من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة الخامسة رسالة في الجد والهزل
الصفحة ٢ من ٢
جُعلت فداك. ما كان عليك من بُنيِّ صغير يكون لي، ولا سيما ولست عندك ممن يدرك كسبه أو تبلغ نصرته، أو يعاين بره أو يؤمل إمتناعه.
وما كان عليك مع كبر سني وضعف ركني، أن يكون لي ريحانةً أشمُّها وثمرةً أضمُّها، وأن أجد إلى الأماني به سبباً، وإلى التلهي سلما، وأن تكثر لي من جنس سرور الحالم، وبقدر مايمتَّع به راجيالسَّراب اللامع، حتَّى حببت قصر عمري إلى وليِّي، وشوقته إلى ابن عمِّي؛ وحتى ذدت فيما عنده
مع كثرة ما عنده، وحتى صيّرني حبُّه لموتي إلى حبِّ موته، وتأميل مالي إلى تأميل فقره؛ وحتى شغلتني عمن كان يشغل عدوي عني.
وسواءٌ أعبت على ألا يكون لي ولدٌ قبل أن يكون، أو عبت على ألا يكون بعد أن كان. وإنما يعذب الله على النيّة والقصد، وعلى التوخي والعمد.
وكما أنه سواء أن تحتال في ألا يكون لي مالٌ قبل أن أملكه. أو احتلت في ألا يكون بعد أن ملكته.
وكنت لا أدري ما كان وجه حبك لإعناتي، والتشييد بذكر تراثي، والتنويه باسمي، ولا لم زهدتني في طلب الولد، ورغّبتني في سيرة الرهبان.
فإذا أنت لم ترفع ذكري في الأغنياء إلا لتعرض ذنبي للفقراء، ولم تكثر مالي إلا لتقوِّي العلة في قتلي، فيالها مكيدة ما أبعد غورها، ويالها حفرةً ما أبعد قعرها. لقد جمع هذا التدبير لطافة الشخص ودقة المسلك، وبُعد الغاية.
والله لو دبّرها الإسكندر على دارا بن دارا، أو استخرجها المهلَّب على سفيان بن الأبرد، وفتحت على هرثمة في مكيدة خازم بن خزيمة، ولو دبَّرها لقيم بن لقمان على لقمان بن عاد، ولو أراغها قيس بن زهير على حصن بن حذيقة، ولو توجهت لكهَّان بني أسد على دُهاة قريش لقد كان ذلك
من تدبيرهم نادراً بديعاً، ولكان في مكايدهم شاذّاً غريباً. وإنها لترتفع عن قصيرٍ في كيد الزباء، وعن جذيمة في مشاورة قصير. وما إخالها إلا ستدقُّ على ابن العاص، وتغمض على ابن هند، ويكل عنها أخو ثقيف، ويستسلم لها ابن سمية.
هذا والله التدبير لا مخاريق العرَّاف، وتزاويق الكاهن، وتهاويل الحاوي، ولا ما ينتحلها صاحب الرَّئيّ؛ بل تضلُّ فيها رُقي الهند، وتقرُّ بها سحرة بابل.
فلو كنت إذ أردت ما أردت، وحاولت ما حاولت، رفعت قبل كل شيءٍ المؤانسة، ثم أبيت المؤاكلة، ثم قطعت البر، ثم أذنت مع العامة، ثم أعملت الحرمان، ثم صرحت بالجفوة، ثم أمرت بالحجاب، ثم صرمت الحبل، ثم عاديت واقتصدت، ثم من بعد ذلك كله أسرفت واعتديت، لكنت
واحداً ممن يصبر أو يجزع، فلعلي كنت أعيش بالرفق، وأتبلغ بحشاشة النفس، وأعلل نفسي بالطمع الكاذب. ولكن فجاءات الحوادث وبغتات البلاء لا يقوم لها الحجر القاسي، ولا الجبل الراسي. فلم تدع غايةً في صرف ما بين طبقات التعذيب إلا أتيت عليها، ولا فضول ما بين قواصم الظهر إلا بلغتها. فقد متُّ الآن فمع من تعيش؟ بل قد قتلتني فمن الآن تعاشر!، كما قال ديوست المغنِّي لكسرى حين أمر بقتله لقتله تلميذه بلهبذ: قتلت أنا بلهبذ، وتقتلني، فمن يطربك؟ قال: خلُّوا سبيله؛ فإن الذي بقي من عمره هو الذي أنطقه بهذه الحجة.
ولكني أقول: قد قتلتني فمع من تعيش؟ أمع الشطر نجيِّين؟! فقد قال جالينوس: إياك والاستمتاع بشيء لا يعمُّ نفعه.
إن الكلام إنما صار أفضل من الصمت؛ لأن نفع الصمت لا يكاد يعدو الصَّامت، ونفع الكلام يعمُّ القائل والسامع، والغائب والشاهد، والراهن والغابر.
وقالوا: ومما يدل من فضل الكلام على الصمت، أنك بالكلام تخبر عن الصمت وفضله، ولا تخبر بالصمت عن فضل الكلام. ولو كان
الصمت أفضل لكانت الرسالة صمتاً، ولكان عدم القرآن أفضل من القرآن.
وقد فرق بينهما رسول الله ﷺ، وفضَّل وميَّز وحصَّل، حيث قال: " رحم الله امرأً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم ". فجعل حظَّ السكوت السلامة وحدها، وجعل حظَّ القول الجمع بين الغنيمة والسلامة. وقد يسلم من لا يغنم، ولا يغنم إلا من سلم.
فأما الدواب فمن يضع المركب الكريم إلى الصاحب الكريم؟ ومن يعدل إمتناع بهيمة بإمتناع أديب.
قالت ابنة النعمان: لم نر فيما جربنا من جميع الأصناف أبلغ في خير وشرٍّ من صاحب.
ولما عزم ابن زياد على الحُقنة بعد أن كان تفحشها قال له حارثة بن بدر: ما أجد أولى بتولي ذلك من الطبيب. قال عبيد الله: كلا، فأين الصاحب.
والله أن لو نتجت في كل عام ألف شبديز، وأحبلت في كل ليلة أربعة آلاف ربرب، وصار لك كل نهر المبارك بدلاً من بعض بابك.
وأكلت رأس الجنيد بن حاق الأشيم، وأحبلت ابن ألغز من إفراط الشبق، لما كان ينبغي لك أن تعاملنا بهذه المعاملة، ولا كان ينبغي أن تقتلنا هذه القتلة، ولو اقتصرت من العقوبة على شيء دون شيء لكان أعدل، ولو عفوت البتة لكان أمثل.
إنَّ الاعتزام على قليل العقاب يدعو إلى كثيره، ومبتدئ العقاب بعرض لجاج. وليس يعاقب إلا غضبان.
والغضب يغلب العزم على قدر ما مكن، ويحيّر اللب بقدر ما سُلِّط.
والغضب يصوّر لصاحبه مثل ما يصوّر السكر لأهله.
والغضبان يشعله الغضب، ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلئ بدنه رعدة، وتتزايل أخلاطه، وتنحل عقده، ولا يعتريه من الخواطر إلا ما يزيده في دائه، ولا يسمع من جليسه إلا ما يكون مادةً لفساده. وعلى أنَّه ربَّما استفرغ حتى لا يسمع، واحترق حتى لا يفهم.
ولولا أنَّ الشيطان يريد ألا يخلو من عمله، ولا يقصِّر في عادته، لما وسوس إلى غضبان ولا زيَّن له، ولما فتح عليه؛ إذ كان قد كفاه، وبلغ أقصى مناه.
وليس يصارع الغضب أيام شبابه وغرب نابه شيءٌ إلا صرعه، ولا ينازعه قبل انتهائه وإدباره شيءٌ إلا قهره. وإنما يحتال له قبل هيجه،
ويتوثق منه قبل حركته، ويتقدم في حسم أسبابه وفي قطع علله. فإمَّا إذا تمكن واستفحل، وأذكى ناره واشعل، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعاً وطاعة، فلو سعطته بالتوراة، ووجرته بالإنجيل، ولددته بالزبور، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم ﵇ شفيعاً لما قصَّر دون أقصى قوَّته، ولتمنى أن يعار أضعاف قدرته.
وقد جاء في الأثر: أن أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب.
قال قتادة: ليس يُسكن الغضب إلا ذكر غضب الرحمن ﷿.
وقال عمرو بن عبيد: ذكر غضب الرب يمنع من الغضب. إلا أن يريد الذكر باللسان.
ويسمىالمتوجِّد غضبان، والذكور حقودا.
فلا تقف - حفظك الله - بعد مضيِّك في عقابي التماساً للعفو عني، ولا تقصِّر عن إفراطك من طريق الرحمة لي؛ ولكن قف وقفة من يتَّهم الغضب على عقله، والشيطان على دينه، ويعلم أن للعقل خصوماً، وللكرم أعداء.
وإنَّ من النِّصف أن تنتصف لعقللك من خصومه، وتنتصف لكرنك من عدوه، وتمسك إمساك من لا يبرئ نفسه من الهوى، ولا يبرئ الهوى من الخطأ.
ولا تنكر لنفسك أن تزلّ، ولعقلك أن يهفو؛ فقد زلّ آدم عليه اللام وهفا، وعصى ربَّه وغوى، وغرّهُ عدوُّه وخدعه خصمه، وعيب باختلال عزمه وسكون قلبه إلى خلاف ثقته. هذا وقد خلقه الله بيده، وأسكنه في دار أمنه، وأسجد له ملائكته، ورفع فوق العالمين درجته، وعلَّمه جميع الأسماء بجميع المعاني. ولا يجوز أن يعلِّمه الاسم ويدع المعنى، ويعلِّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا معنىً لغوٌ، كالظَّرف الخالي. والأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى الأرواح. اللفظ للمعنى بدنٌ، والمعنى للَّفظ روح. ولو أعطاه الأسماء بلا معانٍ كمن وهب شيئاً جامداً لا حركة له، وشيئاً لا حس فيه، وشيئاً لا منفعة عنده.
ولا يكون اللفظ اسماً إلا وهو مضمَّن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسمٌ إلا وله معنىً.
في قوله جلّ ذكره: " وعَلَّمَ آدم الأسماء كلها " إخبارٌ أنه قد علَّمه المعاني كلها. ولسنا نعني معاني تراكيب الألوان والطُّعوم والأراييح، وتضاعيف الأعداء التي لا تنتهي ولا تتناهى. وليس لما فضل عن مقدار المصلحة ونهاية الرسم اسمٌ إلا أن تدخله في باب العلم فتقول: شيء، ومعنىً.
الأسماء التي تدور بين الناس إنما وُضعتْ علاماتٍ لخصائص الحالات،
لا لنتائج التركيبات. وكذلك خاصّ الخاصّ لا اسم له إلا أن تجعل الإشارة المقرونة باللفظ اسماً.
وإنما تقع الأسماء على العلوم المقصورة، ولعمري إنها لتُحيط بها وتشتمل. فأما العلوم المبسوطة فإنها تبلغ مبالغ الحاجات ثم تنتهي.
فإذا زعمت أن الله ﵎ علم آدم الأسماء كلها بمعانيها، فإنما تعني نهاية المصلحة لا غير ذلك. هذا وآدم هو الشجرة وأنت ثمرة، وهو سماويٌّ وأنت أرضيّ، وهو الأصل وأنت الفرع، والأصل أحقُّ بالقوة والفرع أولى بالضَّعف.
فلست أسألك أن تمسك إلا ريثما تسكن إليك نفسك، ويرتدُّ إليك ذهنك، وحتى توازن بين شفاء الغيظ والانتفاع بثواب العفو، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة، وترى تضرُّم الغضب وما يفضي لأهله من فضل القوة.
على أن العقل إذا تخلَّص من سُكر الغضب أصابه ما يُصيب المخمور إذا خرج من سكر شرابه، والنهزم إذا عاد إلى أهله، والمبرسم إذا أفاق من برسامه.
وما أشك أن العقل حين يُطلق من إساره كالمقيَّد حين يفكُّ من قيوده؛ يمشي كالنزَّيف، ويحجل كالغراب. فإذا وجب عليك أن تحذر على عقلك مُخامَرة داء الغضب بعد تخلُّصه، وأن تتعمَّده بالعلاج بعد مباينته له وتخلُّصه
من يده، فما ظنك به وهو أسيرٌ في مُلكه، وصريع تحت كلكله، وقد غطَّه في بحره، وغمره بفضل قوته.
وقد زعموا أن الحسن حضر أميراً قد أفرط في عقوبة بعض المذْنبين، فكلَّمه فلم يحفل بكلامه، وخوّفه فلم يتّعظ بزجره، فقال: إنك إنما تضرب نفسك، فإن شءت الآن فأقلَّ، وإن شئت فأكثر.
ومعاذ الله أن أقول لك كما قال الحسن لذلك الظالم المعتدي، والمصمِّم القاسي، ولكني أقول: اعلم أنك تضرب من قد جعلك من قتله في حِلٍّ. وإن كان القتل يحلّ بإحلال المقتول، ويسقط عنه عقابه بهبة المظلوم؛ ولو أمكن في الدين تواهب قصاص الآخرة في الدُّنيا؛ وإن كان ذلك مما تجود به النفس يوم الحاجة إلى الثواب وإلى رفع العقاب، وكان الوفاء مضموناً لكنت أول من أسمحتْ بذلك نفسه، وانشرح به صدره.
جُعلت فداك، إنِّي قد أحصيت جميع أسباب التعادي، وحصَّلت جميع علل التضاغن، إلا علَّة عداوة الشيطان للإنسان؛ فإني لا أعرف إلا مجازّها في الجملة ولا أحقُّ خاصتها على التحصيل. وعلى حالٍ فقد عرفتها من طريق الجملة وإن جهلتها من طريق التفصيل. فأما هذا التجنِّي فلم أعرفه في خاصٍّ ولا عامّ.
فمن أسباب العداوات تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الأشكال في الصناعات. ومن أمتن أسبابهم إلى الشر وأسرعها إلى المروءة والعقل،
وأقدحها في العرض وأحبطها على الدين، التشاحُّ على المواريث، والتنازع في تخوم الأرضين. فإن اتفَّق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى، والداء أدوى. وعلى حساب ذلك إن جمعت هذه الخصومة مع الجوار والقرابة واستواء الحظّ في الصناعة. ولذلك كتب عمر ﵁ إلى قضاته: أن ردوا القرابات عن حرا القضاء فإن ذلك يورث التضاغن. ولم أعجب من دوام ظلمك، وثباتك على غضبك، وغلظ قلبك، ودورنا بالعسكر متجاورة، ومنازلنا بمدينة السلام متقابلة، ونحن ننظر في علمٍ واحد، ونرجع في النحلة إلى مذهب واحد؛ ولكن اشتدَّ عجبي منك اليوم وأنا بفرْغانة وأنت بالأندلس، وأنا صاحب كلام وأنت صاحب نتاج، وصناعتك جودة الخطّ وصناعتي جودة المحو، وأنت كاتبٌ وأنا أمّيّ، وأنت خراجيٌّ وأنا عُشريّ، وأنت زرعيٌّ وأنا نخليّ. فلو كنت إذ كنت من بكر كنت من تميم، كان ذلك إلى العداوة سبباً، وإلى المنافسة سُلَّماً.
أنت أبقاك الله شاعر وأنا راوية، وأنت طويلٌ وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير، وأنت ركبنٌ وأنا عجول، وأنت تدبّر لنفسك وتُقيم أود غيرك، وتتسع لجميع الرعية، وتبلغ
بتدبيرك أقصى الأمة، وأنا أعجز عن نفسي وعن تدبير أمتي وعبدي. وأنت منعم وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سُوقة، وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفّعل وأنا أصف، وأنت مقدَّم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا كان أجود، ولو تركت قول كذا لكان أحسن؛ وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلمت إليها أقساطها على مقادير حقوقها؛ فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلمت ندمت، وإن جاريت أبدعت ورأيي كله دبري. وأنت تُعدُّ في الشطرنج زبرب، وأنا في الشطرنج لا أحد.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع