تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الباب الخامس في مملكة الأتراك بالروم

الصفحة ١ من ٢

أما المسماة الآن بمملكة الروم فقد كانت مملكة لا ترام، ولا يلحق إليها مرام، وهي مما هو من الخليج القسطنطيني [¬] ممتدا على جنوب بحر بنطس [¬]، وماء بنطس محجوزة بجبال يزل الطرف عن صهواتها، ويخل الطرف بعوائدها، في اقتحام حجراتها، وكانت آخر وقت زمان، بقايا بني سلجوق، معدن الخيرة والخير، ومسلك مسكن الملك، صاحب القبة والطير، وكان لسلطانها من إرث آبائه حرمة محفوظة، ونعمة على معاطف الملوك ملحوظة، وقد تقدم (المخطوط ص) في هذا الكتاب ما ينبه على ما لهذه البلاد في المجد من الطارف والتلاد.

كانت على عهد الروم؛ الباقي عليها نعتهم، إلى الآن محتبك الأعنة، ومشتبك الأسنة، دار القياصرة، ومكسر الأكاسرة، وكان لملكها الرتبة العلياء، وكانت بقسمة التعديل ثلث الدنيا، لأنه لم يكن يسمى من ملوك الأرض إلا ملوك الفرس والروم والترك.

وهكذا قسم فريدون [¬]، حد هؤلاء الملوك الثلاثة الأرض بينهم بالإثلاث،

فالروم لهم الثلث وهم أهل التثليث [¬] وهذا الذي نحن في ذكره الآن، مما وقع في قسمهم، وطبع إلى وقتنا بطبائع اسمهم، هو الذي الواقع على شرقي الخليج القسطنطيني متصلا بأرمينية وديار العرب والعواصم والشام.

وهو أثرى الممالك بلا احتشام خلا أنه بكثرة الثلوج كالح الوجه، في شبابه أشيب اللمة في قبابه لا يستسقى به محب لأتراك، (ولا يسأم، ولا بارق فيه لعارضة برق) [¬]، ولا يشأم، إلا أن صخوره تتفجر ماء وتتفجر أنواء، يعقد دون السماء بسماء، فتخصب زرعها، ويحطم المحل ضرعها، وتخصف ورق الجنّة على الخلائق، تمرها وينعها، وتطرب ورقها لمنظرها البديع، ومخبرها من صناعة صنعاء الربيع، فلا تسمع إلا كل مطربة تناجي النجى وتشجى الشجى، وتخلب قلب الخلي، وتهب الغواني ما في أطواقها من الحلى، يعجب ثوبها السندس، ونباتها المتعلق بذيل النهار سجافها القندسي، فلا تجول في أرضها إلا على أرائك ولا ينظر إلا نساء كالحور العين، وولدانا كالملائك.

وآخر ما كانت في أيام السلجوقية على ما قدمنا ذكره دار بهجة وسناء، ومجلس أنس لكؤوس وغناء، انتهبوا العيش بها نهبا وقطعوا الأيام بالمسرات فيها وثبا، ثم جرى عليها ملك أولاد جنكيز خان، لما فاضوا على الأرض من كل مكان، إلا أنهم أبقوا على بقايا السلجوقية الملك بالروم، وحكموا معهم من يمنع أسودهم

الرابضة أن تثب وتشتد، ولهم عبر ما خلوا من الثدي ويحتلب، ثم إزالتهم الأيام، وأزاحتهم، لتمتد ستور الظلام.

وكان من دخول الملك الظاهر أبي الفتح بيبرس البندقداري [¬] (المخطوط ص) الصالحي، إلى قيسارية، ما هو مشهور، وكسر عليها طائفة من رؤوس التتار، ثم عاد، ولم يقر له بها قرار، بعد أن جلس على تخت آل سلجوق، ولبس التاج، وضرب باسمه الدينار والدرهم واستبشرت به أهل تلك الدار، لكنه خاف عاقبة لموافقة طالع الوقت لنجم سعدهم ورجم ضدهم، ولم يكن قد آن لجمرتهم أن يخمد لهبها، ولا لجدول سيوفهم أن يجمد عليها قربها، فاستمرت أيدي المغل عليها، واضمحل ملك آل سلجوق حتى سقط في يديها، فغلبت طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك؟ إلا بقية حفظت المغل من مطالع أفقها، وأمسكت آخر رمقها، ودارت طوائف الأتراك ملوك المغل على ما غلبت عليه، وبقى منهم من يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليهم، ولا يخرج شيء من يديه، واستمرت أحوالهم معهم من الطاعة والعصيان والتذكار والنسيان حتى تمادت المدد، وخر رواق الدولة الجنكيز خانية أو وهي منه بعض العمد، فحينئذ ثبتت أقدامهم، وثبتت في مغارس الاستمرار أيامهم.

ومنذ غلبوا على الروم، كاتبوا ملوك مصر [¬]، واتخذوهم ظهرا، وعدوهم

لحوادث الأيام ذخرا، حتى أن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه، فكتب له وجهز إليه بالصناجق [¬] والألوية والأعلام والتشاريف التمام والسيف المحلي والحصان المركوب والجنائب، وهم إلى يومنا هذا أهل ود وصفاء وحسن عهد ووفاء، لكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارا، وأخذ بهما الإمرة والأقطاع، وجرى فيها تحت حكم الأمر المطاع، ورسلهم حتى الآن لا تنقطع عن مصر والشام، والمكاتبات واردات وصادرات، والهدايا مقيمة وسائرات، ومع هذه كله كل واحد منهم بما أتاه الله من فضله ونحن الآن نذكرهم على التفصيل، ونكتفي بالقليل.

وها نحن نشرح حال كل طائفة متغلبة على هذه البلاد والمملكة التي استولت عليها، وما استقر (في يديها على ما تنبه عليه في موضعه).

وقد ذكر أبو الفضل (المخطوط ص) عبد الله بن عبد الظاهر [¬] دخول الملك الظاهر ﵀ هذه البلاد، وخروجه في رسالة قال فيها: وسرنا لا يستقر

بنا قرار، ولا يقتدح من غير سنابك الخيل نار، ولا نقيم إلا بقدر ما يتزيد الزائر من الأهبة، أو يتزود الطائر من التغبة، تحمل همنا الخيل العتاق، ويكبوا البرق خلفنا إذا حاول بنا اللحاق، وكان السلطان من حلب قد أمر جميع عساكره بإدراع لامات حربهم، وحمل آلات طعنهم وضربهم، ورحلوا من حلب جرائد على الأمر المعهود، قد خفقوا كل شيء حتى عن السيف الغمود، فسرنا في جبال تشتهي فيها سلوك الأرض، وأودية تهلك الأسواط فيها إذا ملئت الفروج من الأرض، واستقبلنا الدرب كما قال المتنبي [¬]:

رمى الدّرب بالخيل العتاق إلى الورىوما علموا أن السّهام خيول [¬]
فلما تجلى من دلوك وصنجةعلت كل طود رنة وعويل [¬]
على طرق فيها على الطّرق رفعةوفي ذكرها عند الأنيس خمول [¬]
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ليالي بعد الظاعنين شكول»

ومررنا من دلوك وهي رسوم باكية على سكانها، ضاحكة عن تبسم أزهارها، وتقهقه غدرانها، ذات بروج مشيدة، وأركان موطدة، ونيران تزاويق موقدة في عمد من كنائسها ممددة، وسرنا إلى مرج الديباج نتهادى، وذلك في ليلة مدلهمة ذات أندية، وإن لم تكن من جمادى، لا يثبت تربها تحت قدم المار وكأنما ساكنها يمشي على شفا جرف هار [¬].

وبتنا نستخف بالنسبة إليها ليلة الملسوع، وتتمنى العين فيها هجمة هجوع،

وأخذنا في اختراق غابات أشجار تخفى الرفيق عن رفيقه، وتشغله عن افتقار طريقه، حولها معاثر أحجار كأنها قبور تغيرت، أو جبال تفطرت، بينها مخائض لإبل مغائص كأنها بحار فجرت [¬]، ما خرجنا منها إلا إلى جبال قد تمنطقت بالجداول، وتيممت بالثلوج، وعميت مسالكها فلا أحد إلا وهو قائل، فهو إلى خروج من سبيل أو إلى سبيل من خروج، تضيق مناهجها بمشي الواحد وتلتف شجراتها التفات (المخطوط ص) الأكمام بالساعدة ذات أوعار زلقة، وصدور شرقة، وأودية بالمزدحمين مختنقة.

حتى وصلنا إلى الحدث الحمراء المسمى الآن بكينوك ومعناها المحترقة، كان قسطنطين والد صاحب سيس [¬] قد أخذها من أصحاب الروم، وأحرقها وتملكها، وعم بها الضرر لبلاد الإسلام، سيّر السلطان إليها عسكرا من حلب، فافتتحها بالسيف، وقتل كل من بها من الرجال وسبى الحريم والذرية، وخربت من ذلك الحين، وما بقى منها من يكاد يبين.

وشاهدنا منها ما بناه سيف الدولة بن حمدان [¬]، فالقنا يقرع بالقنا، وموج المنايا تتلاطم، وقيل لسلطاننا هناك على قدر أهل العزم تأتي العزائم [¬]، غضب الدهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدهر خالا.

فبتنا بها وجيادنا إذا زلفت مشت كالأراقم على البطون، وإن تكاسلت جر بعضها بعضا بالصهيل والحديث شجون، وخضنا في أثناء ذلك مخائض سواقع،

كأنها لأجل عموم الخيل بها سمى كل منها لأجل ذلك سابح، كلما قلت هذا بحر قد قطعناه أعرض لنا جبل، وكلما لنا هذا جبل قد طلعناه بان لنا واد، يشتهون دون الهوى فيه نفاد الأجل. ثم وصلنا إلى كوك صو، وهو النهر الأزرق الذي رد الملك الكامل منه سنة الدربندات، لما قصد التوجه إلى الروم، وللوقت عبرنا ركضا وأعجلت الخيل، فما درت هل خاضت لجة أم قطعت أرضا، وبات الناس من بر هذا النهر الآخر، وأصبحوا متسللين في تلك الشم، ووقع السنابك يسمع من تلك الجبال الصم، حتى وصلوا إلى أمجاد دربند، فما ثبتت يد فرس لمصالحة صفاها، ولا بغلة لمكافحة رحاها، ولا رجلة لمطارحة قواها.

وتمرنت الخيل على الاقتحام والازدحام في التطرق وتعودت ما تعودت الأوعال في الأوعار من الشرب والتسلق تنحط انحطاط الهيدب، وترتفع ارتفاع الكوكب، حتى حصل الخروج من منتهى الدربند، وبات السلطان في وطاة هناك، وسمحت السحب بما شاءت من برد وبرد (المخطوط ص)، وجاءت الريح بما ألم الجار، واستنفذ الجلد، وانتشرت العساكر حتى ملأت المفاوز، وملكت الطرق على المار، وأخذتها على الجائز، وقد تقدم سنقر الأشقر في الجاليش [¬] فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التتار، مقدمهم كراي، فانهزموا من بين يديه، وأخذ منهم من قدم للسيف السلطاني، فأكل تهمته وأمتار، واستمرت تلك منه فيمن يؤخذ من التتار، ويؤسره، وبات التتر على أجمل ترتيب ونظر، وبات المسلمون على أجمل تيقظ وحذر. فلما كان يوم الجمعة عاشر ذي القعدة تتابع الخبر بعد الخبر، بأن القوم قد قربوا، وأنهم تأبوا ووثبوا، ووصى السلطان جنوده في التثبت على ما يجب، وأراهم من نور رأيه ما لا يحتجب.

وطلعت العساكر من جبال مشترفة على صخرات منا من بلد ابلستين، وكان العدو ليلته تلك بايتا على نهر زمان، وهو أصل نهر جهان، وأصل اسمه جيحان،

فترتب المغل أحد عشر طلبا [¬] كل طلب يزيد على ألف فارس، وعزلوا عسكر الروم خيفة منهم، وجعلوا عسكر الكرج [¬] طلبا منهم واحدا بمفرده، ولما شاهدوا صناجق السلطان ومن حولها، وعليهم الخوذ الصفر المقترحة، وكأنها في شعاع الشمس نيران مقتدحة، رجعوا إلى ما كانوا عقدوا من العزائم فحلوا، وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، وأنصبت الخيل إليهم من أعلى [¬] الجبل انصباب السيل، وبطلت الحيلة منهم وبقى الحيل، فشمروا عن السواعد، ووقفوا وقفة الرجل الواحد. وكان هؤلاء المغل قد اختارهم آبقا من كل ألف مائة، ومن كل مائة عشرة، ومن كل عشرة واحد، لأجل هذا اليوم، وكان فيهم من المقدمين الكبار تداون، وتقووا إليه أمر بلاد الروم، وأرختو أخو تداون ونمادربخشى، ومن أمراء الألوف زيرك وصهر آبغا وقراق وأخلدت من المغل فرقة إلى الأرض فقاتلت، وعاجت على نفوسهم وعاجلت، وجاء العدو الموت من كل مكان، وأصبح ماهان منهم وقدهان، وكم فيهم من شهم ما سلم قوسه حتى لم يبق في كنانته سهم، وذي سن طارح (المخطوط ص) فما طارحه حتى تثلم، واشتدت فرقة من العدو من جهة الميسرة، معرجين على الصناجق السلطانية.

فلزهم الطراد إلى قتالأدلّ سلاحهم فيه الفرار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

وثاب السلطان إليهم وثب عليهم فضحى منهم بكل أشمط، وأقرى سباع الوحش والطير فأفرط، ولحق من قصد التحصن في الجبال فأخذهم من كل رابية الأخذة الرابية، وقتلهم فهل ترى لهم من باقية، وانهزمت جماعة يسيرة، طمع فيها من العوام من لا كان يدفع عن نفسه، وأخذتهم المهاوي فما نجا منهم إلا آيس من

حياة عده في أمسه.

مضوا متسابقو [¬] الأعضاء فيهالأرجلهم بأرؤسهم عثار
إذا فاتوا الرماح تناولتهمبأرماح من العطش القفار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

ووصدت ميمنة عسكرنا جماعة من المغل، ذو بأس شديد، فقاتلهم المسلمون حتى ضجر الحديد من الحديد، وأما العدو فتقاسمت الأيدي ما يمتطونه من الصواهل والصوافق، وما يصولون به من سيوف وقسى وكتاين [¬]، وما يلبسونه من خوذ وذروع وجواشن [¬]، وما يتملونه من جميع أصناف المعادن، فغنم ما هنالك، وتسلم من استشهد من المسلمين رضوان، ومن قتل من التتار مالك، وأورث الله المسلمين منازلهم، فنزلوها ووطاقاتهم وخركاواتهم فتمولوها، وكان السلطان مع أعدائه كما قيل:

فمساهم وبسطهم حريروصبحهم وبسطهم تراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

وأصبح الأعداء كأنما جزر أجسادهم، تتخللها من الدماء السيل، وكأنما رؤوسهم المجموعة لدى الدهليز المقصور أكر، تلعب بها صوالح الأيدي والأرجل من الخيل، وكم فيهم من مهيب الهامة حسن الوسامة، يتفرس في جهامة وجهه الفخامة، قد فض الرمح فاه، فقرع السن على الحقيقة قدماه، وكثرت الأساري، فاختار السلطان من كبرائهم البعض وعمل بقول اللّه ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ﴾ (المخطوط ص) ﴿لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [¬] ودخل البرواناه [¬]

مدينة قيصرية في سحر يوم الأحد ثاني عشر الشهر.

فأفهم غياث الدين سلطانها الصاحب فخر الدين عليا والأتابك مجد الدين والأمير جمال الدين المستوفى والأمير بدر الدين ميكائيل النائب، والأمير الطغرائي [¬] وهو ولد عز الدين أخي البرواناه، وهو يكتب طرز المناشير، أن المسلمين كسروا بعض المغل وبقيتهم منهزمون، ونخشى منهم دخول قيصرية، واتلاف من يكون بها، فاحذر زوجته كرجى خاتون بنت غياث الدين صاحب أزر، وأمها ملكة الكرج وزوجها السلطان غياث الدين صاحب الروم في أربعمائة جارية.

وكان لها ما لا كان لصاحب الروم من النجاتي والخيام والآلات، وتوجهوا كلهم إلى جهة توقات وهو حصن عن قصيرية أربعة أيام، وهوّل على بقية أمراء الروم، فاتبعوه إلا قليل منهم، وأخفى البرواناه أمره وأمر من معه حتى لا يخبر عنهم.

ورحل السلطان فنزل قريب قرية رمان، وبيوتها حول سن جبل قائم كالهرم إلا أنه ملموم، وعمرت البيوت في سفحه حوله بيتا فوق بيت، وبدت كأنها مجرة النجوم وما منها بيت إلا وبه مقاعد ذوات داربيزينات [¬] منجورة (ورواشون) قد بدت في أحسن صورة، يحمها من أعلاها أحسن بنيان، ويعلوها من رأسها منزل مسنم الرأس كما يعلوه الصعدة السنان، ويطوف بها الجبال كأنها لها أسوار بل سوار، وكأنها في وسطها إناء فيه جذوة نار، وفيها أنهار ذوات قناطر لا تسع غير راكب، مضائق لا تلقى غيرها مناكب، فنزلنا قريبا منها حتى تخلص من تخلص وحضر من كان في المضائق قد تربص.

وقال كل الآن حصحص، ورحلنا والسماء قد حبت الأرض تيجان أمطارها،

وأغرقت الهوام في أحجارها، والقبح في أوكارها، وأصبحت الأرض لا تتماسك حتى ولمرور الأراقم، والجبال لا تتمالك أن تكون للعصم عواصم، تضع بها من الدواب كل ذات حمل، وتزلق على صقليها أرجل النمل.

سرنا على هذه الحالة نهارنا كله إلى قريب الغروب وقطعناه بتسلمنا (المخطوط ص) أيدي الدروب من الدروب، فنزلنا عشاء في مستنقع أرض يطوف بها جبال شاهقة، ومياه دافقة، تعرف قاعدة تلك الأرض بوطأة فشلارهار من أعمال صاروس العتيق، ويضرب من تلك الجهة معدن الفضة.

وبينما نحن قد شرعنا في أهبة المبيت، ولم تجمع الشمل الشتيت، وإذا بالصارخ قد عقر عقيرته، بأن فوجا من التتار هنالك في فجوة قد استتروا وفي فجوة نفرة قد انتظروا، فركب السلطان والناس في السلاح، وعزموا على المطار، فعاقهم تتابع الغيث، وكيف يطير مبلول الجناج، ثم لطف الله وعاد السلطان وهو يقول لا بأس، فنمنا نومة السليم، وصارت أفكارنا سالمة شاعرة في كل واد تهيم، وأصبحنا فسلكنا جبالا، لا يحيط بها الوصيف، ونبسط عذر الطرف فيها حين يكبو الطرف، ينحط منها إلى جنادل تضعف عن الهوى، إليها قوى الأجادل، ومررنا على قرية أوزاك، وتحتها قناطر وخان من حجر منحوت ثم خان للسبيل على رأس رابية، هناك قريب حصن سمند والذي عرض أبو الطيب به في قوله:

فإن يقدم فقد زرنا سمندوإن يحجم فموعده الخليج [¬]
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

وكان السلطان قد سير إليها خواصه بكتاب إلى نائبها فقبله وقبله وأذعق بالتسليم لحصنها المنيع، والنزول لأمر السلطان عنها أن استنزله، فشكر السلطان له تلك الإجابة، ووفاه من الشكر حسابه.

وكذلك إلى قلعة درنده وإلى قلعة دوالوه، فكلهم أجابوه وأطاعوه، ولكلمة

الإذعان والوه، ونزلنا في وطأة قريب من قرية تعرف بحمرهاه، وكان الناس قد فرغت علوفات خيلهم أو كادت، وباتت الخيل ليالي بلا عليق، فمالت ومادت، وشاركها خيول الكسوب في عليقها، وما ساعدتها في طروقها ولا طريقها، فصادفنا في هذه الليلة بعض أتيان، أمسكت أرماقها، وأحسنت إرفاقها، وأصبحنا راحلين من جبال كأنها تلك الأول، وهابطين في أودية (المخطوط ص) يتمنى سالكها لشدة مضائقها لو عاد ترقى قبه الجبل. ثم أشرفنا على خان هناك يعرف بقرطاي، يدل على شرف همة بانيه، وطلب ثواب الله تعالى فيه، وهو من أكبر الأبنية سعة وارتفاعا، وأحسنها شكلا وأوضاعا، كله مبنى بالحجر المنحوت المصقول الأحمر الذي كأنه رخام، ومن ظاهر أسواره وأركانه نقوش، لا يمكن أن يرسم مثلها بالقلم، وله خارج بابه مثل الربض ببابين بأسوار حصينة، مبلط الأرض، فيه حوانيت، وأبواب الخان حديد من أحسن ما يكون استعماله، وداخله اواوين [¬] ضيقة، وأمكنة شتوية، واصطبلات على هذه الصورة، لا يحسن الإنسان يعبر عنها بكيف؟ ولا منها إلا ما يعده الكافر رحلة الشتاء والصيف [¬] وفيه الحمام والمرستان [¬] والأودية والفرش والأواني والضيافة لكل طارق على قدره. وحمل إلى السلطان لما مر عليه وكثر الناس فما وصل أحد إليها ولا إليه، وعليه أوقاف عظيمة، وضياع كثيرة حوله وفي غيره من البلاد، وله دواوين وكتاب ومباشرون، يتولون استخراج أمواله، والإنفاق فيه، ولم يتعرض التتار إلى أبطال شيء من رسومه، وأبقوه على عوائد تكريمه، وأهل الروم يبالغون في تبجيل بانيه ﵀ وتعظيمه، فنزلنا تلك الليلة قريب قرية قريبة من قيصرية شرقي الجبل المعروفة بعسيب [¬] وفيه قبر امرئ [¬] القيس الشاعر وفيه يقول:

أجارتنا إن الخطوب تنوبوإني مقيم ما أقام عسيب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أجارتنا ان الخطوب تنوب»
اجارتنا إنا غريبان هاهنا [¬]وكل غريب للغريب نسيب
للشاعر القاضي أبو العلاء القزويني، اقرأ القصيدة

وهذا الجبل يعلوه جبل أرجاش وهو الذي يضرب به الروم الأمثال لتساميه، وتتضاءل الجبال في جميع الدنيا العالية، لا تسحب ذيول السحاب إلا دون سفحه، ولا يعرف شتاؤه من صيفه من ثلوجه ولا لهيال الأبخرة المتصعدة، وعشاؤه من صبحه.

فلما كان يوم الأربعاء منتصف ذي القعدة، وهو يوم شرق الزهرة، ركبت العساكر المنصورة مترتبة، وملأت الفضاء (المخطوط ص) متسربة، فركب السلطان في زمرته، ودوى أمره وإمرته، يختال به جواده في أفسح ميدان ويصيح به مرحا وفرحا كأنه نشوان درى إنه سلطان.

تظل ملوك الأرض خاشعة لهتفارقه هلكى وتلقاه سجدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

وخرج أهل قيصرية وعلماؤها [¬] وزهادها وتجارها ورعاياها ونساؤها وصغارها، فأكرم السلطان ممساهم وشكر مسعاهم، وتلقى قضاتهم وعلماؤهم ركبانا وحادثهم إنسانا إنسانا، وحصلت لجماعة من الفقراء والناس حالات جد مضطربة [¬] وصرخات ذكر معجبة، وكان شعار السلطان غياث الدين صاحب الروم وخيامه، وشعار سلطنته قد بقى جميعه في وطأة قريب الجوسق والبستان المعروف بكيخسرو، فترجل الناس على اختلاف طبقاتهم في الركاب الشريف من ملك وأمير ومأمور، وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير، ونزل السلطان في تلك المضارب، وضربت نوبة بني سلجوق على باب دهليزه على العادة.

وإذن السلطان للناس في التقرب إلى شريف فسطاط، وحضر أصحاب الملاهي، فما ظفروا بغير النواهي، وقيل لهم: ارجعوا وراءكم، فالتمسوا وذهبوا إلى واد غير هذا الوادي فاقت سوءه هذه الهنات، لا تتفق هنا، وما هذا موضع الغناء بل موضع الغنى.

وشرع السلطان في إنفاق اللها وعين في كل جهة شخصا وقال: أنت لها، وحكم وحكم، وعلم وعلم، واعتمد على الأمير جاليش في النيابة وأعطى كلا بيمينه كتابه [¬] وأقام الحجة على من نزح بالاستعطاف، وتأمين من خاف، فلما علم أنهم لا يفلحون، ولغير التتار لا يصلحون، وإنهم إن أصبحوا في الطاعة لا يمسون، وإن أمسوا لا يصبحون، عاد عن تلك الوعود، وأختار أن ما بدا إليه يعود، فركب يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة مستقبلا من الله الخير، ونصب خبر بني سلجوق على رأسه، فرأى الناس منه صاحب القنة والسّبع، وصاحب القبة والطير، ودخل قيصرية في بكرة هذا اليوم، وكانت دار السلطنة قد فرشت لنزوله، وتخت بني سلجوق قد هيئ لحلوله، وهي (المخطوط) منازل تزهو، ومفازة من يتعبد ويلهو، أنيقة المبتنى، تحف بها بساتين عذبة المجتبى، جدرانها بأحسن أصناف القاشاني مصفحة، وبأجمل نقوشه مصرحة، فجلس السلطان في مرتبة الملك في أسعد وقت ونال التخت بحلوله أسعد البخت.

«وما كان هذا التخت من حين نصبه لغير المليك الظاهر الندب يصلح».

«مليك على اسم الله ما فتحت له صوارق البيض المواضي وتفتح».

«أتته وفود الروم والكل قائل رأيناك تعفو عن كثير وتصفح».

«فأوسعهم حلما وجادلهم ندى [¬] وأمسوا على من وأمن وأصبحوا» [¬].

وأقبل الناس على السلطان يهنونه. وعلى كفه الشريف يقبلونه ثم حضرت القضاة والفقهاء والصوفية ودور الرواتب من أصحاب العمائم على عادة بني سلجوق في كل جمعة، ووقف أمير المحفل وهو كبير المعدلة عندهم، وله وسامه وفخامه، وله أوسع كم وأكبر عمامة.

وأخذ في ترتيب المحفل على قدر الأقدار، وانتصب قائما بين يدي السلطان منتظرا ما إليه به يشار، وشرع القراء يقرءون [¬] جميعا وفرادي بأحسن تلحين وأجمل تحسين، فلما فرغوا شرح أمير المحفل صارخا، وبكور فمه نافخا، فأنشد وأورد بالفارسية، ما يعجب مدلوله، ويهول مقوله، وأطال وما أطاب، واستصوب من يعرف مقاله قوله، والله أعلم بالصواب.

ولما انقضى ذلك مدوا سماطا ليس يناسب همم الملوك، فأكل الناس منه للشرف لا للسرف، ثم عاد كل إلى مكانه فوقف، وقام السلطان إلى مكان الراحة، فأقام ساعة أو ساعتين، ثم عاد إلى مخيمه قرير العين، وكان بدار الملك حرم السلجوقية، على أبوابهم أسمال ستور حرير، ومشايخ خدام، يستحق لكل منهم أن يدعى بالكبير، فجبرهم السلطان، وآنسهم، وأحسن إليهم، وتوجه إلى صلاة الجمعة بقيصرية، وبها سبع جمع تقام فيها خطبا إلا أنهم كالأنعام فصلينا في جامع السلطان، وهو جامع لا يدل على (المخطوط ص) احتفال ملوكها ببيوت عباداتهم، ولا فيه دلائل الخير ما تقضى بحسن إرادتهم.

فحضر أهل المدينة وأكابرها، وجلسوا حلقا لا صفوفا وأجروا من البحث بالعجمية صنوفا، واجتمعت جماعة من حفاظ الكتاب العزيز فتخارجوا القراءة آية آية، وهي قراءة بعيدة عن الدراية بل إنها تبرزها أصوات مترنمة، والحان لتفريق الكلمات مقسمة، ينطقون بالحروف كيف اتفقت، ولا يتوقفون على مخارج الحروف إنها بها نطقت ولا نطقت، ولما آن وقت الآذان، قام صبي عليه قباء، من

وسط جماعة عليهم أقبية، قعود على دكة المؤذنين، فابتدأ بالتكبير أولا وثانيا بمفرده من غير إعانة ولا إبانة، ولمّا تشهد ساعدوه جميعهم بأصوات مجمجمة ملعلعة، ونغمات متنوعة يحيكون له النغم بأطيب تلحين، ويترنمون بالأصوات إلى آخر التأذين، وفرغ الآذان، وكلهم قعود، ما منهم أحد غير الصبي قد وقف وما منا أحد لكلمة من الأذان عرف، ولما فرغ الآذان، طلع شيخ كبير السن يعرف بأمير محفل المنبر، فصعد ذروة المنبر، وشرع في دعاء لا نعرفه، وادعاء لا نألفه، كأنه مخاصم أو وكيل شرع أحضره لمشاورة خصمه خصم بين يدي حاكم، وطلع الخطيب بعد ذلك فخطب، ودعا للسلطان بغير مشاركة، وانفضت الجمعة على هذه الصورة المسطورة.

وضربت السكة باسم السلطان، وأحضرت الدراهم إليه في هذا اليوم فشاهدنا وجها متهللا باسمه الميمون، وأقرت الألسنة [¬] بهذه النعمة، وقرت العيون، وشاهدت بقيصرية مدارس وخوانق وربطا، تدل على اهتمام بانيها، ورغبتهم في العلوم الشريفة، مشتدة بأحسن الحجار الحمر المصقولة المنقوشة وأراضيها بأجمل ذلك مفروشة، وأواينها وصففها مؤزرة بالقاشاني الأجمل صورة، وجميعها مفروشة بالبسط الكرخية [¬] والقالية [¬]، وفيها المياه الجارية، ولها الشبابيك على البساتين الحسنة.

وسوق قيصرية طائف بها من حولها، وليس داخل المدينة دكان ولا سوق، والوزير في بلاد الروم يعرف (المخطوط ص) بالصاحب فخر الدين خواجا علي، وهو لا يحسن الكتابة، ولا الخط، وخلفه من مماليكه خاصة مائتا مملوك، ودخله غير دخل أولاده وغير الإقطاعات التي له ولأولاده وخواصه سبعة آلاف درهم

سلطانية، ولقد شاهدت في مدرسته من خيامه وخركاواته شيئا لا يكون لأكبر الملوك، وله بر ومعروف وبالخير معروف.

وأما معين الدين سليمان البرواناه وزوجته كرجى خاتون فظهر لهم من الوجود البادي للعيون كل نفيس، واستولى السلطان من موجودهما على ملك سليمان [¬] وعرش بلقيس [¬] ولما أقام بقيصرية هذه المدة، فكر في أمر عساكره، ومصالحهم بما لا يعرفه سواه، ونظر في حالهم بما أراه الله، وذلك لأن الأقوات قلت، والسيوف من المضاربة ملت، والسواعد من المصارمة كلت. وأنه ما بقى بالروم من الكفار من يغزى، ولا بجزاء السوء يجزى، وما بقى في البلاد إلا رعايا كالسوائم الهاملة، ولا دية لكفر منهم على عاقل ولا عاقلة، وإن أقام بالبلاد لا تحمله، ومواد بلاده لا تصله، وأعشاب الروم بالدوس قد اضمحلت، وعلوفاتها قد قلت، وزروعها لا ترجى لكفاية، ولا ترضى خيول العساكر المنصورة بما ترضى به خيول الروم من الرعى والرعاية، وإن الحسام الصقل الذي قلت به التتار في يد القاتل، وإنه إن كان أعجبهم عامهم فيعودون إلى الروم من قابل.

فرحل يوم الاثنين العشرون [¬] من ذي القعدة بعد أن أعطى أمراءه وخواصه كلما أحضر إليه من الأعنة والأزمة، وكلما يطلق على غولة اسم النعمة، فنزل في منزلة تعرف بقبر لولو، فيها وصل إليه رسول غياث الدين والبرواناه، يستوقفونه، وكان الأمر شائعا إنها إلى سيواس، فعدد السلطان عليه حسن وفاء عهده، وأنه أجاب دعاهم مرة بعد مرة، من أقصى ملكه مع بعده، وأنهم ما وقفوا عند الشرائط المقررة، ولا وفوا يمضمون الرسائل المسيرة، وأنه لما جاء الحق وزهق الباطل [¬] طلبوا نظرة إلى ميسرة، وعلم (المخطوط ص) السلطان أن عساكر الروم أهل البداد لا

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع