تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

خليلان المعلم

رجل كان لما أراد مهيأ، خلط عملا صالحا وآخر سيّئا، كان يلقن القرآن ويعلم الغناء، ويقرب من هذا وهذا الأدناء، وكان بابة الذكر في أهل الشأن، تائه العطف لا يتقدم الزمان، لو جالس كئيبا لانشرح، وحبيبا مسكه تيه الحب لاطّرح، لألحان حرها وأصوات مثل بيت جان لم تصورها.

قال أبو الفرج: كان يعلم الصبيان القرآن، ويعلم الجواري الغناء [ص] في موضع واحد.

قال بعضهم: وكنت يوما عنده وهو يردّد على صبيّ ﴿وَمِنَ اَلنّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، ثم يلتفت إلى صبية بين يديه يرددها عليها:

اعتاد هذا القلب بلبالهأن قرّبت للبين أجماله
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «إعتاد هذا القلب بلباله»

فضحكت ضحكا مفرطا لفعله، فالتفت إليّ وقال: مالك ويلك؟ فقلت: ما سبقك إلى هذا أحد، انظر أي شيء أخذت على الصبي من القرآن، والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، فقال: أرجو ألا أكون كذلك إن شاء الله تعالى.

قال عبد الصمد بن المعذل: دخل يوما خليلان المعلم على عقبة بن سلم

الأزدي الهنائي فاحتبسه عنده، فأكل وشرب، فحانت منه التفاتة فرأى عودا معلقا، فعلم أنه عرض له به، فدعا به وأخذه وغنّى:

يا بنة الأزديّ قلبي كئيبمستهام عندها ما ينيب

والتفت فرأى وجه عقبة بن سلم متغيرا، قد ظن أنه عرّض به، ففطن، فغنى غيره، فسرّ عقبة وشرب فلما فرغ وضع العود من حجره، وحلف بعد ذلك بالطلاق ثلاثا أنه لا يغنّي إلا على من يجوز أمره عليه.

والصوت الذي صنعه:

ألا طرقت في الدّجى زينبوأحبب بزينب إذ تطرق
عجبت لزينب إنّي سرتوزينب من ظلّها تفرق

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.