من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
إسحاق الموصلي
الصفحة ١ من ٢
رجل تعقد عليه الخناصر، ويعتد عليه الناصر، علم منوع ويمّ لا يخلو من الإخلاطة بكل مشرع، أخذ من كل فن ظرفا، وعلا على كل فضل شرفا، حتى كان يعدّ القضاء وناظر العلماء، وأبكى بغلبة الجفون دماء، وكان يربأ بنفسه إلى أن يدخل على الخلفاء مع أهل الفقه، ويختلط بهذا الشبه، وبرع في الأدب وأفانينه، وغنى بالشعر وتحسينه، وخلف وراءه السباق، وفي حسن نظمه وتحسينه، وحلّ من الرشيد فمن بعده من الخلفاء محل الأصفياء، وفازوا منه
بالوفاء، وفاز هو بما تجلى له منهم من موارد الصفاء، وكانوا يرونه القلب الذي يسع سرورهم، والشباب الذي يحسن غرورهم، وأيامه مطويات إلى بلوغ آرابه، وسبوغ النعمة فيما زنده أورى به، هذا إلى عفاف تشهد به المضاجع، وكرم وخير وتقدم في أول وأخير، ونفس ما أشربت حب الحرام ولا اشرأبت إلى غير اختلاف الكرام.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: بقيت زمانا من دهري أغلّس كل يوم إلى هشيم، ثم أصير إلى الكسائي وأقرأ عليه جزءا من القرآن، وآتي الفرّاء فأقرأ عليه أيضا، ثم آتي منصور زلزل فيضاربني طرقين أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت، ومن لقيت، وما أخذت، وأتغدى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى الرشيد.
قال إسحاق: دعاني المأمون يوما فسألني عن صوت، فقال: أتدري من صنعه، فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين بذلك إن شاء الله تعالى، فأمر جارية من جواريه وراء الستارة، فغنت وضربت [ص] [فإذا] هي قد شبهته بالقديم، فقلت: زدني معها عودا آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت لما سمعته وسمعت لينه، عرفت أنه من صنعة النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه، علمت أن صاحبته ضاربة وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشك، قال: صدقت، الغناء لعريب.
قال إسحاق بن إبراهيم الظاهري، حدثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولانا الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتا مليح اللحن، فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر صوت من أصوات العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي فأعلم أين يقع من معرفته، ففعلت ذلك، فصار إليه إسحاق فأجلسه، وبعث إليّ مولاي أن أدخلي اللحن الرومي في وسط غنائك، فغنيته إياه في درج أصوات مرت [قبله]، فأصغى إليه إسحاق وجعل يتفهمه ويقسمه ويتفقد أوزانه، فقال: هذا الصوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك؟، فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أعجب من استخراجه لحنا روميا لا يعرفه، ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي، وامتزجت نغمته، حتى عرفه ولم يخف عليه.
قال: تناظر المغنون يوما عند الواثق، فذكروا الضرّاب وحذقهم، فقدم إسحاق ربربا على ملاحظ، ولملاحظ الرياسة في ذلك عليهم جميعهم، فقال لهم الواثق: هذا حيف وتعدّ منك، فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما، قال: فأمر بهما فأحضرا، قال له إسحاق: إن للضراب أصواتا معروفة، فامتحنهما بشيء منها، قال: أجل أفعل، فسمّى ثلاثة أصوات كان أولها:
علّق قلبي ظبية السّيب
فضربنا عليه فتقدم ربرب وقصر عنه ملاحظ، فعجب الواثق من كشفه لما ادّعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ [ص]: ما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني، إلا أنكم أعفيتموني، فتفلّت مني، على أنّ معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ: شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ، قال إسحاق: يا أمير المؤمنين، هذا خلط الأوتار خلط متعنت، فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواضعه، وقال: يا ملاحظ، غنّ أيّ صوت شئت فغنى ملاحظ، فضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية، فلم يخرج عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه، عن تقوية واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين، فقال له الواثق: لا والله ما رأيت مثلك قط، ولا سمعت به، اطرح هذا على الجواري، فقال:
هيهات يا أمير المؤمنين، هذا شيء لا تفي به الجواري، ولا يصلح لهن، وإنما بلغني أنّ الفهليذ ضرب يوما بين يدي كسرى أبرويز فأحسن، فحسده رجل من حذّاق صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوّش بعض أوتاره، فرجع فضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود الفاسد، إلى أن فرغ، ثم [قام] على رجله فأخبر الملك بالقصة، فامتحن العود فعرف ما فيه، فقال: زه زه وزهان زه، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه بهذه المخاطبة، فلما تواترت الروايات بهذا، أخذت
نفسي بها، ورضتها عليه، وقلت: لا ينبغي أن يكون الفهليذ أقوى على هذا مني، فمازلت أستنبط بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطبقات، إلا وأنا أعرف نغمته كم هي، والمواضع التي يخرج النغم كلها منها، وهذا شيء لا تفي به الجواري، فقال له الواثق: لعمري لقد صدقت، ولئن متّ لتموتنّ هذه الصناعة بموتك، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
قال: إسحاق: دعاني [المأمون وعنده] إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية، وقد أجلس عشرا عن يمينه، وعشرا عن يساره، ومعهن العيدان، فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللواتي في الناحية اليمنى [ص] يمسكن، فأمرهن فأمسكن، فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فقال: [ما] هاهنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين يمسكن وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ، فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا تمار إسحاق بعدها، فإن رجلا يعرف الخطأ بما بين وتر وعشرين لجدير أن لا تماريه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين.
قال أحمد بن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غنّاني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج قد نشر، وأنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدمه عندي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت غيره ينقص، وإن إسحاق
لنعمة من نعم الملوك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو أن العمرو الشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهنّ بشطر ملكي.
قال ابن المنجم: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل الرواية والعلم لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد ذلك أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء، فأذن له، ثم سأله أن يأذن له في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، فقال ولا كل هذا يا إسحاق، وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم.
قال: وكان معه جماعة من المغنين يحضرون عند الواثق، وعيدانهم معهم، إلا إسحاق، فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة، فإذا أراد الخليفة أن يغني له، أحضر له عودا، فإذا غنى وفرغ شيل من بين يديه، إلى أن يطلبه، وكان الواثق يكنيه، وكان إذا غنى وفرغ الواثق من شرب قدحه، قطع الغناء، فلم يعد منه حرفا، إلا أن يكون في بعض بيت فيتمه، ثم يقطع ويضع العود من يده.
قال: كان إبراهيم يأكل المغنين أكلا، حتى إذا حضر إسحاق فيداريه إبراهيم ويطلب مناقبه، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته، وكان إسحاق [ص] آفته، كما لكل شيء آفة.
قال محمد بن راشد الجنان: سألني إسحاق أن أصير إلى إبراهيم بن المهدي، وقال: قل له أسألك عن شيء، فإذا قال لك: سل، قل له أخبرني عن قولك:
ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني
أي شيء كان معنى صنعتك فيه، وأنت تعلم أنه لا يجوز في غنائك الذي صنعته إلا أن تقول: (ذهبتو) بالواو، فإن قلت (ذهبت) ولم تمدها تقطع اللحن، وإن مددتها قبح الكلام، وصار مثل كلام النبط، فقال له: يا أبا محمد، كيف أخاطب إبراهيم بهذا؟ فقال: هي حاجتي إليك، وقد كلفتك إياها، قال:
فأتيت إبراهيم وجلست عنده وتحادثنا إلى أن جئنا إلى ذكر الغناء، فذكرت له ما قال إسحاق، فتغير لونه وانكسر، وقال: يا محمد، ليس هذا من كلامك، هذا من كلام الجرمقاني، قل له عني: أنتم تصنعون هذا للصناعة، ونحن نصنع هذا للهو واللعب والعبث.
قال يحيى بن محمد الظاهري، قال حدثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد قال: اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد واشترى معي رفيقي يحموما، ودفعنا إلى وكيل له أعجميّ خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين إلى بغداد إلى إسحاق الموصلي، وادفع إليه مئة ألف درهم وشهريا بسرجه ولجامه وثلاثة ادراج فضة مملوءة طيبا، وسبعة تخوت وشي كوفي، وثلاثين ألف درهم للنفقة، وقال للرسول: عرّف إسحاق أن هذين الغلامين لرجل من وجوه العرب
أهل خراسان، وجّه بهما إليه ليتفضل عليه بتعليمهما أصواتا اختارها وكتبها له في الدرج، وقال له: كلما علمهما صوتا فادفع إليه ألف درهم حتى يتعلما بها مئة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المئة فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه لكل صوت درجا من الأدراج، ثم لكل صوتين بعد ذلك تختا وسفطا، حتى ينفد ما بعثت به معك، ففعل وانحدر بنا إلى بغداد، واتينا إسحاق فغنّينا بحضرته، وأبلغه الوكيل الرسالة، فلم يزل يلقي [ص] علينا الأصوات حتى أخذناها كما أمر سيدنا، ثم صرنا إلى (سرّ من رأى)، فدخلنا عليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسرّ بذلك.
وقدم إسحاق من بغداد إلى سر من رأى، فلقيه مولانا فدعا بنا وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق، وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه، فلا توهماه أنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية خراسانية ومضينا معه إلى الواثق، فلما دخلنا عليه قال له سيدي: هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية، فقال: غنيا، فضربنا ضربا فارسيا، وغنينا غناء فهليذيا، فطرب الواثق وقال: احسنتما، فهل تغنيان بالعربية؟ قلنا: نعم، واندفعنا فغنيناه ما أخذنا من إسحاق، وإسحاق ينظر إلينا، ونتغافل حتى غنيناه اصواتا من غنائه، فقام إسحاق وقال: وحياتك وبيعتك وإلا فكل مملوك لي حر، وكل مال لي صدقة، إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي، ومن قصتهم كيت وكيت، فقام أبو أحمد وقال للواثق ما أدري ما يقول هذا، إني اشتريتهما من رجل نخّاس خراساني، [فقال له] من أين يجيد تلك الأغاني؟ فضحك أبو أحمد وقال للواثق، صدق والله، أنا احتلت عليه، ولو رمت بأن أعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بأضعاف ما أعطيته ما فعل، فقال له إسحاق قد تمت عليّ حيلته يا أمير المؤمنين.
قال: كنت عند الرشيد فقال: يا إسحاق تغن:
شربت مدامّة وسقيت أخرىوراح المنتشون وما انتشيت
فغنيته فأقبل عليّ إبراهيم بن المهدي وقال لي: ما أصبت يا إسحاق، فقلت له: ليس هذا مما تحسنه أنت، ولا تعرفه، وإن شئت فغنّه، فإن لم أجدك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال، ثم أقبلت على الرشيد وقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة أبي التي قربتني منك واستخدمتنا لك، وأوطأتنا بساطك، وإذا نازعنا أحد فلا نجد بدا من الإيضاح والذب، فقال: لا غرو ولا لوم عليك، وقام الرشيد ليبول، فأقبل إبراهيم بن المهدي عليّ وقال: ويحك [ص] يا إسحاق، وتجترئ عليّ وتقول لي ما قلت يا ابن الزانية؟ فدخلني مالم أملك نفسي معه، وقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك، وأنت ابن الخليفة ثم أخو الخليفة، ولولا ذلك لكنت أقول لك يا بن الزانية كما قلت لي، ولكن قولي في ذمك ينصرف إلى خالك الأعلم، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه، قال إسحاق: وكان بيطارا، قال: وسكت إبراهيم، وعلمت أنه يشكوني إلى الرشيد، وأن الرشيد سوف يسأل من حضر عما جرى فيخبرونه، ثم قلت له: أتظن أن الخلافة تصير إليك فلا تزال تهددني بذلك، وتعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر، وإن تضعف عنه وعنهم فتستخف بأوليائهم تشفيا، وإني أرجو ألا يخرجها الله عن الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها، فإن صارت إليك - وبالله العياذ - فحرام عليّ العيش حينئذ، والموت أطيب من الحياة معك، واصنع حينئذ ما بدا لك، فلما خرج
الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، شتمني وذكر أمي واستخفّ بي، فغضب الرشيد، وقال لي: ما تقول ويلك؟ فقلت: لا أعلم، سل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين، فسألهما عن القصة، فجعلا يخبرانه، ووجهه يتربد، إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرى عنه ورجع، وقال لإبراهيم: ماله ذنب شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى مكانك وأمسك عن هذا، فلما انقضى المجلس وخرج الناس، أمر أن لا أبرح، وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظنّي وهمتني نفسي، فقال: ويحك، يا إسحاق، أتراني لا أعرف وقائعك، قد والله زنيته دفعات ويحك لا تعد ويلك، حدثني عنك، لو ضربك إبراهيم، أكنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي، يا جاهل أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك، أكنت أقتله بك، فقلت: قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلني، وما أشكّ في أنّه قد بلغه الان، فصاح بمسرور وقال: علي بإبراهيم الساعة، وقال لي: قم فانصرف، فقلت لجماعة من الخدام وكلهم [كان] لي محبا وإلي مائلا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل عليه وبخه وجهله، وقال له: تستخف بخادمي وبصنيعتي ونديمي وابن خادمي وصنيعتي [ص] وصنيعة أبي، وتقدم علي وتضع في مجلسي؟ هاه هاه! تقدم على هذا وأمثاله وأنت أنت مالك والغناء؟، وما يدريك ما هو؟ ومن أخذك به وطارحك إيّاه حتى تظن أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذي غذّي به وهو صناعته، ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك، فلا تثبت لذلك وتعتصم منه بشتمه، أليس
هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك، ثم إظهارك إيّاه ولم تحكمه وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك الناس إلى إفراط الجهل، وألا تعلم - ويحك - أن هذا سوء الأدب وقلة معرفة ومبالاة بالخطإ والتكذيب والرد القبيح؟ ثم قال له: والله العظيم وحق رسوله الكريم: وإلا فأنا نفيّ لأبي إن أصابه سوء أو سقط من دابته، أو سقط عليه سقفه، أو مات فجأة لأقتلنك، فو الله والله والله، وأنت أعلم، فلا تعرض له، قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت، فلما كان بعد ذلك دخلت عليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عنه، وجعل ينظر إليه مرة وإليّ أخرى ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك إليه وإليّ الأخذ عنه، وأن هذا لا يجيئك من قبله إلا أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه واعرف قدره وحقه وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيد منبسطة ولسان منطلق، ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبّل رأسه، فقمت إليه وأصلح الرشيد بيننا.
قال إسحاق: لما أراد الفضل بن يحيى الخروج إلى خراسان، ودعته ثم أنشدت:
فراقك مثل فراق الحياةوفقدك مثل افتقاد النّعم
عليك السّلام فكم من وفاءأفارق منك وكم من كرم
قال: فضمني إليه، وأمر لي بألف دينار، وقال لي: يا أبا محمد، لو حليت هذين البيتين بصنعة، وأودعتهما بعض من يصلح من الخارجين معنا، لأهديت لي بذلك أنسا وأذكرتني نفسك، ففعلت ذلك وطرحته على بعض المغنين وكان
كتابه لا يزال يرد [ص] عليّ ومعه ألف دينار وألفا دينار يصلني بذلك كلّما غني بهذا الصوت.
قال أحمد بن يحيى المكي: دعاني الفضل بن الربيع، ودعا علوية ومخارقا، وذلك في أيام المأمون بعد رجوعه له ورضاه عنه، فلما اجتمعنا عنده كتب إلى إسحاق الموصلي يسأله أن يصير إليه ويعلمه الحال في اجتماعنا عنده: فكتب إليه: لا تنتظروني في الأكل، فإني قد أكلت، وأنا أصير إليكم بعد ساعة، فأكلنا وجلسنا نشرب، حتى قربت صلاة العصر، ثم وافى إسحاق وجاء غلامه بقطرميز نبيذ فوضعه ناحية، وأمر صاحب الشراب بإسقائه منه، وكان علوية يغني الفضل صوتا اقترحه عليه وأعجبه، وهو:
فإن تعجبي أو تبصري الدّهر ضمّنيبأحداثه ضمّ المقصّص بالجلم
فقد أترك الأضياف تندى رحالهموأكرمهم بالنّحض والنّاصل الشّبم
فقال: أخطأت يا أبا الحسن في قسمة هذا الصوت، وأنا أصلحه لك، فجن علوية واغتاظ وقامت قيامته، فأقبل عليه إسحاق وقال: يا حبيبي، ما أردت الوضع منك بما قلت لك، وإنما أردت تهذيبك وتقويمك لأنك منسوب في الصواب والخطأ إلى أبي وإليّ، فإن كرهت ذلك تركتك وقلت لك أحسنت وأجملت، فقال له علوية، والله ما هذا أردت [ولا أردت] إلا ما لا تتركه أبدا من سوء عشرتك، أخبرني عنك حين تجيء هذا الوقت لما دعاك الأمير وعرفك أنه نشط للاصطباح، ما حملك على الترفع من مباركته وخدمته؟ أمن شغل؟ فما
يشغلك عنه شيء إلا الخليفة، ثم تجيئه معك قطرميز نبيذ ترفعا عن شرابه، كما ترفعت عن طعامه ومجالسته؟ وترى أنك تجيئه كما تشتهي حتى تبسطكما الأكفاء، ثم تعمد إلى صوت وقد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر، فما عابه أحد فعبته، ليتم تنغيصك إياه لذته، والله لو أن الفضل بن يحيى وأخاه جعفرا، لا والله، بل بعض أتباعهم دعاك إلى مثل ما دعاك إليه الأمير، لبادرت وباكرت وما تأخرت ولا اعتذرت، قال: وأمسك الفضل [عن الجواب] إعجابا بما خاطب [به] علويه إسحاق، قال له [ص] إسحاق: أما ما ذكرته من تأخري إلى الوقت الذي حضرت فيه، فهو يعلم أني لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع، إن وثق بذلك مني وإلا ذكرت الحجة سرا من حيث لا يكون لك فيه مدخل، واما ترفعي عنه، فكيف اترفّع عنه وأنا أنتسب إلى صنائعه واستمنحه، وأعيش في فضله منذ كنت، وهذا تضريب منك لا أبالي به، وأمّا حملي النبيذ معي، فإن لي في النبيذ شربا من طعمه إن لم أجده لم أقدر على ذلك الشرب منه، وينغص علي يومي أجمع، وإنما حملته ليتم نشاطي وينتفع بي، وأما طعني على ما أختاره، فإني لم أطعن على اختياره، وإنما أردت تقويمك، ولست والله تراني متتبعا لك بعد اليوم، ولا مقوما شيئا من خطاياك، وأنا أغني له - أعزه الله - هذا الصوت، فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك قد أخطأته وقصرت فيه، وأما البرامكة وملازمتي لهم فأشهر من أن أجحده، وذلك والله أقل ما يستحقونه مني، ثم أقبل على الفضل - وقد غاظه في مدحه لهم - فقال: اسمع مني شيئا أخبرك به فيما فعلوه بي، ليس هو كثيرا في صنائعهم عندي ولا عند أبي، فإن وجدت لي في ذلك عذرا وإلا فلم: كنت مع ابتداء أمري نازلا مع أبي في داره،
فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه، وجواري وجواريه الخصومة، كما تجري بين هذه الطبقات، فيشكونهم إليه، فأتبين الضجر في وجهه، فاستأجرت دارا واسعة، فلم أرض ما معي من الآلات لها لمن يدخل إليّ من إخواني، أن يرى مثله عندي، وفكرت في ذلك وكيف أصنع فيه، وزاد فكري حتى خطر بقلبي فتح الأحدوثة من نزول مثلي في داره بأجرة، وإني لا آمن في وقت أن يستأذن عليّ، وعندي بعض الرؤساء والأصدقاء الذين احتشمهم ولا يعلمون حالي، فيقال: صاحب دارك، أو يوجه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أستحشمه، فضاق بذلك صدري ضيقا عظيما: حتى جاوز الحد، فأمرت غلامي بأن يسرج لي حمارا كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها، مما دخل إلى قلبي، فأسرجه وركبت برداء ونعل، فأفضى بي المسير وأنا مفكر لا أميز الطرق التي أسلك فيها، وهجم بي على باب [ص] يحيى ابن خالد، فوثب غلمانه إليّ وقالوا: أين هذا الطريق؟ فقلت: إلى الوزير، فدخلوا فاستأذنوا وخرج إليّ الحاجب فأمرني بالدخول، وبقيت خجلا، قد وقعت في أمرين قبيحين، إذ دخلت عليه برداء ونعل، وأعلمته أني قد قصدته في تلك الحال كان سوء أدب، وإن قلت له أين كنت مجتازا ولم أقصدك فجعلتك طريقا، كان قبيحا، ثم عزمت على صدقه، فلما رآني تبسم وقال: ما هذا الزي يا أبا محمد، احتسبنا لك بالبر والقصد والتفقد، ثم علمنا أنك جعلتنا طريقا، فقلت: لا والله أيّها الوزير، ولكني أصدقك، قال: هات، فأخبرته بالقصة من أوّلها إلى آخرها، فقال: هذا حق مستو، أفهذا شغل قلبك، قلت: أي والله، وزاد فقال: لا تشغل قلبك بهذا، يا غلام: ردوا حماره، وهاتوا خلعة، فجاؤوني بخلعة من ثيابه تامة فلبستها، وجيء بالطعام
فأكلنا، ووضع النبيذ فشربت وشرب وغنيته، ثم دعا بدواة ورقعة، فكتب أربع رقعات، فظننت توقيعا بجائزة فإذا هو قد دعا بعض وكلائه فساره بشيء، فزاد طمعي بالجائزة، ومضى الرجل وجلسنا نشرب وأنا أنتظر، فلا أرى شيئا إلى العتمة، ثم اتكأ يحيى فنام، وقمت من عنده وأنا منكسر خائب فخرجت وقدم لي حماري، فلما تجاوزت الدار قال لي غلامي [إلى اين تمضي] قلت: إلى البيت، قال: قد بيعت وأشهد على صاحبها، وابتيع الدرب كله ووزن ثمنه، والمشتري جالس على بابك ينتظر ليعرفك وأظنه ابتاع ذلك للسلطان، لأني رأيت الأمر في عجلة واستحثاث أمر سلطانيا، فوقعت من ذلك فيما لم يكن في حسأبي، وأنا لا أدري ما أعمل، فلما نزلت على باب داري، [إذا أنا] بالوكيل الذي ساره يحيى قد قام إليّ وقال: ادخل - أيّدك الله - دارك، حتى أدخل إليك في أمر أحتاج إلى مخاطبتك فيه، فطابت نفسي بذلك، ودخلت الدار ودخل إلي فأقرأني توقيع يحيى: (يطلق لأبي محمد إسحاق مئة ألف درهم يبتاع له بها داره، وجميع ما يجاورها ويلاصقها) والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل: (قد أمرت لأبي محمد إسحاق [بمائة ألف درهم] يبتاع له بها داره فأطلق له مثلها على إصلاح الدار كما يريد وبنائها على ما يشتهي)، والتوقيع الثالث إلى ابنه جعفر [ص] (قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له منها منزل يسكنه، وأمر له أخوك بمائة ألف درهم ينفقها على بنائها ومرّمتها على ما يريد فأطلق أنت له مئة ألف درهم يبتاع بها فرشا لمنزله)، والتوقيع الرابع إلى محمد ابنه: (قد امرت وأخواك بثلاث مئة ألف درهم لمنزل يبتاعه وفرش يبتذله فيه، ونفقة ينفقها عليه فأمر له بمائة ألف درهم ينفقها في سائر نفقته)، وقال لي الوكيل: قد حملت المال كله واشتريت كل شيء حولك بسبعين ألف درهم) وهذه كتب الابتياعات باسمي والإقرار لك، وهذا المال الباقي في يدي ها هو
بورك لك فيه، فقبضته، وأصبحت احسن الناس حالا ومرأى في منزلي وفرشي وآلتي، والله ما هذا من أكثر شيء فعلوه بي، أفألام على ذلك في شكرهم؟ فبكى الفضل بن الربيع وكلّ من حضر، وقالوا: لا والله، لا يلام على شكرهم، ثم قال له الفضل: بحياتي عليك، غن الصوت ولا تبخل على أبي الحسن أن تقومه له، قال: أفعل، وغناه، فتبين علوية أنه كما قال، فقام فقبل رأسه، وقال:
أنت أستاذنا وابن أستاذنا وأولى بتقويمنا واحتمالنا من كل أحد، وردّه إسحاق مرات حتى استوى لعلوية.
قال إسحاق: قلت في ليلة من الليالي:
هل إلى نظرة إليك سبيليرو منها الصّدى ويشفى الغليل
إن ما قلّ منك يكثر عنديوكثير ممّن تحبّ القليل
فلما أصبحت أنشدتها الأصمعي، فقال: هذا الديباج الخسرواني، هذا الوشي الإسكندراني، لمن هذا؟ فقلت: ابن ليلته، فتبيّنت الحسد في وجهه، وقال: أفسدته! أفسدته! أما إنّ التوليد فيه لبين.
قال الأصمعي: دخلت أنا وإسحاق الموصلي يوما على الرشيد فرأيته لقس النّفس، فأنشده إسحاق:
وآمرة بالبخل قيل لها اقصريفذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الكرام ولا أرىبخيلا له حتّى الممات خليل
[ص] وإنّي رأيت البخل يزري بأهلهفأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى قد علمتهإذا نال خيرا أن يكون ينيل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنىورأي أمير المؤمنين جميل
فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله، ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها، ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها، وأمر له بخمسين ألف درهم. فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة؟ فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول [مئة ألف درهم]، قال الأصمعي:
فقلت يومئذ إن إسحاق أحذق بصيد الدراهم.
قال إسحاق: جاءني الزبير بن دحمان مسلّما فاحتبسته، فقال لي: قد أمرني الفضل بن الربيع بالمصير إليه، فقلت له: أقم يا أبا العوام ويحك نشرب ونله مع اللاهين ونلعب:
إذا ما رأيت اليوم قد بان خيرهفخذه بشكر واترك الفضل يصخب
فأقام عندي وشربنا يوما، ثم صار إلى الفضل بن الربيع، فسأله عن سبب تأخره، فحدثه الحديث وأنشده الشعر، فغضب وحول وجهه عني، وأمر عونا حاجبه ألا يدخلني إليه ولا يستأذن لي عليه، ولا يوصل لي رقعة إليه، فقلت:
حرام عليّ الكأس ما دمت غضباناوما لم يعد عنّي رضاك كما كانا
فأحسن فإني قد أسأت ولم تزلتعوّدني عند الإساءة إحسانا
قال: فأنشدته إياها فضحك ورضي عني، وعاد إلى ما كان عليه.
قال ابن المكي: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق، وكلهم أحسن صوتا منه، ولم يكن فيه عيب إلا صوته، فيطمعون فيه، فلم يزل بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم ويبذهم جميعا، ويفضلهم ويتقدم عليهم.
قالوا: هو أول من أحدث المجنب ليوافق صوته ويشاكله، فجاء معه عجبا من العجب، وكان في حلقه نبوّ عن الوتر.
قال إسحاق: كنت يوما عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما جلسوا للشرب، جعل الغلمان يسقون من حضر، وجاء غلام قبيح الوجه، إليّ [ص] بقدح فيه نبيذ، فلم آخذه، ورآني إسحاق فقال: لم لا تشرب؟ فقلت له:
اصبح نديمك أقداحا تسلسلهامن الشّمول وأتبعها بأقداح
من كفّ ريم مليح الدّلّ ريقتهبعد الهجوع كمسك أو كتفّاح
لا أشرب الرّاح إلا من يدي رشأتقبيل راحته أشهى من الراح
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع