من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الزبير بن دحمان
واقع على غرض، ورافع لبعض ما عرض، كان مشهور الأصوات، مشكور الفعل حتى بألسن الأموات، متى رفع عقيرته متع جيرته لضرب لا تدعيه مطمعة، ولا تعيه الآن مسمعة، أكثر استنهاضا من الحمية في الأمور، وأكبر إعراضا من صدّ الكؤوس عن الخمور، وله في مجالس الخلفاء ولوج، حيث يرى أذن، ولا يقبل الآراء أفن.
قال أبو الفرج: كان الرشيد بعد قتله البرامكة شديد الندم على ما فعله بهم، ففطن الزبير لذلك، وكان يغنيه في هذا [ص] المعنى فيحركه، فغناه يوما:
من للخصوم إذا جدّ الخصام بهميوم الجياد ومن للضمّر القود
فرّجته بلسان غير مشتبهعند الحفاظ وقلب غير رعديد
وموقف قد كفيت النّاطقين بهفي مجمع من نواصي الناس مشهود
فقال له الرشيد: أعد، فأعاد فقال: ويحك كأن قائل هذا الشعر يصف به يحيى ابن خالد وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه، ووصل الزبير بصلة سنية.
قال إسحاق: كان عندي الزبير بن دحمان يوما، فغنيت لأبي:
أشاقك من أرض العراق طلول
فقال الزبير: أنت الأستاذ وابن الأستاذ السيد، وقد أخذت عن أبيك هذا الصوت، وأنا أغنيه أحسن من هذا، فقلت له: والله إني لأحب أن يكون كذلك، فغضب وقال: أنا والله أحسن غناء منك ومن أبيك، فتلاحينا طويلا، فقلت له: هلم نخرج إلى صحراء الرقة، فيكون أكلنا وشربنا هنالك، ونرضى في الحكم بأول من يطلع علينا، فقال: أفعل، فأخرجنا طعاما وشرابا، وجلسنا على الفرات نشرب، فأقبل حبشي يضرب الأرض، فقلت له: ترضى بهذا؟ فقال:
نعم، فدعوناه وأطعمناه وسقيناه، وبادرني الزبير بالغناء، فغنى الصوت، فطرب الحبشي وحرك رأسه حتى طمع الزبير [فيّ]، ثم أخذت العود فغنيته، فتأملني الحبشي ساعة وصاح: وأي شيطان أنت؟ ومدّ بها صوته، فما أعلم أني ضحكت مثل ضحكي يومئذ وانخذل الزبير واستحيا.
قال: غضب الرشيد على أم جعفر، ثم ترضاها، فأبت أن ترضى عنه، فأرق ليله، ثم قال: افرشوا لي على دجلة، ففعلوا، فقعد ينظر إلى الماء وقد زاد زيادة عجيبة، فسمع غناء في هذا الشعر:
جرى السّيل فاستبكاني السّيل إذ جرىوفاضت له من مقلتي غروب
وما ذاك إلا حين أيقنت أنّه [ص]يمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهىإليكم تلقّى نشركم فيطيب
فيا ساكني أكناف دجلة إنكمإلى القلب من أجل الحبيب حبيب
فسأل عن الناحية التي فيها الغناء، فقيل: دار ابن المسيب، فبعث إليه أن ابعث لي بالمغنيّ فبعث به، فإذا هو الزبير بن دحمان، فسأل عن الشعر فقال: هو للعباس بن الاحنف، فأحضره فاستنشده إياه، وجعل الزبير يغنيه والعباس ينشده، وهو يستعيدهما، حتى أصبح، وقام فدخل على أمّ جعفر فسألت عن دخوله فعرّفته، فوجهت إلى العباس بن الأحنف بألف دينار، وإلى الزبير بألف دينار.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع