تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الباب الخامس في مملكة الأتراك بالروم

الصفحة ٢ من ٢

أهل نفاذ، وأهل طرف لا أهل حرب، وأهل طيبة عيش لا قواد جيش فرد إلى سليمان البرواناه وهدده، وقال: قل له أني قد عرفت الروم وطرقاته، وأمه أسيرة معي وابن بنته وولده، ويكفينا ما جرى من النصر الوجيز، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز [¬]، ولا كل من قضى فريضة الحج تجب عليه المجاورة، ولا بعد هذه المهاجرة مهاجرة، ونحن فقد ابتغينا فيما أتانا الله من حقن دماء أهل الروم، وعدم نهب أموالهم، الدار الآخرة، وما كان جلوسنا في تخت مملكتكم لزيادة تنجح بتخت آل سلجوق إلا لتعلمكم أنه لا عائق لنا عن أمر من الأمور، يعوق، وأن أحدا لا ينبغي له أن يأمن لنا سطوة، وليتحقق كل أن كل مسافة جمعة لنا خطوة، وسروجنا بحمد الله أعظم من ذلك التخت حلالا، وأرفع منالا، وكم في ممالكنا كرسي ملك نحن آية ذلك الكرسي وكم لنا فتح، والحمد لله فوق الفتح القدسي.

واستصحب السلطان معه أكابر الروميين، ثم رحل فنزل قريب خان السلطان علاء الدين كيقباد، ويعرف بكرواصواي، وهذا الخان بنية عظيمة من تشبه خان قطراي، وعليه أوقاف عظيمة، من جملتها أغنام كثيرة، يذبح نتاجها للواردين عليه، ثم نزلنا في وطأة رويزان كودلوز كودلو، اسم جبال تلك الوطأة، ثم رحلنا فعارضنا نهر في وطأة خلف حصن سمند ومن طريق غير التي كنا توجهنا عليها بمكان يعرف بنهر قزل صو، وهو صعب المخاض، واسع الاعتراض، عالي المهبط، زلق المسقط، مرتفع المرتقى، بعيد المستقى، لا يجد السالك من أوحال حافتيه إلا صعيدا زلقا.

فوقف السلطان عليه بنفسه وجرد سيفه بيده، وباشر العمل هو وجميع خواصه، حتى هيأ المكان جميعه، ووقف راحلا يعبر الناس أولا فأولا من كبير وصغير وغلام، وهو في أثناء ذلك يكبر على من يزدحم، ويكرر التأديب (المخطوط ص) لمن يطلب بأذية رفيقة أنه يقتحم، فلما خفت البرور، ولم يبق إلا المرور،

ركب فرسه، وعبر الماء.

ونزل في واد هناك به مرعى ولا كالسعدان ومرائي ولا لشعب بوان، ثم رحل، فنزل عند صخرات قراجا حصار، وهي قرية كانت عامرة فيما مضى قبالة بازاربلو، وهذا البازار [¬] هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه من كل شيء يجلب في الأقاليم.

ثم سرنا حتى نزلنا وطأة الأبلستين، وعبر السلطان على مكان المعركة المتقدمة مع التتار، ورأى كيف تعاقبت عليهم من العقبان كواسرها، ومن النسور مناسرها، وكيف أصبحوا لا تندبهم إلا البوم، وكيف تحققوا أن التي أهلكهم زرق الأسنة لا زرق الروم، وشاهدهم والهوام في أجسامهم متصرفة، قد هزأ بهم كل شيء حتى الوحوش والرياح، فهذه من صديدهم متكرعة، وهذه عليهم متقصفة.

«قد سودت شجر الجبال شعورهم فكان فيه مسفه الغربان».

وحضرت من أهل الابلستين هناك جماعة من أهل التقى والدين، فاستخبرهم السلطان عن عدة قتلى المغل، فقالوا: ما شأن العاديين، فاستفهم من كبيرهم عن عدة المغل كم من قتيل؟ فقال: قل الله أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل [¬]، فقال الذي عنده علم من الكتاب [¬] أنا أعددت سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين نفرا وضاع الحساب، هذا غير من آوى إلى جبل يعصمه من ماء السيوف [¬] فما عصمه، ومن اعتقد أن فرسه يسلمه فما سلمه.

فنزلهم السلطان، ورسم بتقدير الأثقال والخزائن والدهليز على أمجاد ربند، ثم أقام يومين ينتظر صعيدا من العدو يعن أو دما من دمائهم إلى السيف يحن، فلما لم يجد أحدا، رحل من طريق غير التي حضر منها، فسلك على الأوعار طريقا يبسا، وطلع من قنن الجبال في هضاب كان كلا منها كف حملت من الأنجم قبسا، فقاس الناس في هذا اليوم من الشدة ما لا يدخل في قياس.

(المخطوط ص) وكاد الناس أن يهلكوا لولا أن الله تدارك الناس، فساقوا ولكن على مثل حد السيف، وتسللوا ولكن سل حوافر الخيل كيف، وهبطوا من جبال يستصعبها كل شيء حتى طارق الطيف، يستصحب الحجر المحلق وقوعه في عقابها ويستهول النجم الثاقب تعلقه بشعابها.

وعد بباكوك صو وهو النهر الأزرق، وبات السلطان هناك، وكان قضيم الخيل في تلك الليلة ورق البلوط إلا من أمست عناية الله له بيسير شعير محوط، ورحل السلطان ونزل كينوك المقدم ذكرها، وعدل إلى طريق مرعش فزال بحمد الله عقاب تلك العقاب.

وقالت الأنهار المتلقية لكل منا أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب [¬]، ونزلنا قريب قلعة خراب، تعرف بالاسكركيس إلى جانب نهر يعرف بالخان، ثم رحل السلطان قريب بركلوجا من بلاد مرعش ثم رحل فنزل عقبة مرى أحد دربندات سيس إلى جانب النهر الأسود، ورحل فنزل قبالة دريساك، ورحل فنزل قبالة حارم، فنزل قريب منزله الذي كان به فيما تقدم، وألقى عصا النسيان، وقال لأهل الخيام هذه الخيام ولأهل هذه الدرار هذه الدر.

هذه الرسالة كافية في كثير من أحوال الروم، وفيما ذكره عن دخل هذا الوزير ومن له المماليك غير بقية من لعله يكون له من الجند والأتباع ما يعرف به عظم

شأن هذه المملكة ووفور دخلها ووفود السعود إلى محلها، وتستر أبناء الزمان من عين دهرها بظلها.

ولو قد اجتمعت هذه البلاد لسلطان واحد، وكفت بها أكف المفاسد، لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه، وهذا الذي ذكره، دخله الملك الظاهر بيبرس من بلاد الروم، وهو بعض ما لبيت جنكيز خان وهو من جلالة المقدار، وكثرة المال، على ما قد أشرنا إليه، فكيف جميع ما هو الخليج القسطنطيني (المخطوط ص) إلى بحر نيطش.

الله أكبر أن ذلك فلك عقيم، وسلك نظيم وسلطنة كبرى ودنيا أخرى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [¬].

وأما ما نحن بصدد ذكره من ممالك الأتراك في الروم، فقد حدثني الشيخ حيدر العريان السبر حصري الرومي، وهو من أهل مدينة سبر حصر من بلاد الروم، مما هو في أيدي ملوك بيت جنكيز خان، قال: إن لهؤلاء أمراء الأتراك نقود ألا يخرج نقد واحد منهم في بلاد الآخر، ودرهمهم في الغالب في تقدير نصف وربع درهم من نقدنا، والرطل مختلف عندهم، وأكثرها بالتقريب زنة اثني عشر رطلا بالمصري، وأقلها زنة ثمانية أرطال.

قال: وأما الغلات فتباع بكيل لهم يعرف بالوط، وهو يجيء تقدير أردب ونصف بالمصري.

قال: وهذه البلاد بل الروم جميعه فيه من أنواع الفواكه. كلها إلا الحوامض كالليمون والنارنج وما لا يوجد في الصرود كالرطب والموز، وقد يوجد ما قل من الحوامض في بعضها مما هو على ساحل البحر.

وأما الدواب والسوائم فأكثر من أن يقع عليها إحصاء أو حساب من الخيل والغنم والبقر، وأعظمها عددا وأنماها ولدا الغنم، فإنها تبسط فرش الأرض منها المعز الموغر ذوات الأوبار المضاهية لأنغم الحرير، وغالب قنية أهل الشام وديار بكر والعراق وديار العجم، وذبائحهم مما يفضل عنها، ويجلب إليها منها، وهي أطيب أغنام البلاد لحما، وأشهى شحما، وبها العسل المضاهي للثلج بياضا، والسكر في اللذاذة طعما، لا حدة فيه ولا إفراط حلاوة توقف الأكل.

والأسعار كلها بالروم رخيصة لأسباب منها قلة المكوس وكثرة المراعي المباحة، واتساع سبب التجارة، واكتتاف البحر.

قال: وقيمة الغلات بها دون قيمتها بمصر والشام.

وقيمتها أو مثلها في الغالب، فأما اللحم واللبن على اختلاف أنواعها فرخية رخيصة، أما الغنم فخيار رأس يكون لا يجاوز (المخطوط ص) اثني عشر درهما من دراهمهم، يكون بنحو تسعة دراهم من دراهمنا إلى ما دون ذلك.

وأما اللبن وما يعمل منه فما هو مما يسأل عنه بكيف؟ لكثرته، وأما في زمن الربيع فإنه لا يوجد له من يشتري ولا من يبيع لأنه لا يكاد يخلو أحد في الروم من أغنام تحلب له اللبن فلا يحتاج ليشتريه، ولا يحتاج إليه فيبيعه له.

قال: وأما العسل فلا تتجاوز الرطل ثلاثة دراهم برطلهم وهو ذلك الرطل الكبير، ودرهمم وهو ذلك الدرهم الصغير، وأما الفواكه في أوانها حكم الألبان في زمان الربيع.

وقال: وبلاد الروم إذا غلت وأقحطت كانت بسعر الشام، وإذا أقبل أرخص.

قال: ومع نواب بيت جنكيز خان بالروم ثلاثة معادن فضة أحدها بأراضي مدينة لؤلؤة، والثاني بأراضي مدينة لبن، والثالث بأراضي مدينة باجرت.

قال: وهي إلي أن فارقتها في حدود سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، عماله

مستمرة تستخرج الفضة الخالصة بها.

قال: والروم شديد البرد، لا يوصف شتاءوه إلا أن سكانه تستعد له قبل دخوله، وتحصل ما تحتاج إليه، وتدخره في بيوتها، وتستكثر من القديد والأدهان والخمور، فتأكل طول مدة الشتاء تلك الأيام بهنية العيش عندهم ولا تخرج من بيوتها، ولو أرادت ذلك لما قدرت حتى تذوب الثلوج، فتخرج إلى معايشها.

وذكر هذا الشيخ حيدر العريان أن جملة ممالك الأتراك بالروم أحد عشر مملكة غير ما بيد بيت جنكيز خان، وهذا هو خلاف ما تبين على ما سنذكره نقلا عن يليان الجنوبي ويليان أدرى.

فأما ما عده العريان من ممالك الأتراك فهو مملكة انطاليا [¬]، وصاحبها خضر بن دندار [¬]، وقال: أن لصاحبها مدينة افنيكا [¬]، وأميرها الذي هو بها الآن من قبله، وهو من أولاد منتشا، وقال: إن عدة عسكره نحو أربعين ألف فارس.

قلت: ولهؤلاء بني دندار إلى ملوك مصر انتماء، ولهم من (المخطوط ص) تحف سلاطينها نعما، وكان بمصر منهم من له إمرة فيها، ثم عاد إلى بلاده بعد مهلك تمرتاش بن جوبان [¬] لأنه كان قد ترك بلاده لأجله، وفر هاربا من يده لعداوة كانت قد اضطرمت بينهما شرورها، واضطربت أمورها، فلما خلت من مجاورة

تمرتاش تلك البلاد، عاد وأخبرني يليان الجنوبي الآتي ذكره، أنه قتل هناك، وما استقر له حال، ولا سلمت له بلاد.

ومملكة رملاش [¬] بلاد ابن منتشا [¬]، وقال: عسكره لا يزيد عن ثلاثة آلاف فارس.

ومملكة بركري [¬] بلاد محمد بن ايدين [¬]، وأن عسكره نحو عشرة آلاف فارس، وهذا ابن آيدين ما أعرف بأن له من حوله من ملوك الممالك الماما، ولا أن له أخيارا ترد طروقا ولا لماما، بل هو في عزلة من كل جانب، ولا مخالط ولا مجانب.

ومملكة كاس برديك [¬] بلاد صاروخان، قال: وعسكره إذا جمع بقارب ثمانية آلاف فارس.

ومملكة بالي كسرى [¬] بلاد دمرخان بن قراشي [¬] قال: وله مدينة كردما وبينهما يومان، وأمير كردما من قبيلة واسمه سبغا، قال: وهذه البلاد محصنة منيعة، ولها أقطار رخية وسيعة، ومع هذا فعسكره قليل ضئيل، لا يجاوز مائتي فارس، لكنه مطمئن بمنعة بلاده، ولا ينافسه فيها منافس.

ومملكة بلاد أورجادين عمان قال: وعسكره خمسة وعشرون ألف فارس، وهو مجاور الخليج القسطنطيني، وبينه وبين صاحب القسطنطينية الغلب، ولها في صدور الروم سهام تشق صدور القلب، ولهذا يداريه ملك الروم على مال، يحمله إليه كل هلال، قال: ولقد جاز البحر مرة إلى بلاد النصارى، وعاش في نواحيها، وشد على بطارقتها [¬] لا فلاحيها، وألقى علوجها بحيث تعتلج سيول الدماء، وتختلج سيوف النصر (المخطوط ص) من الأعداء، أمده الله بتأييده، وأذلّ رخم الكفر بعقبان صناديد.

ومملكة كرميان [¬] بلاد أرغدشار [¬]، قال: كرسي مملكة كوناي، قال:

ومالكها الآن كرميان بن غدشار، هكذا قال الشيخ حيدر العريان، وهو أمير مطاع، وقائد جيوش لبوارق سيوفهم متاع، وأمراء الأتراك تتقيه ببذل كل منهم في متاقاته ما استطاع، قال: وعسكره يقارب أربعين ألف فارس، وهم فوارس وغي، وفوارع عليا لا تبتغي.

مملكة كرداله [¬] بلاد شاهين، قال: وعسكره نحو خمسة آلاف فارس.

ومملكة كونيك حصار بلاد أمير جاكو، قال: وعسكره ثلاثة آلاف فارس.

ومملكة كصطمونيه [¬] بلاد سليمان باشا [¬]، قال: وصاحبها الآن إبراهيم بن

سليمان باشا [¬]، وله مدن وقلاع، ومن مشهور ماله منية سنوب، وأميرها من قبله، واسمه غازي جلبى، وبودي وأميرها مراد بك.

قلت: وصاحب كصطمونيه ممن له بملوك مصر اتحاد، وبينه وبينهم مكاتبات ووداد ونحوه على ما يقال لنا ويبلغنا نحو ثلاثين ألف فارس أو يزيدون، وببلاده الخيل المخاص الرومية الفائقة، المفضل بعضها على كل سابق من الخيل العرّاب، وهي بيوت مشهورة مثل خيول العرب، بأنساب محفوظة وأحساب ملحوظة، ويغالى في أثمانها، خصوصا في مكانها حتى أن قيمتها لتبلغ قيمة ألف دينار ذهبا، ومنها ما يتجاوز هذا المقدار ويزيد قيمته على ألف دينار، ولا يستكثر من يعرفها فيها بذل مال، ولا يستغلى اشتطاط السوم، وإذا قصد في بلاد الروم بيع اكديش [¬] خال منها بالثمن الغالي، قال: هذا كصطموني يشرفه بهذا الوسم، وينفقه في البيع تجاه هذه النسبة.

ومملكة أرمصال [¬] وهي بلاد ابن قرمان [¬]، وصاحبها الأمير محمد بن قرمان، من أهل بيت توارثوا (المخطوط ص) هذه البلاد، ولا يخاطب قائم منهم إلا يأمره، وفي ساحل بلاده مدينة العلائية المعروفة على ألسنة الناس بالعلايا، وأميرها من قبله اسمه يوسف، وله مدينة وهي عنه على ثلاثة أيام، وأميرها من قبله واسمه إسحاق بك، ولأولاد قرمان عصبة ذات أيد ويد وجيوش كثيرة العدد، وهم أصحاب

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.