من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
إبراهيم الصباح
مشكاة أنوار، وروضة صلاح، لا تخفى لها أنوار.
انقطع بدمشق بالجامع الأموي مربيا لجماعته، وعونا على ما يخلو به المتعبد فيه من طاعته، وكان بالمأذنة الشرقية مشرقا لشموسها، ومحليا لها حلية عروسها، وكان رجلا منجمعا عن الناس، مستوحشا كأنه النمر أو الأسد. وكان كثير الصلاة والذكر، مواصلا لقيام الليل، وصيام النهار، ولا يقبل على أحد، ولا يختلط بأحد، يمشي في الجامع وكأنما يمشي على حذر، وكان لا يقبل لأحد شيئا فيما أعلم إلا صاحبنا بدر الدين بن العزازي، فإنه كان يبعث إليه من الطعام في كل يوم، ومن اللباس في كل سنة، بقدر حاجته، وكان يقبل ذلك منه، وحج معه، وكان عديله في المحمل.
حكى لنا ابن العزازي عنه قال: كنت لا أراه إلا كالسكران الطافح، وكنت لا أجسر على كلامه، وكان لا يسألني عن شيء من أحوال الناس ولا الطريق ولا المنازل، ولا غير ذلك. وكان يكثر من قوله: "يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصى عددا، يا الله".
وآخر أمره أنه استدفأ بمجمرة فاحترق رحمه الله تعالى وغفر له، وذلك في يوم. [ ......]
ورثاه الأديب جمال الدين ابن نباتة بقوله:
على مثلها فلتهم أعيننا العبراوتطلق في ميدانها الشهب والحمرا
فقدنا بني الدنيا فلما تلفتتوجوه أمانينا فقدنا بني الأخرى
لفقدك إبراهيم أمست قلوبنامؤججة لا برد في نارها الحرّا
وأنت بجنات النعيم مهنّأبما كنت تبلي في تطلبه العمرا
عريت وجوّعت الفؤاد فحبّذامساكن فيها لا تجوع ولا تعرى
بكى الجامع المعمور فقدك بعد مالبثت على رغم الديار به دهرا
وفارقته بعد التوطن سارياإلى جنة المأوى فسبحان من أسرى
كأن مصابيح الظلام بأفقهلفقدك نيران الصبابة والذكرى
كأن المحاريب القيام بصدرهلفرقة ذاك الصدر قد قوست ظهرا
مضيت وخلّفت الديار وأهلهابمضيعة تشكو الشدائد والوزرا
فمن لسهام الليل بعدك إنهامعطلة ليست تراش ولا تبرا
ومن لعفاف عن ثرى وبني الورىعبيد الأماني وانثنيت به حرّا
سيعلم كل من ذوي المال في غدإذا نصب الميزان من يشتكي الفقرا
عليك سلام الله من متيقظصبور إذا لم يستطع بشر صبرا
ومن ضامر الكشحين يسبق في غدإلى غاية من أجلها تحمد الضمرا
أيعلم ذو التسليك أن جفونناعلى شخصه النائي قد انتثرت درّا
وأن الأسى كالحزن قد جال جولةفما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
ألا ربّ ليل قد حمى فيه من وغىحمى الشام والأجفان غافلة تكرى
إذا ضحك السماء حجب ثغرهكذلك يحمي العابد الثغر والثغرا
إلى الله قلبا بعده في تغابنإلى أن رأى صف القيامة والحشرا
لقد كنت ألقاه وصدري محرجفيفتح لي يسرا ويشرح لي صدرا
وألثم يمناه وفكري ظاميءكأني منها ألثم الوابل الغمرا
أمولاي إني كنت أرجوك للدعافلا تنسني بالخلد في الدعوة الكبرى
سقى القطر أرضا قد حللت بتربهاوإن كنت أستسقي برؤيتك القطرا
ومن كان يرجى منه في المدح أجرةفإني أرجو في مدائحك الأجرا
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع