من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الخير الأقطع المعروف بالتيناتي
لم يبق للدنيا رذاذا، ولا لبس ثوبها المعار إلا جذاذا، صحب أيامها حتى غرض، وحمل آلامها حتى مرض، وتعرّضت له فلم يرضها، ولا أحب سماءها ولا أرضها، بل شمّر لدار لا ينقص نعيمها، ولا يهب زعزعا نسيمها، ليلحق بقوم جدّ ليصل إليهم، مع الذين أنعم الله عليهم، فلم يشبع من المطاعم السغب، ولا ورد من الماء العب، ليتفيّأ تلك الظلال الوارفة الأفياء، الواكفة الأتقياء.
أصله من المغرب، وسكن التينات، وله آيات، وكرامات.
صحب أبا عبد الله بن الجلاء، وغيره من المشايخ. وكان أوحدا في طريقة التوكل.
وكانت السباع والهوامّ تأنس به، وله فراسة حادة.
وتوفي سنة نيّف وأربعين وثلاثمائة.
قال ﵁: " دخلت مدينة النبي ﷺ؛ وأنا بفاقة.
فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقا، فتقدّمت إلى القبر، وسلمت على النبي ﷺ، وعلى أبي بكر، وعمر، ﵄. وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله!.
وتنحّيت ونمت خلف المنبر. فرأيت في المنام النبي ﷺ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي بن أبي طالب بين يديه، ﵃، فحرّكني علي، وقال: قم، قد جاء رسول الله ﷺ.
قال: فقمت إليه، وقبّلت بين عينيه، فدفع إليّ رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت، فإذا في يدي نصف رغيف. "
وقال أبو بكر [الرازي: أنشدني] أبو الخير الأقطع:
أنحل الحبّ قلبه والحنينومحاه الهوى، فما يستبين
ما تراه الظّنون إلا ظنوناوهو أخفى من أن تراه العيون
وقال: " لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى؛ ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى. "
وقال: " ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين ".
وقال: " الذاكر لله تعالى لا يقوم له - في ذكره - عوض؛ فإذا قام له العوض، خرج من ذكره ".
وقال: " الدعوى رعونة، لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها إلى اللسان، فتنطق بها ألسنة الحمقى، ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه ".
وقال: " من أحب أن يطّلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب أن يطّلع الناس على حاله فهو مدّع كذاب "
وقال حمزة بن عبد الله العلوي: دخلت على أبي الخير، وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلّم عليه وأخرج، ولا آكل عنده طعاما، فلما خرجت من عنده مشيت قليلا إذا به خلفي، وقد حمل طبقا عليه طعام، فقال: يا فتى! كل هذا، فقد خرجت الساعة من عقدك!.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع