تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

طويس

كان مشئوم الطلعة، مذموم السمعة، ما بشّر به، ولا بشّر بحظّ جليل، ورزء ليس بقليل، ومصاب أبات الناس بليل طويل، جرّب فصحّ أنّه مشئوم، وأن والدا ولده ملوم، وأنه ممن لو وضع الملح في الطعام لفسد منه، ولو أبصره إبليس لحيّاه، وقال: فديت من لا يفلح، لو مرّ بسوق النفاق لكسد، أو جاز الخمر الرحيق لفسد، أو دخل بين أخوين متحابّين لداخل كلّ منهما لأخيه الحسد، أو نظر نظرة في الطب لما قنع حتى يفرق بين الروح والجسد، فعجبا أن عد من أهل الإيمان، ووا أسفا إذ لم يبق في حرّ أمّه إلى آخر الزمان.

قال ابن الكلبي: أول من غنّى بالعربيّ بالمدينة طويس، وهو أول من ألقى الخنث بها، وكان طويلا أحول، وكان لا يضرب بالعود، وإنما ينقر بالدف، وكان ظريفا عالما بالمدينة وأنساب أهلها، وكان يتّقى لسانه، قال: وسئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم قبض رسول الله ﷺ، وفطم يوم مات أبو بكر، وختن يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل علي ﵃.

قال: وكانت أمه تمشي بين نساء الأنصار بالنميمة، قال: وأول غنائه وهزج

هزجه:

كيف يأتي من بعيدوهو يخفيه القريب
لاح بالشام عشاءوهو مشكاك هبوب
قد براني الحبّ حتّىكدت من وجد أذوب

وهذا البيت يسمى: الذائب.

قال يونس: وكان أول من تغنّى بالمدينة [ص] غناء يدخل في إيقاع طويس، قال ابن الكلبي: كان بالمدينة مخنّث يقال له النّغاشيّ، فقيل لمروان [بن الحكم] إنه لا يقرأ من القرآن شيئا، فبعث إليه وهو بالمدينة يومئذ، فاستقرأه أمّ الكتاب، فقال: والله ما أقرأ البنات فكيف أمّهنّ؟ فقال: أتهزل لأمّ القرآن لا أمّ لك، فأمر به فقتل، وقال: من جاءني بمخنث فله عشرة دنانير، فأخبر طويس فهرب من وقته حتى نزل السويداء على ميلين من المدينة، فلم يزل بها عمره، وعاش إلى ولاية الوليد بن عبد الملك.

قال المدائني: كان عبد الله بن جعفر معه رفقة له في عشية من عشيات الربيع، فراحت عليهم السماء بمطر جود، فسال كل شيء، فقال لهم عبد الله [هل لكم] في العقيق وهو منزه أهل المدينة في أيام الربيع والمطر، فركبوا دوابهم، ثم انتهوا اليه، فوقفوا على شاطئه وهو يرمي بالزبد مثل الفرات، فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء، فقال عبد الله لأصحابه: ليس معنا جنّة نستجنّ بها، وهذه سماء خليقة أن تبلّ ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس، فإنه قريب منا، فنستكن

فيه فيحدثنا ويضحكنا، وطويس في النّظّارة يسمع كلام عبد الله بن جعفر، فقال له عبد الرحمن بن حسان: جعلت فداك، وما تريد من طويس عليه غضب اللّه مخنّث شائن لمن عرفه، فقال له عبد الله بن جعفر: لا تقل ذلك، فإنه خفيف مليح لنا فيه أنس، فلما استوفى طويس كلامهم تعجّل إلى منزله، فقال لامرأته:

ويلك، قد جاء سيدنا عبد الله بن جعفر فما عندك؟ قالت: نذبح هذه العناق، وكانت عندها عنيّقة قد ربتها باللبن، واختبز [خبزا] رقاقا، فبادر ذبحها وعجنت هي، ثم خرج فتلقاه مقبلا إليه، فقال له طويس، بأبي أنت وأمي، هذا المطر، فهل لك في المنزل لتسكن فيه إلى أن تكف السماء؟ قال:

إياك أريد، قال: فامض يا سيدي على بركة الله، وجاء يمشي حتى جلسوا [فتحدثوا] حتى أدرك الطعام، فقال: بأبي أنت وأمي، تكرمني إذ دخلت منزلي أن تتعشى عندي، قال: هات ما عندك، فجاء بعناق سمينة ورقاق، فأكل كل القوم حتى تملّئوا، وأعجبه طيب طعامه، فلما غسلوا أيديهم قال: بأبي أنت وأمي، أتمشّى لك وأغنّيك، قال: بلى يا طويس، فأخذ ملحفة فأتزر بها، وأرخى لها ذنبين، ثم أخذ المربّع فتمشّى وغنّى:

[ص]

يا خليلي نا بني سهديلم تنم عيني ولم تكد
كيف تلحوني على رجلابنه تلتذّه كبدي
للشاعر خولة بنت ثابت، اقرأ القصيدة

قال: فطرب القوم، وقال: أحسنت والله يا طويس، ثم قال: يا سيدي أتدري لمن هذا الشعر؟ قال: لا أدري لمن هو، إلا أني سمعت شعرا حسنا، قال:

هو لفارعة بنت ثابت [أخت حسان بن ثابت] وهي تتعشق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنكس القوم رؤوسهم، وضرب عبد الرحمن رأسه [على صدره] فلو شقّت له الأرض لدخل فيها.

قال المدائني حدّثت أن طويسا تبع جارية فردعته، فلم ينقطع عنها، فلما جاوزت مجلس قوم وقفت وقالت: يا هؤلاء، لي صديق ولي زوج ولي مولى، فسلوا هذا ما يريد مني؟ قال: أضيّق ما وسّعوه.

قال المدائني: وكان طويس مولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم، فقلّ مجلس اجتمع [فيه] هذان الحيان فغنى طويس إلا وقع فيه شر.

قال المدائني: قدم ابن سريج المدينة، فجلس يوما في جماعة وهم يقولون:

أنت والله أحسن الناس غناء، إذ مر بهم طويس فسمع قولهم، فاستلّ دفّه ونقره وغنّى:

إن المخنّثة التيمرّت بنا قبل الصّباح
في حلّة موشيّةيمنية غرثى الوشاح
زين لمشهد فطرهموتزينهم يوم الأضاحي

فقال ابن سريج: هذا والله أحسن الناس غناء لا أنا.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.