من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
بختيشوع بن جرجس النصراني
كان لا يكفّف له ألمعية، ولا تلوذ بعيّ له لوذعية، ولا تزال إلى نهاره مبصرة، وسحائب مدده معصره، ودنا من الخلفاء بحيث لا ترفع الستور، ولا ترتع اللحظات في غابة الليث الهصور، ورأس على أقرانه، وانبجس نهرا لا يضرب الليل دونه بجرانه.
وناظر الكبراء، ونافر حتى الأمراء، وسار إماما في الأطباء، ولولاه لما ركبوا وراء.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان يلحق بأبيه في معرفته بالطب، وخدم الرشيد، وتميز في أيامه".
قال فثيون الترجمان: لما مرض الرشيد أحضر بختيشوع من "جندي سابور" وأحضر الأطباء لمناظرته، فقال أبو قريش - وكان رأس الأطباء ببغداد -: يا أمير المؤمنين! ليس في الجماعة من يقدر على الكلام مع هذا، لأنه هو وأبوه وأهل جنسه فلاسفة!.
فقال الرشيد لبعض الخدم: أحضر له ماء دابة لنختبره؛ فأتاه به.
فقال: ليس هذا بول إنسان!.
فقال له أبو قريش: كذبت، هذا بول حظيّة الخليفة.
فقال له بختيشوع: أيها الشيخ الكريم! إنه لم يبل هذا إنسان البتة! وإن كان على ما قلت، فلعلها قد صارت بهيمة!.
فقال له الرشيد: من أين علمت هذا؟.
قال: لأنه ليس فيه قوام بول الإنسان، ولا لونه، ولا ريحه.
فقال له: فما ترى أن يطعم صاحب هذا الماء؟.
قال: الشعير!.
فضحك الرشيد ضحكا شديدا، وخلع عليه، ووهبه مالا وافرا، وقال: ليكن
رئيس الأطباء، ومروهم فليسمعوا له ويطيعوا ".
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع