من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
حلب
وحلب مدينة عظيمة قديمة، أم أقاليم وبلاد وأغوار وأنجاد؛ وبها معظم قلاع الشام ومعاقله وحصونه (المخطوط ص) وثغوره، وتسمى حلب الشهباء.
وهي ذات القلعة البديعة العلية المنار، وهي أعني حلب في وسط وطأة حمراء ممتدة، والقلعة على تل عليّ، كانت قد عظمت أيام بني حمدان، وتاهت بهم شرفا على كيوان ثم جاءت الدولة الأتابكية [¬] فزادت فخارا، واتخذت لها من بروج السماء منطقة وأسوارا، ولم تزل على هذا يشار إليها بالتعظيم ويأبى أهلها في الفضل عليها لدمشق التسليم حتى وطئها هولاكو بحوافر خيله، وأقام عليها مفرقا في أقطار الشام بعوث سراياه وجنده، فهدمت أسوارها وخربت حوافرها، فأصبحت يرثى لها الشامت ويبكى بها اللاهى، وهي على ما توالى عليها من المحن، وأطاف بها من نوب الأيام مصر جامع، ومبصر رائع، مبنية بالحجر الأصفر، الذي لا يوجد مثله في البلاد، كأنها به رافلة في حلل الديباج، مائلة في ذهبية الأصيل.
وبها الديار العظيمة والجامع ذو المئذنة [¬] العليا الفائقة والمارستان والمساجد والمدارس والربط والخوانق ووجوه البر الدائم والصدقات الجارية، ويجرى إلى داخل المدينة فرع ماء، يتشعب في دورها ومساكنها، وهو قليل نزر، لا يبل صداها، ولا يكفي بغيتها ولها الصهاريج المملوءة من ماء الأمطار، صافية الغطاف، باردة الزلال، منه شرب أهلها.
ويدخل إليها الثلج من بلادها وليس لأهلها إليه كبير التفات لبرد هوائهم
ومائهم، وقرب اعتدال صيفهم، وشتائهم، وبها نهر قويق، وهو نهرها القديم، ونهر الساجور مستجد فيها ساقه هذا السلطان إليها، وحكمه جاريا عليها.
وحلب أوسع الشام بلادا وأوطأ أكتافها لخيل الأمل مجالا، ولها المروج الفيح والبر الممتد حاضرة وبادية ومنازل عرب وأتراك [¬].
بها جند كثيف، وأمم من طوائف العرب والتركمان، وبها البطيخ القليل في الشام مثله وأنواع من الفواكه، أكثرها مجلوبة من بلادها، متصلة بسيس [¬] والروم وبلاد ديار بكر وبرية (المخطوط ص) العراق، وفي أعمالها وادي الباب وبزاعة وهو الوادي المشهور، نزل به المنازي الشاعر ووصفه بقوله:
وقانا لفحة الرمضاء وادوقاه مضاعف النبت العميم
نزلنا دوحه فحنا عليناحنو الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالاألذ من المدامة للنديم
يروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النظيم
صد الشمس أنّى واجهتهافيحجبها ويأذن للنسيم»
وأما أعمالها فهو كثير منه قلاع وحصون، ومنه ما ليس له قلعة وعدة الجميع ثلاثة وعشرون عملا، وهي عمل شيزر المدينة المشهورة، وعمل الشغر
ولكاس [¬] وهي قلعة، وعمل القصير [¬] وهي قلعة، وعمل دبركوش، وعمل كارم، وعمل أنطاكية [¬] المدينة العظيمة المشهورة المذكورة، وعمل يقراض [¬] وهي قلعة حصينة ثغر الأرمن والدر يسال وهي قلعة، وعمل حجر شعلان وهي قلعة، وعمل الراوندان وهي قلعة، وعمل عيتبان وهي مدينة (مليحة) جليلة، وعمل مدينة بيشنا (وهي مدينة جليلة على ما يذكر)، وعمل كركر وهي قلعة، وعمل الكحتا، وهي قلعة، وعمل البيرة وهي القلعة (الجليلة المشهورة)، وعمل قلعة المسلمين (وهي قلعة جليلة) وعمل منبج، وعمل الجول، وعمل بيرين [¬]، وعمل عزاز، وعمل سرمين ومعها الفويعة ومشيزر، وعمل كفرطات، وعمل الباب وبزاعه المقدم الذكر.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع