من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عزيز جارية الحكم بن هشام (٢)
جارية تفتن البصر، وتعقل اللسان بالحصر، وتفوت رام رامه، وتتهم بشبهها خادر تهامة، وتصمي الأحشاء من حدقها بقسيّ ماله وتر، وتشب جمر القلوب من جفنها بما فتر، وتغني والحمام قد أخذت بأهزاجها، والبروق قد علنت بماء السحاب مزاجها، فتهز القدود أكثر من هز الأغصان، وتكلف اللّحز الشحيح بذل ما صان، ولهذا كان هواها حكما على الحكم، ومستنطقا لعبراته وقد أبكم، فكان لا يصبر على نأيها، ولا يصبر [ص] عن ماءتها، يظن أنفاسها أنفاسه التي هي مدد الحياة وسبب وجوده في الدنيا وبقياه، ولها صناعة في أصوات منها:
كان رحيلي من أرضكم عجباوحادثا من حوادث الزّمن
من قبل أن أعرض الفراق علىقلبي وأن أستعدّ للحزن
والشعر للعباس بن الأحنف، والغناء من الثقيل الأول.
وحكي أنّ الحكم كان يهوى جارية له لا يرى القمر إلا طالعا في لبتها ولا الرأي إلا محبتها، ثم تنكر لها فتجنت عليه وتثنت، إلا أنها ما ألوت إليه، فعز لديه هجرانها، وأعرض عنها وفي أحشائه نيرانها، ثم لم يجد إلا أن أغلظ في عتباها، وظنه سببا لمتابها، فزادت عليه تأتيا كدّر عيشه ونكد عليه نكدا ضعضع جيشه، وكان لا يتسلى ولا يهنأ بعيش ولا يتملّى، ولم يجسر أحد على خطابه، وكف جامح عتابه، حتى أمر جواريه أن تغنيه، فغنين حتى فرغن وما أغنين، فلما انتهت النوبة إلى عزيز اندفعت تغني هذا:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل إن تملينا فما ملّك القلب
وقل إن أنل بالحب منها مودةفما فوق ما لا قيت من حبكم حب
وقل في تجنيها لك الذنب إنماعتابك أن عاتبت فيما له عتب
فمن شاء رام الهجر أو قال ظالمالذي وده ذنب وليس له ذنب
والشعر لنصيب، والغناء فيه ثاني الرمل، فقام لوقته وصالحها، ووهب عزيزا وأوصلها، وقال: هلا منكن واحدة فعلت فعلها، وهذا الصوت من قصيدة طايلة وهي:
خليلي من كعب ألما هديتمابزينب لا يفقد كما أبدا كعب
ومل يوم زوراها فإن مطيناغداة غد عنها وعن أرضها نكب
فقولا لها لم يبق حبا ولم يدمعلى الحال إلا أن يكون له عتب
[ص]
وقولا لها ما في البعاد لذي الهوىرواح وما فيها لصدع الهوى شعب
وقولا لها يا أم بكر أحلّةمساعفة في وصلنا أنت أم حرب
وقولا لها إن أجز بالنصب منكمسلاما ففيما قد كلفت بكم نصب
فقد كنت أعصي فيك أهل قرابتيوأشغب بالأقصى الذي قوله شغب
وأغضي كثيرا عن نواحي مقالةأمضّ لها جلدي كما يؤلم الضرب
وقد أنكرتني الأرض بعد اغتباطهابمعرفتي والأرض طيبة خصب
وقد قال ناس حسبه من طلابهافقلت كذبتم ليس لي دونها حسب
ومن قبل ما قالوا صبا فرددتهمبقولي ألم يلقوا امرأ فيكم يصبو
وعلقتها غرا حديثا ولم تردشبابا على أيام كان له إتب
إلى اليوم حتى عاد في رأسي الخلىسريعا وأقراني مفارقهم شهب
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع