستثقال أحدث الهجران. وإذا تطاول الكدّ رسخ الزُّهد. وفي ترك النَّظر عمي البصر، وفي إهمال الطبيعة كلال حد الطبيعة. وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر، كما أنه على قدر غريزة العقل تصحُّ الحوائج وتسقم، وعلى قدر كثرة الحاجة تتحرك الجارحة ويتصرف اللسان، ومع قلة الحركة وبعد العهد بالتصرُّف يحدث العي ويظهر العجز ويبطئ الخاطر. ومع ذهاب البيان يفسد البرهان، وفي فساد البرهان هلاك الدنيا وفساد الدِّين.
فقد بلغت ما أردت، ونلت ما حاولت. فحسبك الآن من شج من يأسوك، ومن قتْل من يُقتل فيك.
جُعلت فداك. إنه ليس يومي منك بواحد، وأنا على عقابك أوجد. وليس ينجيني منك معقل وعل، ولا مفازة سبع، ولا قعر بحر، ولا رأس طود، ولا دغل ولادحل، ولانفقٌ ولا مغارة ولا مطمورة. وليس ينجيني منك إلا مفازة المهلَّب. فإن أعرتني قلبه وعلمتني حيلته، وأمكنتني من سكينه. وإلا فأنا أول من ابتلعته تلك الحيّة. ولا والله إن بي
قوةٌ على الثعبان، فكيف التِّنِّين. أعفني من حيّة المهلب ثم اقتلني أي قتلةٍ شئت.
إن احترست منك ألفيت لنفسي كدّاً شديداً، وغمّاً طويلاً، وطال اغترابي وافتراق ألافي، وتعرَّضت للعدو، وتحرَّشت بالسباع. فإن استرسلت إليك لم تر أن تقتلني إلا شرَّ قتلةٍ وآلمها، ولم تعذِّبني إلا بأشد النقم وأطولها. ولو أردت ذبحي لاخترت الكليل على المرهف، والتطويل على التذفيف، حتى كأني علمت عليك: " شاه مات "، أو أكلت سبعةً وأطعمتك واحدة.
ولقد تقدمت في المكر واستظهرت عليَّ في الكيد، حتى توليت ذلك في صغار كتبي وفيما لا تحفل به من دوام أمري، وعلمت أن الدَّرس لليل وأن الا......للنهار، وأن الكتاب لايقرأ إلا ليلاً والنيران زاهرة، والمصابيح مُقرَّبة. وعلمت أن كل من ضعف بصره وكلَّ نظره، فإنه أبداً أقرب مصباحاً واعظم ناراً. وأن المحرور المحترق، والممرور الملتهب، والبائس المتهافت، إذا كان صاحب كتب ودرس، أنه لا يجد
بدّاً من الصبر على ما يُحرقه ويعميه، أو الترك للقراءة فيها والتعرُّض لها. فخيّرتني بين العمي والجهل. وما فيهما حظٌّ لمختار.
وقلت: إذا سخن بدنه سُجِن بوله، وإذا سُجِن بوله جرح مثانته وأحرق كليته، وطبخ فضول غذائه، وجفف ما فضل عن استمرائه فأحاله حصىً قاتلاً وصخراً جامداً، وهو دقيق القضيب ضيق الإحليل، فإذا حصاه يورثه الأسر، وفي ذلك الأسر تلف النفس أو غاية التعذيب.
وقلت: فإن ابتليت بطول عمره أقام فينا مشغولاً بنفسه، وإن ذهب عنّا فقد كفانا مؤونة الحيلة في أمره.
جعلت فداك، ما هذا الاستقصاء وما هذا البلاء؟! وما هذا التتبّع لغوامض المسألة، والتعرّض لدقائق المكروه؟! وما هذا التغلغل في كل شيءٍ يخمل ذكرى؟! وما هذا الترقّي إلى كلِّ ما يحطُّ من قدريّ؟! وما عليك أن تكون كتبي كلها من الورق الصينيّ، ومن الكاغد الخرسانيّ؟!
قل لي: لمَ زينت النسخ في الجلود، ولمَ حثثتني على الأدم، وأنت تعلم أنَّ الجلود جافية الحجم، ثقيلة الوزن، إن أصابها الماء بطلت، وإن كان يوم لثقٍ استرخت. ولو لم يكن فيها إلاَّ أنها تبغّض إلى أربابها نزول الغيث، وتكرَّه إلى مالكيها الحيا، لكان في ذلك ما كفى ومنع منها.
قد علمت أن الورّاق لا يخطُّ في تلك الأيام سطرا، ولا يقطع فيها جلدا. وإن نديت - فضلاً على أن تمطر، وفضلاً على أن تغرق - استرسلت فامتدت. ومتى جفت لم تعد إلى حالها إلاّ مع تقبُّض شديد، وتشنج قبيح. وهي أنتن ريحاً وأكثر ثمناً، وأحمل للغش: يغش الكوفيّ بالواسطيّ، والواسطيّ بالبصريّ، وتعتق لكي يذهب ريحها وينجاب شعرها. وهي أكثر عقداً وعجراً، وأكثر خباطاً وأسقاطاً، والصفرة إليها أسرع، وسرعة انسحاق الخطِّ فيها أعمّ. ولو أراد صاحب علم أن يحمل منها قدر ما يكفيه في سفره لما كفاه حمل بعير. ولو أراد مثل ذلك من القطنىّ لكفاه ما يحمل مع زاده.
وقلت لي: عليك بها فإنها أحمل للحكِّ والتغيير، وأبقى على تعامر العارية وعلى تقليب الأيدي، ولريدها ثمن، ولطرسها مرجوع، والمعاد منها ينوب عن الجدد. وليس لدفاتر القطنيّ أثمانٌ في السوق وإن كان فيها كلًّ حديث طريف، ولطفٍ مليح، وعلم نفيس. ولو عرضت عليهم عدلها في عدد الورق جلوداً ثم كان فيها كلُّ شعر بارد وكلُّ حديث غثّ، لكانت أثمن، ولكانوا عليها أسرع.
وقات: وعلى الجلود يعتمد في حساب الدواوين، وفي الصّكاك والعهود، وفي الشروط وصور العقارات. وفيها تكون نموذجات النقوش،
ومنها تكون خرائط البرد. وهنَّ أصلح للجرب ولعفاص الجرَّة وسداد القارورة. وزعمَّت أنَّ الأرضة إلى الكاغد أسرع، وأنكرت أن تكون الفأرة إلى الجلود أسرع، بل زعمت أنها إلى الكاغد أسرع وله أفسد، فكنت سبب المضرة في اتخاذ الجلود والاستبدال بالكاغد، وكنت سبب البليّة في تحويل الدفاتر الخفاف في المحمل، إلى المصاحف التي تثقل الأيدي وتحطّم الصدور، زتقوّس الظهور، وتعمي الأبصار.
وقد كان في الواجب أن يدع الناس اسم المصحف للشيء الذي جمع القرآن دون كل مجلّد، وألاَّ يرموا جمع شيءٍ من أبواب التعلّم بين الدّفَّتين، فيلحقوا بما جعله السلف للقرآن غير ذلك من العلوم.
دع عنك كلَّ شيء. ما كان عليك أن يكون لي ولدٌ يحيي ذكرى ويحوى ميراثي، ولا أخرج من الدنيا بحسرتي، ولا يأكله مراءٍ يرصدني، وابن عمٍّ يحسدني، ولا يرتع فيه المعدلون في زمان السوء، ولا تصطنع فيه الرجال، ويقضي به الذِّمام. فقد رأيت صنيعهم في مال المفقود والمناسخة والوارث الضعيف، ومن مات بغير وصية.
جُعلت فداك، إن النفوس لا تجود لمولى الكلالة بما تجود به لأولاد الأصلاب وما مسَّ تلك الأصلاب؛ لأن الرحم الماسَّة والقرابة الملتصقة، واللُّحمة الملتحمة، وإن أمَّلت التركة ونازعت إلى المورِّث، فمعها ما يأطرها ويثنيها، ويحزنها ويبكيها، ويحرِّك دمها ويستغرز دمعها. وقد يشفع للولد إلى أبيه حالٌ أبية كانت من أبيه.
وابن العم الذي ليس بالبعيد فيحُتَّك من جسده، وليس بالقريب المحنوّ على رحمه، وسببه الجاذب له إلى تمِّي مماتي أمتن من سببه إلى تمنِّي بقائي، وهو إلى الحال الموجبة للقسوة والغلظة أقرب منه إلى الحال الموجبة للرقة والعطف. وليس ينصرك إذا نصرك ولا يحامي عليك لقرابته منك، ولكن لعلمه بأنه متى خذلك حلَّ به ضعفك، واجترأ بعد ضعفك عليه عدوُّه. فهو يريد بنصره من لا يجب عليه شكره، ويقوي ضعف غيره بدفع الضعف عن نفسه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع