من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة الرابعة كتاب فخر السودان على البيضان
الصفحة ١ من ٢
﷽
تولاك الله وحفظك، وأسعدك بطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته.
ذكرت - أعاذك الله من الغشِّ - أنك قرأت كتابي في محاجة الصرحاء للهجناء، وردِّ الهجناء، وجواب أخوال الهجناء، وأني لم أذكر فيه شيئاً من مفاخر السودان. فاعلم حفظك الله أني إنما أخرت ذلك متعمداً.
وذكرت أنك أحببت أن أكتب لك مفاخر السودان، فقد كتبت لك ما حضرني من مفاخرهم.
قال الأصمعى: قال الفرز عبد فزارة وكانت في أذنه خُربة: إن الوئام يتترع في جميع الطَّمْش: لا يقرب العنز الضَّأن ما وجدت
الماعز، وتنفر الشاة من المخلب ولا تأنس بالخف.
وأنشد أبو زيد النحوي: " لولا الوئام هلك الإنسان ".
وقال شدادٌ الحارثيُّ - وكان خطيباً عالماً -: قلت لأمةٍ سوداء بالبادية: لمن أنت يا سوداء؟ قالت: لسيد الحضر يا أصلع. قال: قلت أو لستِ سوداء؟ قالت: أو لست أصلع؟ قلت: ما أغضبك من الحق. قالت: الحق أغضبك، لا تشتُمْ حتى تُرهب، ولأن تتركه أمثل.
وقال شداد: لقد كلَّمتها وأنا أظنُّ أنِّي أفي بأهل نجد، وما نزعت عنِّي إلا وأنا عند نفسي لا أفي بأمَتِي.
وقال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرُّمَّة: قاتل الله أمةَ آل فلانٍ السوداء، ما كان أفصحها وأبلغها! سألتها كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غٍثْنا ما شئنا.
مناقب السودان
أن لقمان الحكيم منهم، وهو الذي يقول: ثلاثة لا تعرفهم إلا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك.
وقال لابنه: إذا أردت أن تخالط رجلاً فأغضِبْه ذلك، فإنْ، أنصفك وإلا فاحذره.
ولم يرووا ذلك عنه إلا وله أشياء كثيرة. وأكثر من هذا مَدْحُ الله إياه وتسميته الحكيم، وما أوصى به ابنه.
ومنهم: سعيد بن جبير، قتله الحجَّاج قبل موته بستة أشهر وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة، ومات الحجّاج وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وكان سعيدٌ أورع الخَلْق وأتقاهم، وكان أعظم أصحاب ابن عباس. وأصحاب الحديث يطعنون في الذي يجيء من قبل أصحاب ابن عباس حتى يجيء من سعيد بن جبير. وأبوه مولى بني أسد، وهو مولى بني أميّة، وقُتِل يوم قُتِل والناس يقولون: كلُّنا محتاجٌ إليه.
ومنهم: بلالٌ الحبشيُّ ﵁، الذي يقول فيه عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: إن أبا بكرٍ سيدنا وأعتق سيدنا، وهو ثلث الإسلام.
ومنهم: مهجع، وهو أول قتيلٍ قُتِل بين الصِّفَّين في سبيل الله.
ومنهم: المقداد، وهو أول من عدا به فرسه في سبيل الله.
ومنهم وحشيٌّ قاتل مُسيلمة الكذاب. وكان يقول: قتلت خير الناس - يعني حمزة بن عبد المطلب ﵁ وقتلت شر الناس - يعني مُسيلمة الكذاب -.
ومنهم: مكحولٌ الفقيه.
ومنهم: الحَيقُطان الشاعر، الذي كان يَفضُل في رأيه وعقله وهمَّته. وهو الذي يقول في الإخوان: لا تعرفُ الأخ حتَّى ترافقه في الحضر، وتزامله في السفر.
ومنهم: جُليبِيب الذي تحدثت الرواة أن رسول الله ﷺ خرج في غزاةٍ فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً. ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً. ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا في الثالثة: لا. قال: لكني أفقد جُليبيباً، اطلبوه. فطلبوه بين سبعةٍ قد قتلهم ثم قُتِل. فقال النبي ﷺ: " قتل سبعةً ثم قتلوه. هذا منِّي وأنا منه ". قال: ثم حمله على ساعديه حتى حفروا له، ما له سريرٌ غير ساعدَيْ رسول الله ﷺ. قال: ولم يذكروا غُسْلاً.
ومنهم: فرجٌ الحجَّام وكان من أهل العدالة، والمقدَّمين في الشَّهادة. أعتقه جعفر بن سليمان؛ وذلك أنه خدمه دهراً يصلح شاربه ولحيته ويهيئه، فلم يره أخطأ في قولٍ ولا عمل، فقال: والله لأمتحنَّنه، فإن كان ما أرى منه عن تدبيرٍ وقصدٍ لأعتقنه ولأزوَّجتَّه ولأغنينَّه. وإن كان على غير ذلك عرفتُ الصنع فيه. فقال له ذات يوم وهو يحجمه: يا غلامُ، أتحتجم؟ قال: نعم. قال: ومتى؟ قال: عند الحاجة. قال: وتعرفُ ذلك؟ قال: أعرفُ أكثره وربما غلِطت. قال: فأيَّ شيء تأكل؟ قال: أمَّا الشتاء
فداكبراه خائرة حلوة. وأما في الصيف فسكباجةٌ حامضة عذبة. فبلغ به جعفر بن سليمان ما قال. وهو الذي يقول فيه أبو فرعون:
خلُّوا الطَّريق زوجتي أماميأنا حميمُ فرجِ الحجّام
قال: وبلغ من عدالته ونبله في نفسه وتوقِّيه وورعه، أن مواليه من ولد جعفرٍ وكبار أهل المربد، كانوا لا يطعمون أن يُشْهده إلا على أمرٍ صحيح لا اختلاف فيه.
وأما الحَيقُطان فقال قصيدةً تحتجُّ بها اليمانية على قُريشٍ ومضر، ويحتجُّ بها العجم والحبشُ على العرب، وكان جريرٌ رآه يوم عيدٍ في قميص أبيض وهو أسود، فقال:
كأنه لما بدا للناسأير حمارٍ لُفَّ في قرطاس
فلما سمع بذلك الحيقطان وكان باليمامة، دخل إلى منزله فقال هذا الشعر:
لئن كنتُ جعد الرَّأسِ والجلدُ فاحمٌفإنَّي لَسَبْطُ الكفِّ والعرضُ أزهر
وإنَّ سواد اللَّون ليس بضائِريإذا كنتُ يوم الروع بالسَّيف أخطرُ
فإن كنت تبغي الفخر في غير كنههفرهُط النَّجاشي منك في الناس أفخر
تأبَّى الجُلَنْدَي وابن كسرى وحارثٌوهوذة والقبطي والشيخُ قيصرُ
وفاز بها دون الملوك سعادةًفدام له الملك المنيع الموفّرُ
ولقمان منهم وابنه وابنُ أمِّهوأبرهةُ الملك الذي ليس يُنكَرُ
غزاكم أبو يكسوم في أمِّ داركموأنتم كقبْصِ الرمل أو هو أكثر
وأنتم كطير الماء لما هوى لهاببلقعةٍ، حُجن المخالبِ أكدرُ
فلو كان غير الله رامَ دفاعهعلمت وذو التَّجريب بالناس أخبرُ
وما الفجرُ إلا أن تبيتوا إزاءهوأنتم قريبٌ ناركم تتسعَّرُ
ويدلُف منكم قائد ذو حفيظةنُكافحه طوراً وطورا يدبَّرُ
فأما التي قُلتم فتلكم نُبوَّةوليس بكم صُون الحرام المستَّرُ
وقلتم لقاحٌ لا نؤدي إتاوةفإعطاء أريانٍ من الفَرِّ أيسر
ولو كان فيها رغبةٌ لمتوَّجٍإذاً لأتتها بالمقاول حميرُ
وليس بها مشتىً ولا متصيَّفولا كجُؤاثا ماؤها يتفجَّر
ولا مرتعٌ للعين أو متقنَّصولكن تجراً، والتجارة تُحقَر
ألست كُليبيّا وأمك نعجةًلكم في سمان الضّان عارٌ ومفخر
أما قوله:
تأبى الجلندى وابن كسرى وحارثٌوهوذة والقبطى والشيخ قيصرُ
فإنه يقول: كتب النبيُّ ﷺ إلى بني الجُلندي فلم يُؤمنوا وكذلك كسرى، وكذلك الحارث بن أبي شَمِر، وكذلك هوذة بن علي الحنفي، وكذلك المقوقس عظيم القبطِ صاحبُ الإسكندرية، وكذلك قيصر ملك الرُّوم. على أن بني الجُلندي قد أسموا من بعد ذلك الكتاب، ولكنَّ النَّجاشيَّ أسلم قبل الفتح، فدام له ملكه ونزع الله من هؤلاء النِّعمة. وقيصر إنْ كان قد بقي من ملكه شيءٌ فقد أخرجوه من كلِّ مكانٍ يبلغُه ظِلفٌ أو حافر، وصار لا يتمنَّع إلا بالخليج وبالعقاب والحصون وبالشتاء والثلوج والأمطار.
وفخر بلقمان وابنه.
وأما قوله:
غزاكم أبو يكسوم في أمِّ داركموأنتم كقِبْص الرَّمل أو هو أكثر
فإنه يعنى صاحب الفيل حين أتى ليهدم الكعبة. يقول: كنتم في عدد الرَّمل، فلم فررتمْ منه ولم يلقه أحدٌ منكم حتَّى أفضى إلى مكة، ومكة أمُّ القرى، ودار العرب، هي جزيرة العرب ومكة قريةٌ من قراها، ولكن لما كانت أقدمها قدما، وأعظمها خطراً، جُعلِت لها أمّاً. ولذلك قيل لفتح مكة: فتح الفتوح. وعلى مثل ذلك سميت فاتحة الكتاب: أمَّ الكتاب والعرب قد تجعل الشىء أمَّ ما لم يَلِدْ. من ذلك قولهم: ضربه على أمِّ رأسه، وكذلك أمّ الهاوية. والضَّيف يسمى ربّة منزله أمَّ مثواي.
وقال أعرابيٌّ وقد أصابته براغيثُ عند امرأةٍ كان نزل بها:
يا أمَّ مثواى عدِمت وجهكأنقذنى ربُّ العُلا من مصرك
ولذع بُرغوثٍ أراه مُهلكىأبيت ليلي دائب التحكّك
تحكّك الأجراب عند المبرك
وقد أبان الله تعالى مكة والبيت حين قال: " إن أوَّلَ بيتٍ وضع للناس لَلَّذِي بِبَكَّة مُباركاً وهدىً للعالمين ".
يقول: فإذا غُزِيت - وهي أمُّ القرى وفيها البيتُ الحرام الذي هو شرفُكم - فقد غُزِي جميعكم.
وأما قوله:
وأما التي قُلتم فتلكم نبوّةٌوليس بكم صُون الحرام المستَّرُ
وقلتم لقاحٌ لا نؤدّى إتاوةًفإعطاء أريانٍ من الفرِّ أيسر
فاللقاح: البلد الذي لا يُؤدِّي إلى الملوك الأريان. والأريان: هو الخراج، وهو الإتاوة. وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص:
أبوا دِين الملوك فهم لَقاحٌإذا نُدِبوا إلى حربٍ أجابوا
قال: فقلتم إنَّا لقاحٌ ولسنا نؤدّي الخراج والأريان.
قال: فإعطاء الخراج أهون من الفرار وإسلام الدار وأنتم مثل عدد مَنْ جاءكم المرار الكثيرة.
وأما قوله:
وليس بها مَشْتىً ولا متصيَّفولا كجُؤاثا ماؤها يتفجَّرُ
قال: ليس في الغلبة على مكة رغبة، ولولا ذلك لغزاها أهل اليمن وغيرهم. وليس بها مشتىً ولا متصيَّف؛ لأنهم يتبرَّدون بالطائف ويتدفَّوْن بجدَّة. وجؤاثا: عينٌ بالبحرين. وليس بمكة شيءٌ يدانى ذلك.
وقال:
ولا مرتعٌ للعين أو متقنَّصولكنَّ تجراً والتجارة تُحقرُ
يقول: ليس بها متنزَّهات، وصيدها حرام، وإنما بها تُجَّار والتُجَّار يُحقرون. يقول: هم عند الناس في حدِّ الضعف ولا يستجيز ملكٌ أخذ الذي به يتعيَّشون، ولا يكون ما يُؤخذ منهم يقوم بنوائب الملوك، وهم قومٌ ليس عندهم امتناعٌ. ولذلك يقول الشاعر معاوية بن أوس، وهو جاهليٌّ:
وزِقٍّ سبأتُ لدى مَتجرٍأُسيوِدَ كالرَّجل الأسحم
ضربتُ بفيهِ على نحرهوقائمه كيد الأجذَم
إلى التاجر العربي الشحيح أو خمر ذي النَّطف الطمطم
أراد بهذا كلِّه قريشاً. يقول: هم تجّار وقد اعتصموا بالبيت، وإذا خرجوا علَّقوا عليهم المُقْل ولحاء الشَّجر حتى يُعرفوا فلا يقتلهم أحد.
وأما قوله:
ألست كليبيّاً وأمُّك نعجةٌلكم في سمان الضَّأن عارٌ ومفخرُ
فإن بنى كُليبٍ يُرمون بإتيان الضَّأن، وكذلك بنو الأعرج، وسُليم. وأشجع تُرمى بإتيان المَعْز.
وقال النَّجاشي:
ولو شتمتنى من قريشٍ قبيلةٌسوى ناكة المعزى سُليمٌ وأشجعُ
وقال الفرزدق:
ولستُ مضحِّياً ما دمت حيّاًبشاةٍ من حَلوبةِ أعرجى
فما أدري إذا أنفقتُ ماليلعلَّ الشاة تُبقر عن صبيِّ
وقال الآخر:
إذا أحببت أن تغْلى أتاناًفدُلَّ الدراميَّ على شراها
ويُقبِّل ظهرها ويكاد لولاقحول الظَّهر يدنو من قفاها
وودَّ الدرامى لو أنَّ فاهإذا نال الحمارة نال فاها
وقال عبد بن رشيد:
قبيلةُ سوءٍ خيرهم مثل شرِّهمترى منهم للضأن فحلاً وراعيا
إذا جُليتْ فيهم عروسٌ لبعلهاترى النَّعجة البقعاء أبكى البواكيا
ولذلك قال الأخطل:
فانعقْ بضأنك يا جرير فإنمامنَّتك نفسك في الخلاء ضلالا
ولذلك قال الحيقطان:
ألست كليبيّاً وأمك نعجةٌلها في سمان الضَّأن عارٌ ومفخرُ
أما العار فالذي شاع عليهم من ذكر النِّعاج. وأما المفْخر يقول: إذا فخروا فخروا بالشَّاء، ولا يبلغون إلى حدِّ الإبل.
ومن مفاخر السُّودان والزِّنج والحبش مع ما ذكرنا من قصيدة الحيقطان، أنَّ جرير بن الخطفى لما هجا بنى تغلب وقال:
لا تطلُبَنَّ خؤولةً في تغلبٍفالزِّنج أكرم منهم أخوالا
غضب سنيح بن رباح شار، فهجا جريراً، وفخر عليه بالزِّنج فقال:
ما بال كلبٍ من كليبٍ سبَّناأن لم يوازن حاجباً وعقالا
إن امأً جعل المراغة وابنهامثل الفرزدق جائر قد فالا
والزِّنج لو لاقيتهم في صفِّهملاقيت ثمَّ جحاجحاً أبطالا
فسل لبن عمرو حين رام رماحهمأرأى رماح الزِّنج ثمَّ طوالا
فجعوا زياداً بابنه وتنازلوالكما دُعُوا لنزال ثمَّ نزالا
ومربِّطين خيولهم بفنائهموربطت حولك شيِّها وسخالا
كان ابن ندبة فيكم من نجلناوخفافٌ المحمَّل الأثقالا
وابنا زُبيبة: عنترٌ وهراسةٌما إن نرى فيكم لهم أمثالا
سل ابن جيفر حين رام بلادنافرأى بغزوتهم عليه خبالا
وسليكٌ اللَّيث الهزبر إذا عداوالقرمُ عبّاسٌ علوك فعالا
هذا ابن خازمٍ ابن عجلى منهمغلب القبائل نجدةً ونوالا
أبناء كلِّ نجيبةٍ لنجيبةٍأسدٌ تربِّب عندها الإشبالا
فلنحن أنجب من كليب خؤولةًولأنت ألأم منهم أخوالا
وبنو الحباب مطاعن ومطاعمعند الشِّتاء إذا تهبُّ شمالا
أما ابن عمرٍو الذي ذكر، فهو حفص بن زياد بن عمرٍو العتكى، كان خليفة أبيه على شرطة الحجاج، فغلب رباح شار الزِّنجى على الفرات، فتوجَّه إليه حفص بن زيادٍ فقتله رباحٌ وقتل أصحابه واستباح عسكره.
وأما ابن جيفر فهو النعمان بن جيفر بن عباد بن جيفر بن الجلندى. كان غزا بلاد الزِّنج فقتلوه وغنموا عسكره.
ثم ذكر أبناء الزِّنجيات حين نزعوا إلى الزِّنج في البسالة والأنفة. فذكر خفاف بن ندبة، وعباس بن مرداس، وابنى شدادٍ: عنترة الفوارس وأخاه هراسة، وسليك بن السُّلكة. فهؤلاء أسد الرجال، وأشدُّهم قلوباً وأشجعهم بأساً، وبهم يضرب المثل.
ومنهم: عبد الله بن خازمٍ السُّلمى، وبنو الحباب: عمير بن الحباب وإخواته.
وكان أيضاً منهم: الجحَّاف بن حكيم.
وهم أيضاً يفخرون برباحٍ أخى بلال وحاله وصلاحه.
ويفخرون بعامر بن فهيرة، بدرى استشهد يوم بئر معونة، فرآه الناس قد رفعه الله بين السماء والأرض، فليس له في الأرض قبر.
ومنهم: آل ياسر.
قالوا: ومنَّا الغداف صاحب عبيد الله بن الحرّ. لم يكن في الأرض أشد منه؛ كان يقطع على القافلة وحده بما فيها من الحماة والخفراء.
وكعبويه صاحب المغيرة بن الفزْر، كان مثلاً في الشجاعة.
ويقولون: ومنَّا مرْبح الأشرم، غلام أبى بحرٍ القائد، الذي كان قدم من الشام أيام قتيبة بن مسلم، وكان لا يرام لقاؤه، وأمره مشهور.
قالوا: ومنا المغلول وبنوه، وهم من الخول، ليس في الأرض أعرف ولا أثقف ولا أعلم بالبادية منهم.
قالوا: ومنَّا أفلح، الذي قطع على القوافل بخراسان وحده عشرين سنة. قالوا: وإنما قتله مالك بن الرَّيب، لأنه وطئه في جوف الليل وهو سكران خائر. والشاهد على قولنا قول ابنه:
أمالك لولا السُّكر أيقنت أنَّهأخو الورد أو يُربى على الأسد الورد
قالوا: ونحن قد ملكنا بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكة،
وجرت أحكامنا في ذلك أجمع. وهزمْنا ذا نواسٍ، وقتلنا أقيال حمير. وأنتم لم تملكوا بلادنا. وقد قال شاعركم:
وخرب غُمداناً وهدَّم سقفهرياطٌ بأجنادٍ وصولته هصر
أطافت به الأحبوش ليلاً فقوضوابناً شدَّه الأقيال في سالف الدَّهر
بجمعٍ من اليكسوم سودٍ كأنهمأسودُ الشرى اجتابت جلوداً من النُّمْر
قالوا: ومنا كباجلا، لم يصعد نهر سليمان ولا قاتل في المخارجات أحدٌ قطُّ يشبهه.
قالوا: ومنا الأربعون الذين خرجوا بالفرات أيام سوَّار بن عبد الله القاضي، فأجلوا أهل الفرات عن منازلهم، وقتلوا من أهل الأبُلَّة مقتلةً عظيمة.
قالوا: ومنَّا الذي ضرب عنق عيسى بن جعفر بعُمان، بمنجلٍ بحرانيّ، بعد أن لم يجسر عليه أحد.
قالوا: والناس مجمعون على أنه ليس في الأرض أمّةٌ السخاء فيها أعمُّ، وعليها أغلب من الزِّنج. وهاتان الخلَّتان لم توجدا قطُّ إلا في كريم.
وهي أطبع الخلق على الرقص الموقَّع الموزون، والضرب بالطبل على الإيقاع الموزون، من غير تأديبٍ ولا تعليم.
وليس في الأرض أحسن حلوقاً منهم. وليس في الأرض لغةٌ أخفُّ على اللسان من لغتهم، ولا في الأرض قومٌ أذْربُ ألسنةً، ولا أقلُّ تمطيطاً منهم.
وليس في الأرض قومٌ إلا وأنت تصيب فيهم الأرتَّ والفأفاء والعيى، ومن في لسانه حبسة، غيرهم.
والرجل منهم يخطب عند الملك بالزِّنج من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فلا يستعين بالتفاتةٍ ولا بسكتةٍ حتى يفرغ من كلامه.
وليس في الأرض أمةٌ في شدة الأبدان وقوة الأسر أعمُّ منهم فيهما. وإن الرجل ليرفع الحجر الثقيل الذي تعجز عنه الجماعة من الأعراب وغيرهم. وهم شجعاءٌ أشداء الأبدان أسخياء. وهذه هي خصال الشرف.
والزنجي مع حسن الخلق وقلة الأذى، لا تراه أبداً إلا طيب النفس، ضحوك السّنّ، حسن الظّنّ. وهذا هو الشرف.
وقد قال ناسٌ: إنهم صاروا أسخياء لضعف عقولهم، ولقصر رويَّاتهم، ولجهلهم بالعواقب.
فقلنا لهم: بئس ما أثنيتم على السخاء والأثرة، وينبغى في هذا القياس أن يكون أوفر الناس عقلاً وأكثر الناس علماً أبخل الناس بخلاً وأقلهم خيرا.
وقد رأينا الصَّقالبة أبخل من الرُّوم، والروم أبعد رويةً وأشدُّ عقولا. وعلى قياس قولكم أن قد كان ينبغى أن تكون الصَّقالبة أسخى أنفساً وأسمح أكُفّاً منهم.
وقد رأينا النساء أضعف من الرجال عُقولاً، والصِّبيان أضعف عقولا منهم، وهم أبخل من النساء، والنِّساء أضعف عقولاً من الرجال. ولو كان العقل كلَّما أشدَّ كان صاحبه أبخل، كان ينبغي أن يكون الصبيُّ أكرم الناس خصالاً. ولا نعلم في الأرض شرّاً من صبيّ: هو أكذب الناس وأنم الناس، وأشره الناس وأبخل الناس، وأقل الناس خيراً وأقسى الناس قسوة.
وإنما يخرج الصبيُّ من هذه الخلال أولاً فأولاً، على قدر ما يزداد من العقل فيزداد من الأفعال الجميلة.
فكيف صار قلّةُ العقل هو سبب سخاء الزِّنج، وقد أقررتم لهم بالسِّخاء ثم ادَّعيتم ما لا يُعرف. وقد وقفناكم على إدحاض حجتكم في ذلك بالقياس الصحيح.
وهذا القول يوجب أن يكون الجبان أعقل من الشُّجاع، والغادر أعقل من الوفى. وينبغى أن يكون الجزوع أعقل من الصَّبور. فهذا ما لا حجة فيه لكم، بل ذلك هبةٌ في الناس منالله. والعقلهبةٌ، وحسن الخلق هبة، والسَّخاء والشجاعة كذلك.
وقد قالت الزِّنج للعرب: من جهلكم أنَّكم رأيتمونا لكم أكفاءً في الجاهلية في نسائكم، فلمَّا جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسداً، وما بنا الرغبة عنكم. مع أن البادية منا ملأى ممن قد تزوَّج ورأس وساد، ومنع الذِّمار، وكنفكم من العدوّ.
قال: وقد ضربتم بنا الأمثال وعظَّمتم أمر ملوكنا، وقدَّمتموهم في كثيرٍ من المواضع على ملوككم. ولو لم تروا الفضل لنا في ذلك عليكم لما فعلتم.
وقال النَّمْر بن تولب:
أتى ملكه ما أتى تُبّعاًوأبرهة الملك الأعظما
فرفعه على ملوك قومه.
وقال لبيد بن ربيعة:
لو كان حيٌّ في الحياة مخلِّداًفي الدهر أدركه أبو يكسوم
وهذا شيءٌ من وصف الفضل لم يوصف أحدٌ بمثله.
قالوا: ومما قدَّمتم به ملوكنا على ملوككم قوله:
غلب الليالى خلف آل مُحرِّقوكما فعلن بتُبّع وبهرْقل
وغلبن أبرهة الذي ألفيتهقد كان خُلِّد فوق غُرفة موْكل
فقدم أبرهة وأراد التَّسوية.
قالوا: ومن الحبشة عكيمٌ الحبشى، وكان أفصح من العجَّاج. وكان علماء أهل الشام يأخذون عنه كما أخذ علماء أهل العراق من المنتجع بن نبهان.
وكان المنتجع سنديّاً في أذنه خُرْبة، وقع إلى البادية وهو صبيٌّ، فخرج أفصح من رؤبة.
ولما قال حكيم بن عيّاشٍ الكلبى:
لا تفخرنَّ بخالٍ من بنى أسدفإنَّ أكرم منها الزِّنج والنُّوب
اعترض عليه عُكيمٌ الحبشى، فقال:
ويوم غُمدان كنَّا الأُسد قد علمواويوم يثرب كنَّا فِحْلة العرب
وليلة الفيل إذ طارت قلوبهموكلُّهم هاربٌ موفٍ على قتب
منّا النَّجاشى وذو العقصين صهركموجدُّ أبرهة الحامى أبي طلب
هبْنى غفرت لعدنانٍ تهكُّمهمْفما لحمير والمقوال في النسب
حمَّارة جُمعت من كلِّ محربةٍجمع الشُّبيكة نون الزَّاخر اللَّجب
غمدان: حصنٌ كان ينزله الملك الذي يكون على اليمن، وكان عجميّاً، فلما ملكت الحبشة اليمن أخربته إلا بقايا هدمها عثمان بن عفان ﵁ في الإسلام. وقال: " ينبغى لمآثر الجاهليَّة أن تُمحى ". وكان في الحصن مصنعةٌ عليها قُبّةٌ من طلق، وفيها يقول خلفٌ الأحمر:
ومصنعة الطِّلْق أودى بهاعوادى الأحابيش بالصَّيدن
وفيها يقول قدامة حكيم المشرق، وكان صاحب كيمياء:
فأوقد فيها ناره ولو أنَّهاأقامت كعمر الدهر لم تتصرَّم
لأن الطلق لو أوقد عليه ألف عامٍ لم يسخن. وبه يتطلَّى النّفَّاطون إذا أرادوا الدخول في النار.
وقال لبيد:
أصاحِ ترى بُريقاً هبَّ وهناًكمصباح الشَّعيلة في الذُّبال
أرقت له وأنجد بعد هدءٍوأصحابى على شعب الرِّحال
يُضىء ربابه في المزن حُبشاًقياماً بالحرب وبالإلال
وقال ذلك لبيدٌ لأنهم إذا أقبلوا بحرابهم ورماحهم وقسيِّهم وسيوفهم، وراياتهم، وخيولهم وفيولهم، مع سواد ألوانهم وضخم أبدانهم رأيت هوْلاً لم تر مثله ولم تسمع به، ولم تتوهَّمه.
وأما قوله: ويوم يثرب كنَّا فحلة العرب.
فإن مسرف بن عقبة المرّيَّ، حين كان أباح المدينة، زعموا أنه قد كان هناك أمرٌ قبيحٌ من السودان والجند، وفي ذلك يقول شاعر من شعراء مضر:
فسائلْ مسرف المُرِّيَّ عنكمغداة أباح للجند العذارى
فمازجكم على حنق زنوجٌوفزَّ الشام كالأسد الضواري
ودافع وهرزٌ والرس عنكمورأس الحبش يحكم في ذمار
فأفسد نسلكم بسواد لونٍوأيرٍ مثل غرمول الحمار
فذكر إباحة الحبش لليمن كما ذكر إباحة مسرفٍ للمدينة.
وأما قوله:
حمارة جمعت من كل محزوةجمع الشُّبيكة نون الزاحر اللَّجب
فإنه ذهب إلى ما تقوله الرواة أن حمير كانت حَمَّارة.
وأما الشُّبيكة فأراد الشبكة.
وقال السودان: فهذا الفضل فينا، ولم يصلِّ النبي ﷺ قط إلا على جنازةٍ أو قبر، إلا النجاشىّ فإنه صلّى عليه وهو بالمدينة وقبر النَّجاشيّ بالحبشة.
قالوا: والنجاسي هو كان زوَّج أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان من النبي ﷺ، ودعا خالد بن سعيدٍ فجعله وليَّها، وأصدق عن النبي ﷺ أربعمائة دينلر.
قالوا: وثلاثة أشياء جاءتكم منْ قبلنا. منها الغالية، وهي أطيب الطيب وأفخره وأكرمه. ومنها النَّعْش وهو أستر للنساء وأصون للحرم. ومنها المصحف، وهو أوقى لما فيه وأحصن له، وأبهى وأهيأ.
قالوا: ونحن أهول في الصدور وأملأ للعيون، كما أن المسوِّدة أهول في العيون وأملأ للصدور من المبيِّضة، وكما أن الليل أهول من النهار.
قالوا: والسَّواد أبداً أهول. وإن العرب لتصف الإبل فتقول: الصُّهب سرع، والحُمْر غزْر، والسُّود بهْي. فهذا في الإبل.
قالوا: ودهم الخيل أبهى وأقوى، والبقر السود أحسن وأبهى، وجلودها أثمن وأنفع وأبقى. والحمر السُّود أثمن وأحسن وأقوى. وسود الشَّاء أدسم ألباناً وأكثر زبداَ، والدبس أغزر من الحمر.
وكل جبلٍ وكل حجرٍ إذا كان أسود كان أصلب صلابةً وأشد يبوسةً. والأسد الأسود لا يقوم له شيء.
وليس من التمر أحلى حلاوةً من الأسود، ولا أعم منفعةً ولا أبقى على الدهر. والنخيل أقوى ما تكون إذا كانت سود الجذوع.
وجاء: " عليكم بالسواد الأعظم ". وقال الأنصاري:
أدين وما ديني عليَّ بمغرمٍولكن على الشُّمِّ الطوال القراوح
على كل خوارٍ كأن جذوعهاطلين بقارٍ أو بدمِّ ذبائح
قالوا: وأحسن الخضرة ما ضارع السَّواد. قال الله جلّ وعلا: " ومن دونهما جنتان "، ثم قال لما وصفهما وشوَّق إليهما: " مدهمتان " قال ابن عباس: خضراوان من الرّيّ سوداوان.
وليس في الأرض عودٌ أحسن خشباً ولا أغلى ثمناً، ولا أثقل وزناً ولا أسلم من القوادح، ولا أجدر أن ينشب فيه الخطُّ من الآبنوس. ولقد بلغ من اكتنازه والتئامه وملوسته وشدة تداخله، أنه يرسب في الماء
دون جميع العيدان والخشب. ولقد غلب بذلك بعض الحجارة؛ إذ صار يرسب وذلك الحجر لا يرسب.
والإنسان أحسن ما يكون في العين ما دام أسود الشعر. وكذلك شعورهم في الجنة.
وأكرم ما في الإنسان حدقتاه؛ وهما سوداوان. وأكرم الأكحال الإثمد، وهو أسود. ولذلك جاء أن الله يُدخل جميع المؤمنين الجنة جُرداً مُرداً مكحَّلين.
وأنفع ما في الإنسان له كبده التي بها تصلح معدته، وينهضم طعامه، وبصلاح ذلك قام بدنه؛ والكبد سوداء.
وأنفس ما في الإنسان وأعزُّه سويداء قلبه، وهي علقةٌ سوداء تكون في جوف فؤاده، تقوم في القلب مقام الدماغ من الرأس.
ومن أطيب ما في المرأة وأشهاه شفتاها للتقبيل، وأحسن ما يكونان إذا ضارعتا السَّواد.
وقال ذو الرُّمَّة:
لمياء في شفتيها حُوَّةٌ لمسوفي اللثات وفي أنيابها شنب
وأطيب الظِّلِّ وأبرده ما كان أسود. وقال الراجز: " سود غرابيب كأظلال الحجر ".
وقال حميد بن ثور:
ظللنا إلى كهفٍ وظلَّت ركابناإلى مستكفاتٍ لهنَّ غروب
إلى شجرٍ ألمى الظلال كأنهرواهب أحرمن الشراب عذوب
وجعل الله الليل سكناً وجماما، والنهار للكسب والكدّ.
والذي يدلُّ على أن السواد في وجه آخر مقرونٌ بالشدة والصرامة، والهيج والحركة، انتشار الحيَّات والعقارب وشدة سمومها بالليل، وهيج السباع واستكلابُها بالليل. وتحرك الأوجاع وظهور الغيلان، هذه كلها بالليل.
قال: وأشبهنا الليل من هذا الوجه.
قالوا: وأبلغ ما تكون القائلة وأشفاها للنفس، وأسرع لمجيئها إذا أردتها، وأبطأ لذهابها إذا كرهتها، ما كان منها في الظلمة، عند إسبال الستور وإغلاق الأبواب.
قالوا: وليس لونٌ أرسخ في جوهره وأثبت في حسنه من سواد.
وقد جرى المثل في تبعيد الشيء: " لا ترى ذلك حتى يبيضَّ القار، وحتى يشيب الغراب ".
وهو العرض الملاَّء عند الحكماء.
وأكرم العطر المسك والعنبر، وهما أسودان.
وأصلب الأحجار سُودها. وقال أبو دهبلٍ الجمحيُّ يمدح الأزرق المخزوميَّ، وهو عبد الله بن عبد شمس بن المغيرة:
فإنَّ شكرك عندي لا انقضاء لهما دام بالجزع من لبنان جلمودُ
أنت الممدَّح والمُغلى به ثمناًإذ لا يعاتب صخر الجندل السُّود
والعرب تفخر بسواد اللون. فإن قال: فعلام ذلك وهي تقول: فلانٌ هجانٌ، وأزهر وأبيض، وأغرُّ؟ قلنا: ليس تريد بهذا بياض الجلد، إنما تريد به كرم الجوهر ونقاءه. وقد فخرت خضر محاربٍ بأنها سود، والسود عند العرب الخضر. وقال الشَّماخ بن ضرار:
وراحت رواحاً من زرود فنازعتزبالة جلباباً من الليل أخضرا
وقال الراجز:
حتى انتضاني الصبح من ليلٍ خضرْمثل انتضاء البطل السيف الذّكرْ
وهم يسمُّن الحديد أخضر لأنه صُلب؛ لأن الأخضر أسود.
وقال الحارث بن حِلِّزة:
إذ رفعنا الجمال من سعف البحرين سيراً حتى نهاها الحساء
فهزمنا جمع ابن أمِّ قطاموله فارسةٌ خضراء
وقال المحاربيّ وهو يفخر بأنه من الخضر:
في خضر قيسٍ نماني كل ذي فخرٍصعب المقادة آبي الضَّيم شعشاع
وبنو المغيرة خضر بني مخزوم. قال عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ويقال إنها للفضل بن العبّاس اللِّهبي:
وأنا الأخضر من يعرفنيأخضر الجلدة في بيت العرب
من يساجلني يساجلْ ماجداًيملأ الدلو إلى عقد الكرب
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع