تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عمرو بن أبي الكنات

مطرب نهج السّنن القديم، وأحلّ الغائب في محل النديم، واسمع كل ذي إصغاء، وجمع كل ذي ابتغاء، وغنّى والناس في صنوف المعايش لاهية قلوبهم، أشتات مطلوبهم، بين دان ونازح، ومقبل على معاشه، ومقيل في رياشه، فجعلوا رؤيته دأب نواظرهم، وغناءه شغل خواطرهم، حتى لكاد يطرب الحيتان في الماء، والطير صافات في جو السماء.

قال أبو الفرج، قال بعضهم: وافقت ابن أبي الكنّات في جسر بغداد في أيام الرشيد، فحدثته [بحديث] اتصل بي عن ابن عائشة [ص] في الموسم، أنه مر به فقال: إني لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس، فلم يذهب أحد ولم يجيء، فقلت: ومن هذا الرجل؟

قلت: أنا، ثم اندفع يغني:

جرت سنحا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللّقاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

قال: فحبس الناس واضطربت المحامل وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام فقال له: يا عدوّ الله، أردت أن تفتن الناس، فأمسك عنه، وكان تياها، فقال له:

ارفق بتيهك، فقال ابن عائشة: حق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب ان يكون تياها، فضحك وأطلقه، فقال ابن أبي الكنات: فأنا أفعل كما فعل، وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت، ثم اندفع يغني في هذا الصوت ونحن على جسر بغداد، وكان إذ ذاك على بغداد ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الجسور بالناس من ازدحام الخلق عليها فأتى به الرشيد فقال: يا عدو الله أردت أن تفتن الناس، قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن بلغني أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأردت أن أكون في أيامك، فأمر له بمال، واحتبسه عنده ليسمع غناءه.

قال يحيى بن يعلى بن معبد: بينا أنا ليلة في منزلي في الرمضة أسفل مكة، إذ سمعت صوت عمرو بن أبي الكنّات كأنه معي، فأمرت الغلام فأسرج لي دابتي، وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالسا على الكثيب العارض على بطن عرنة، قلت: وهذا كذب لا شك فيه، إذ لا يبلغ حاسة الأذان إلى بعض ذلك.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.