من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
يزيد حوراء
كان مطربا لو مزج بغنائه الماء لأسكر، أو قرع به المساء لما تنكر، أو قرن به القدماء وأنصف لم يكن معه أحد يذكر، ولهذا حسد حتى تحيّل عليه وتوصّل إلى ما لديه، فأخذ ما كان به يمتاز، وترك ما عنده شيء أحد يعتاز وعلى هذا كان مقدّما، وكان سامعه كأنما يفتح منه إناء مفدّما. قال أبو الفرج: قدم على المهدي في خلافته فغناه، وكان حسن الصوت، مليح الشمائل، فذكر ابن خرداذبة [أنه بلغه أن] إبراهيم الموصلي حسده على شمائله وإشاراته في الغناء، واشترى عدّة جوار وشاركه [ص] فيهن، وقال له: علمهن الغناء فما رزق الله من ربح فهو بيننا، وأمرهنّ [أن] يجعلن وكدهنّ أخذ إشاراته، ففعلن ذلك، وكان إبراهيم يأخذ عنهن هو وابنه ويأمرهن بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس، فأبطل عليه ما كان منفردا به في ذلك.
قال إسحاق، قال يزيد حوراء: كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش وكانت تمرّ بي جارية تختلف إلى الزرقاء تتعلم منها الغناء، فقلت لها يوما افهمي قولي وردّي جوابي، وكوني عند ظني، فقالت: هات ما عندك، فقلت:
بالله ما اسمك؟ قالت: ممنّعة، فأطرقت طيرة من اسمها مع طمعي فيها، ثم
قلت: [بل] باذلة أو مبذولة إن شاء الله، فاسمعي مني، فقالت وهي تبتسم: إن كان عندك شيء فقل، فقلت:
ليهنك منّي أننّي لست مفشياهواك إلى غيري ولو متّ من حبّي
ولا مانحا خلقا سواك مودّةولا قائلا ما عشت من حبّكم حسبي
قال: فنظرت إليّ طويلا، ثم قالت: أنشدك اللّه أعن فرط محبّة أو اهتياج غلمة؟ فقلت لا والله إلا عن فرط محبة، فقالت:
فو الله ربّ النّاس لا خنتك الهوىولا زلت مخصوص المحبّة من قلبي
فثق بي فإني قد وثقت ولا تكنعلى غير ما أظهرت لي يا أخا الحبّ
قال: فو الله لكأنما أضرمت في قلبي نارا، فكانت تلقاني في الطريق الذي كانت تسلكه فتحدثني وأتفرج بها، ثم اشتراها بعض أولاد الخلفاء، وكانت تكاتبني وتلاطفني دهرا.
قال عبد الله بن العباس الربيعي: كان يزيد حوراء نظيفا ظريفا حسن [الوجه] شكلا، لم يقدم علينا من الحجاز أظرف ولا أشكل منه، وكان يتعصب لإبراهيم الموصلي على ابن جامع، وكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبّه على تقدّمه وإحسانه، وكان يبعث ابنه إسحاق يأخذ عنه، وكان يزيد صديقا لأبي مالك التميمي الأعرج، ولا يكاد يفارقه، فمرض يزيد مرضا شديدا، فاغتمّ عليه الرشيد وبعث مسرورا مرات يسأل عنه، ثم مات، فقال أبو مالك:
لم يمتّع من الشّباب يزيدصار في التّرب وهو غضّ جديد
فكأن لم يكن يزيد ولم يشج نديما يهزّه التّغريد
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع