تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أحمد المعروف بابن الرفاعي أبو العباس بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة

عرف حقه الأنام، وألفت فضله الأيام، أيّ رجل، وأيّ بطل، مثله في الخواطر لم يجل، طالما اهتز في يديه كلّ أخضر، وأهزله رداء ألقى المهابة في قلوب الحضّر، وكان لو من

السحاب لم يعبأ بنواله، واستقر له استقرار الجبل لا يعن بزواله، وجاء في عصر مشعشع بالأولياء، وزمان مترعرع بمواليد الأتقياء، وكان دونهم مدلى اللهب، ومواطئ أقدام طائفته منها على أرض من الذهب، ورأوا النار بردا وسلاما فاقتحموها، وخاصموا ألسنتها وألجموها، إلى نهش الأفاعي وقد لفح سمومها، ونفح كالشرار سمومها، يأكلونها أكلا لمّا، ويحبونها حبا جمّا.

هذا وشأن أشياعه حجب العنا، وطل العنا، وغير هذا مما ابتدعوه، وابتدوه، ونسبوه إليه وشنعوه، مما لم يكن عليه، ولا يمكن أن ينسب إليه.

كان ﵁ رجلا صالحا، فقيها، شافعي المذهب.

قدم أبوه العراق، وسكن البطائح بقرية يقال لها: " أم عبيدة "- بفتح العين -، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها الشيخ أحمد، وإخوته.

وكان أبو الحسن مقرئا يؤمّ بالشيخ منصور، فمات وزوجته حامل بالشيخ أحمد، فربّاه خاله منصور، فقيل: إنه ولد في أول المحرم سنة خمسمائة.

ونشأ أحسن نشأة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه.

والطائفة المعروفة بالرفاعية، والبطائحية من الفقراء منسوبة إليه.

ولأتباعه أحوال عجيبة، من أكل الحيّات وهي حيّة، والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعدّ، ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل.

ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة.

وله شعر، فمنه على ما قيل: -

إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركمأنوح كما ناح الحمام المطوّق
وفوقي سحاب يمطر الهمّ والأسىوتحتي بحار بالأسى تتدفق
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «أحبة قلبي والمنى طوع أمركم»
سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرهاتفكّ الأسارى دونه وهو موثق"
"فلا هو مقتول، ففي القتل راحةولا هو ممنون عليه فيطلق"
للشاعر أمين الجندي، اقرأ القصيدة

قيل: إنه أقسم على أصحابه: إن كان فيه عيب ينبهونه عليه.

فقال الشيخ عمر الفاروثي: يا سيدي! أنا أعلم فيك عيبا!.

قال: ما هو؟.

قال: يا سيدي! عيبك أننا من أصحابك.

فبكى الشيخ والفقراء، وقال: أي عمر! إن سلم المركب حمل من فيه.

قيل: إن هرة نامت على كمّ الشيخ أحمد، وقامت الصلاة، فقصّ كمّه، ولم يزعجها، ثم قعد فوصله، وقال: ما تغير شيء!.

وقيل: توضأ، فنزلت بعوضة على يده، فوقف لها حتى طارت.

وعنه قال: أقرب الطرق الانكسار، والذلّ، والافتقار، تعظّم أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة سيدك رسول الله ﷺ.

وقيل: كان يجمع الحطب، ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم الجرة.

قيل له: أيش أنت يا سيدي؟.

فبكى فقال: أي فقير!، ومن أنا في البين، ثبّت نسب واطلب ميراث.

وقال: لما اجتمع القوم وطلب كلّ واحد شيء، دارت النوبة إلى هذا اللاشيء أحمد!.

وقيل: أي أحمد! اطلب. قلت: أي ربّ! علمك محيط بطلبي، فكرر عليّ القول، قلت: أي مولاي! أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار. فأجابني، وصار الأمر له وعليه.

وقيل: إنه رأى فقيرا يقتل قملة، فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك؟!.

وعنه أنه قال: لو أن عن يميني خمسمائة يروّحوني بمراوح الندّ والطيب، وهم من أقرب الناس إليّ، وعن يساري مثلهم من أبغض الناس إلي، معهم مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه، ثم قرأ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاَللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾.

وقيل: أتي إليه بطبق تمر، فبقي ينقي لنفسه الحشف يأكله، ويقول: "أنا أحقّ بالدون من غيري، فإني مثله دون"!.

وكان ﵁ لا يجمع بين لبس قميصين لا في شتاء، ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلة، وإذا غسل ثوبه ينزل في الشطّ كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف.

وإذا ورد عليه ضيف، يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في مئزر.

وقال: "الفقير المتمكّن إذا سأل حاجة، وقضيت له، نقص من تمكنه درجة. "

وتوفي ﵁، يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، بأم عبيدة، وهو في عشر السبعين.

وكان لا يقوم للرؤساء، ويقول: النظر إلى وجوههم يقسي القلب".

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.