تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الباب الخامس في مملكة الأتراك بالروم (٢)

الحروب التي ضعضعت الجبال، وأنتجت الحرب الحيال، ولهم مع الأرمن وبلاد التكفور [¬] وقائع لا يجحدها إلا الكفور، تتخطفهم عقبانه القشاعم، وتلتهم أسوده الضراغم.

ببلادهم معدن حديد، لهم به بأس شديد، ومنه درق مديد، وهم أهل بيت ألقى الله عليهم محبة منه، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفا، وهو ما هو عليه، يدارى ملوك التتار، وهواه هو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر، لا تغب المكاتبات بينهم، ولا ينقطع بذل خدمته لهم، وإقبالهم عليه، واعتدادهم بموالاة، وقد كان منهم من قد طلب تقليدا بمصر بإتيائه ما بيده من بلاد الروم، فكتب له، ثم أن سلامش الحاكم بالروم كان انحرف عن سلاطين بيت هولاكو، وكتب إلى الأبواب السلطانية بمصر يسأل تقليدا بملك حكم الروم أجمعه، وأن تكون أولاد قرمان ومن سواهم في طوعه، فكتب من إنشاء شيخنا أبي الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي الكاتب ﵀، ومنه وبعد فإن أولى من أصغت عزائمنا الشريفة إلى نداء إخلاصه، وأجابت مكارمنا العميمة دعاء تميزه بالولاء واختصاصه، وقابلت مراسمنا استنصاره في الدين بالنفير لإعانته على ما ظفر باقتلاعه من يد الكفر، واقتناصه (تكرار من أول وقابلت إلى اقتناصه) وتكفلت له مهابتنا بالأمن على ملك مذ وسمه باسمه الشريف، يئس العدو من استخلاصه، وأتت كتبه (المخطوط ص) في الاستنجاد ليرعان الكتائب، ولمعان القواضب، وتتابع إمداد جيوشا التي ستنوء بحملها كواهل المشارق والمغارب، وتدفق أمواج عسكرنا الذي ينشد طلائعها ملوك العدى أين المفر؟ ولا مفر لهارب وتألق بروق النصر، من خفق ألويتنا، الشاهدة بأن قبيلنا إذا ما التقى الجمعان أول غالب، وفوضت إليه مراسمنا الحكم بالعدل والإحسان، وقلدته أوامرنا من عقود النظر في تلك الممالك ما تود جباه الملوك لو حلت بدره معاقد التيجان، وعقدت به من الأوامر ما تنفذ بنا

مواقعه، وكذا الأمور المعتبرة ما تنفذ إلا بسلطان من ألقى الله الإيمان في قلبه وهداه إلى دين الإسلام، فأصبح على بينة من ربه، وأراد به خيرا فنقله من حزب الشيطان إلى حزبه، وأيقظه من طاعتنا التي أوجبها على الأمم لما أبصر به رشده، ورأى قصده، وعلم به أن الذي كان فيه كسراب بقيعه [¬] ولم يجده شيئا، وأن الذي انتقل إليه، وجد الله عنده وأنهته من موالاتنا بما حتم به النهوض على من كان مسلما وأخرجه بنور الهدى من عداء أعدائه الذين تركهم خوفنا، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما، وأراه الرشد ما علم به أن الله تعالى أورثنا ملك الإسلام، فبطاعتنا يتم الانتماء إليه، وأعطانا مقاليد البسيطة، فمن اغتصبت منها شيئا [¬]، انتزعه الله بجنوده المسومة من يديه فلجأ من أبوابنا العالية إلى الظل الذي يلجأ إليه كل ذي منير وسرير، ورجاء من كرمنا الاعتصام بجيوشنا التي مارمينا بها عدوا إلا ظن أن الرمال تسيل (والجبال تسير [¬] وتخير منا إلى فئة الإسلام، وانتصر بسيوفنا التي هي تعلم كيف يسلمها على الأحلام، ومتّ إلينا بذمة الإسلام، وهي أبر الذمم، وطلب تقليده الحكم منا من معادنه إذا رأته النظرات الصادقة أن كان يسحب الشحم فيمن تحمه ورم، وعقد بنا رجاؤه، وهل لمسلم من ملك الإسلام من معدل (المخطوط ص) وأنزل بنا كتائب آماله، وهل تعد راحة لرام من منزل فتلفت نغمها كرائم قصده بالترحيب، وأحلت وفادة انتمائه بحرمنا الذي شاءه بعيد ونصره قريب، وتسارعت إلى نصرته جنودنا التي هي مشهورة في عددها، وآثارها، مشكورة في رواحها وغدوها، وأعلامها منصورة في انتزاحها ودنوها، وتوالت تبايع بعضها بعضا، تتابع الغمام المتراكم، والموج المتلاطم، وتقدم غلبه بالنصر القريب من الأمد البعيد، وتعلم بوادرها أن طلائعها عنده، وبانيها

بالصعيد، ولما كان فلان هو الذي أراد الله به الخير، ما أراد، ووطد له بعنايته أركان الرشاد وشاد وجعل له بعد الجهل به علما، وتداركه برحمته فما أمسى للإسلام عدوا، حتى أصبح هو ومن معه سلما، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، وبكرمه العميم فليستفتحوا صدورهم ويشرحوا وبإرشاده الجلي وهدى نبيه فليدعوا قومهم إلى ذلك وينصحوا، وحين وضحت له هذه الطرف أرشدته من خدمتنا الشريفة إلى الطاعة، وبادلته على مولاة ملك الإسلام التي من لم يتمسك بها فقد فارق الجماعة، فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله ﷺ بطاعة ولي الأمر، وحث على ملازمة الجماعة في وقت يكون التمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر [¬] وهذا فعل من أراد الله به خيرا وسعى من يحسن في دين الله سيرة وسيرا، ولذلك اقتضت آراءونا الشريفة إمضاء عزمه على الجهاد بالانجاد، وانقاذ سهمه في أهل العناء بالإسعاف الإسعاد، وأرسلها الجيوش كما تقدم شرحه يطأون الصحاصح، ويستقربون المدى النازح ويأخذون كل كمى، فلو استطاع السماك لم يتسم بالرامح، ويحتسبون النفقة في طلب علو الإسلام علما أنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم به عمل صالح، فرسم بالأمر الشريف لا زال يهب (المخطوط ص) الدول ويقلد أجياد العظماء ما تود لو تحلت ببعض فرائده تيجان الملوك الأول، أن يفوض إليه نيابة المملكة الرومية تفويضا، ليصون قلاعها ويصول به على من حاول انتزاعها من يده، واقتلاعها، ويجرها على ما ألفت ممالكنا، من أمر لا يروع سربه، ولا يكدر شربه، ولا يوحد فيه باغ يخاف السبيل بسببه، ولا من يجرد سيف بغى وإن جرده قتل به، وليحفظ من الأطراف ما استودعه، وهذا التقليد حفظه، وليعمل في قتال مجاوريه من العد [¬]،

بقوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [¬]، وليعلم أن جيوشنا في المسير إليه متى قصد عدوا، سابقت خيولها خيالها، وجادت جيادها طلاها، وأنفت سنابكها أن تجعل غير جماجم الأعداء نعالها، وها هي قد تقدمت وأقدمت، ونهضت لإنجاده، فلو سامها أن تخوض البحار في سبيل الله لخاضت، أو قصد الجبال لصدمت، والشرع الشريف مهمة المقدم، وأمره السابق على كل ما تقدم، فليعل مناره، وليستشف في أموره وأنواره، وينقذ أحكامه، ويعضد حكامه، ومن عدل عن حكمه معاندا، أو ترك شيئا من حكمه جاحدا فقد برئت الذمة من دمه، حتى يفيء إلى أمر الله، ويرجع عن عناده وينيب إلى الله، فإن الله يهدى إليه من أناب وهو الذي يقبل التوبة عن عباده.

(وكان من حديث هذا اسلامش المذكورة)

إن السلطان محمود غازان قصد أعداءه [¬] فأراد الانحياز إلى الشام، وكاتب الملك المنصور لاجين [¬]، فأرسل شخصا من جهته يعرف بالمخلص الرومي، فأقبل السلطان وأرباب الدولة عليه، وقيل إنّا لا نكره من هاجر إلينا، واتصل بالسلطان محمود غازان مراسلة المصريين، فبعث إليه عسكرا لمحاربته، فالتقوا معه ببلاد الروم، فلما التحم القتال خامر عليه (المخطوط) بعض من كان معه، فبقى في قل من أصحابه، وحقت عليه الهزيمة فالتحق بالشام في قل من جيشه، فلما أتى حلب جهز معه من يحضره إلى الأبواب السلطانية بمصر، فلما وصل عومل بالإكرام، وعوجل بالإنعام وخير في المقام بمصر إن شاء أو الشام، فذكر أنه ترك وراءه ماله وأهله وأولاده، وسأل تجريد عسكر لإحضارهم ليقيم بالبلاد الشامية، مقطوع الالتفات عما سواها، فجهز معه من العسكر الجلو [¬] طائفة مع بكتمر الجلمى، دخل بهم بلاد الروم على بلاد الأرمن.

وبلغ متملك سيس الخبر، وكان عنده طائفة من التتار فأمسكوا عليهم الدروب، وعاجلوهم باللقاء فما كان بأسرع من أن قتل الجلمى، وفر سلامش، ولجأ إلى قلعة من قلاع الروم، فأرسل السلطان محمود غازان في طلبه، فأحضر إليه، فقتله شر قتلة، وذبحه على غير قبلة.

وكان سلامش قد خلف بالأبواب السلطانية بمصر أخا له اسمه قطقطو والمخلص

الرومي، فاستقرا بها، وأقطعا إقطاعا بها، وأجرى عليهما راتبا فيها.

وإنما ذكرنا حديث سلامش في هذا المكان لتعلقه بالروم، ولأن أمراء بني قرمان هم كانوا المؤلفين بينه وبين المنصور لاجين، والداخلين معه أولا وآخرا فيه وهؤلاء أولاد قرمان هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يظن في دينهم، فمهما ورد من جهتهم تلقى بالقبول، وحمل على أحسن المحامل.

وكذلك طلب ارتنا [¬] تقليدا ناصريا بنيابة الروم، وتردد في هذا سراج الدين قاضي قيسارية فكتب له، فخلص الموالاه، وأقام دعوة الخطبة الناصرية. على منابر البلاد الرومية، وضرب السكة بالاسم الشريف وجهز معه الدراهم المضروبة وذلك كله أظهر طاعة لا إذعان لحكم، ولقد حدثني من تردد إليهم، وعرف ما هم عليه، أنهم رجال صدق، وقوم صبر لا يستخف لهم حفيظة، ولا يرد بحنقها لهم صدور مغيظة، ولهذا أمراء الروم لا يطأون لهم موطئا بغيظ، ولا يواطئون لهم عدة شهور (المخطوط) مشتى ولا مغيظ، وما أحد ممن يحسدهم على ما أتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار، ويعدد عليهم عظائم الذنوب الكبار، ووقاية الله تكفيهم، وحياطته عن عيون القوم تحفظهم.

ولقد كان السلطان محمود غازان يقول أنا أطلب الباغي [¬] شرقا وغربا، والباغي في ثوبي، عن أولاد قرمان، ومع هذا لم يسلط عليهم.

وحكى لي الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخو النجيب أنه قال يوما لولا الأكراد وأولاد قرمان وتركان الروم دست بخيلي مغرب الشمس، قال: وكان لا يريد

بعد الشام إلا هم، ومع هذا ما قدر عليهم، ولولا خلا وجهه لما انصرف إلا إليهم.

ولما استفحل أمير جوبان بك [¬] بمملكة إيران، وكان هو حقيقة السلطان، واستولى ابنه تمرتاش [¬] على الروم، وانتزع به عدة ممالك، وجد في طلب الباقي، رأت أولاد قرمان مصافاة أبيه جوبان، واستدفعت به شرايينه طول ذلك الزمان مع ما كان لهم من العناية الإلهية، والإعانة من سلطاننا أعز نصره، ولولا هذا لأتى عليهم، وسلبوا النفس والنفائس لما كان عند جارهم الجائر من الاستعداد، لموالاة التكفور متملك الأرمن، لرفع الشكوى عليهم في كل وقت، وتضرره مما ينوب أهل بلاده منهم، وتضرره مما ينوء به من ثقل وطأتهم، وكانوا في تلك السنين خائفين، يترقبون المصابحة والمماساة، وينتظرون البيات والمقيل.

قلت: ولأهل هذا البيت روعة في قلوب التكفور والأرمن، وفي كل بيت يبعث التكفور يسأل بروز المراسم المطاعة إلى أميرهم بالكف عن بلاده، وهو لا يتعمد سيف جهاده، لا يرعى للأرمن حق جواره، ولا يدخل في سمعه لضجيجهم جواءر، يشن عليهم في كل وقت غاراته، ويجوس خلال ديارهم جيوشه وسراياه، وكرسيه مدينة أرمناك على ذروة جبل.

أرزاقه متسعة وجيرانه كثيرة، وبينها وبين العلاية ثلاثة أيام، وقد يحكى عن أميرهم القائم الآن بدر الدين أنه افتض ألف بكر (المخطوط ص).

ويوصف من كرمه أنه يطلق على كل ما يملك من صامت وناطق حتى أنه لا يدع له شيئا البتة، ثم يتحول فإذا أثرى أطلق كل ما يملكه حتى لا يدع له شيئا،

هكذا دأبه، وبهذا يعرض على الله حسابه.

قلت: ولقد وصل من سنين أخواه الأمير بهاء الدين موسى ابن قرمان إلى الحضرة السلطانية، وأقام مديدة بالباب الشريف ثم توجه لأداء فريضة الحج، وعاد إلى الحضرة، وحرك العزائم الشريفة على الأرمن، وارتجاع ما يلي الممالك الإسلامية من نهر جهان، ثم عاد إلى بلاده، وعومل بالجميل في إصداره، وإيراده، وأجلس أكابر الأمراء، أمراء المشورة، وأجرى في تكبير القدر مجراهم، وطلب منشورا سلطانيا ببلاد من مملكة التكفور، تولى سيفه انتزاعها واستعاد ضالتها من أيديهم وارتجاعها فكتب له على ما طلب، وما أخذها إلى الآن، ولكنه في الطلب.

هذه جملة بمعنى ما ذكره العريان وما انساق في تبيانها من أمور هذه البلاد.

وأما ما ذكره بلبان الجنوى عتيق الأمير الكبير بهادر المعزى، وهو ممن له الخبرة التامة بما يحكيه، وهو الذي أفاد كيفية تصوير هذه البلاد، واسم هذا بلبان في بلاده دوما نوكين دور بابن بادا دور بار هو من بيت حكيم في جنوة [¬]، اتفق أنه جمعت بيني وبينه المقادير في الاعتقال وعنه أحدث ما قال.

حدثني أن هؤلاء أمراء الأتراك الذين بالروم الآن أبناء أمرائها الأول، وممن تأخر عن سالف تلك الدول، وهم فيها إلى يومنا هذا من بقايا تلك البقية وممن فصحت عنهم برود الأيام السلجوقية، استقر بأيديهم الجبل، وبأيدي بيت هولاكو السهل، وجميع هؤلاء الأمراء الأتراك تقر لصاحب كرمان، وتذعن له بعض الإذعان، وتجريه في كثير من أحوالها مجرى السلطان، وتعترف له بالتقديم، وله على بعضهم مقرر لا ينقص، وعلى بعضهم هدايا بحسب الأوقات.

(المخطوط ص) وهو في ظاهر الحال فيهم الملك المطاع، والبقية له أتباع، أو كالاتباع، تكاتبه في معضلات الأمور، وتتيمن برأيه ويقوي بعضهم على بعض

بمعاضدته [¬]، وتسر بخلعه وإنصافه وتقاليده وتكريماته، وهو وإن لم يقدر على إمضاء الولاية والعزل فيهم، فإن له عندهم مكانة لا يجهل مقدارها، وغاية لا ينازع فيها، ومع هذا ففي أمره معهم شبه بأواخر الخلفاء مع ملوك البلاد، يلزم معه قاعدة الأدب في مخاطبتها لتعظيم، وهو مع من غلب أو كحال آل سامان في آخر الزمان، وهو أوسع الكل بلادا أو أكثر الكل رعايا وأجنادا.

وأما ما هو لبيت جنكيز خان فإنه لم يزل بأيدي نوابهم مع بقايا السلاجقة من غير زيادة عليه، ولا نقص منه، وبينهم وبين هؤلاء الأتراك مداهنة لا مهادنة، حتى حكم تمرتاش بن جوبان فاستضاف من ممالك الأتراك إليه، ما يلفت قدرة سيوفه، وهو جانب كبير، وممالك لها قدر جليل فمن ذلك …

مملكه ابن شرف [¬] وموقعها في شمال الروم غربي مملكة أولاد درندار [¬]، وجنوبي بلاد ابن قرمان، وشرقي بلاد بيت جنكيز خان بشمال، وكانت مستقلة بذاتها، وكرسيها بكسرى، وعساكرها تتناهز سبعين ألف فارس هم إلى الآن.

وتجمع هذه المملكة خمسة وستين مدينة ومائة وخمسة وخمسين، أمسك تمرتاش [¬] صاحبها، وقتله، ومثل به، وقطع ابنيه، وعلقهما في عنقه.

وكذلك مملكة ابن طرغت، وهي غربي ابن أشرف وكرسيها قراصار [¬]، وله مدينة سكنجر، وعسكره خمسمائة فارس.

وكذلك بلاد شجاع الدين أعزلو، ومدنها لوليا وكمش سار، وعسكره يزيد على عشرين ألف فارس، وموقع بلاده هذه غربي ابن طرغست، وبلاد عزلو هذه لم ينتزعها منه، بل أبقاها بيده، كأنه من قبله، وهذه كمسر سهرهى ذات معدن يخرج منه الفضة هذا ما ذكره هذا (المخطوط ص) بلبان.

وأما ما ذكره العريان، فإنه قال: يخرج من لوليا وقد تقدم ذكره …

وكذلك أخذ بلاد طوعان جق وهي غربي طرابزون وجنوبي بلاد سليمان باشا، وبين كرمبان في مشاريق كرميان، ومغاريب سليمان باشا.

وكذلك أخذ بلاد يعقوب، وهي قيراسارى، وجار على كل مجاور، وكان تارة يصالب بالسيف وتارة يداور بالخديعة حتى دوخ الممالك، وفتح المعاقل، وامتدت أعماله، واتسعت شعوبه وكثر جباياته، وعظم خراجه، وقويت شوكته في ذلك الإقليم، وطلب في وقت الاستقلال بالملك.

وخطب لنفسه وضرب السكة باسمه، وهوى مثل ملك آل سلجوق أو أجل، وقام بهذا العبء واستقل، وقرر به تسع تومانات [¬] من المغل، ومن التركمان مثلهم أو أكثر، وصار لا يقاوم ولا يقاول، ولا يحارب ولا يحاول، وما هذا موضع ذكره، وإنما ذكرناه لذكر ما بأيدي بيت جنكيز خان من الروم، وقد ذكرناه في موضعه.

وأما نفوذ هذه البلاد ومعاملاتها لتختلف في بلادها باختلاف حكامها، واعتيادها، والذي نذكره الآن ما هو بيد الأتراك الآن خاصة، وهو ست عشرة مملكة على ما ذكره بلبان الجنوي، وأجلها مملكة كرميان، وهي أقربها إلى ما بيد بيت جنكيز خان، وموقع كرميان منها شمالا يمتد شرقا بغرب، وما بأيدي بيت جنكيز خان جنوبها، وقد دارت عليها ممالك الأتراك من شرقها. فطاقت نطاقا وراء

نطاق، فالنطاق الأول وهو الأقرب إليها المماس لحدودها من شرقيها ثلاث ممالك، أخذت من الجنوب إلى الشمال كأنها قوس، تفصل بينها وبين بلاد كرميان جبل ممتد على هذه الهيئة.

وأول هذه الممالك الثلاثة مما يلي الجنوب جبل القسيس وهو جبل عظيم منيع مشجر بأنواع الفواكه، وكل أشجاره مثمرة وفيه هذا الجبل وسفوحه مسكونة، ويمشي في طوله عدة أيام بغير زاد ولا ماء، فيه من كل الثمرات (المخطوط ص) رزقا من عند الله، لا بغرس غارس، ولا باحتجاز مالك، بل هو مباح لمن أكل وحمل، من سبق إليه اجتنى، ومن وضع يده على شيء من شجرة اقتنى، هو من عجائب الوجود، وغرائب ما من به إلا له المعبود، وفي أخريات هذا الجبل مملكة طغرلو في شماليه، ثم يليها في شماليها مملكة تواز، ثم يليها في شماليها مملكة عميد لي ثم تنتهي مملكة الأتراك هناك إلى ما كان بيد ابن أشرف وآخذة بيت جنكيز خان.

ثم يلي هذه الممالك على شرقيها النطاق الثاني، وهو اثني عشر مملكة آخذة عنها من الجنوب إلى الشمال كأنها قوس، يفصل بينها وبين تلك جبل ممتد على هذه الهيئة، فهذه خارج تلك الممالك الثلاثة، وتلك الممالك الثلاثة خارج كرمينان، وكرمينان خارج بيت جنكيز خان، وهذه الممالك الاثنا عشر التي أشرنا إليها أولها مما مال إلى الجنوب مملكة كصطمونية ثم يليها مملكة فاديا ثم يليها مملكة بعرشا، ثم يليها مملكة اكيرا، ثم يليها مملكة نيف، ثم يليها مملكة مغيسا، ثم يليها مملكة مرمرا، ثم يليها مملكة برلي، ثم يليها مملكة توله، ثم يليها مملكة انطاليا، ثم يليها ملكة قراصار، ثم يليها مملكة ازمناك، وها نحن نذكرها مفصلة.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.