من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وأما أبو إسحاق فهو الصابي
الصفحة ١ من ٢
وإن كان منهم وفي طبقته غير بعيد عنهم، ولكنه جوال الذكر في الكتاب، مشهور شهرة [الشمس] في يوم الصحو، تكلم وما تكلف، وتقدم ومن قبله تخلف؛ جرى على سجيته في الطباع ودعا عاصي البيان فأطاع، ولم يقف مع السجع يرسف في قيوده، ويكلف فكره فوق قدرته، فجاء بالعاطل الحالي، وتقدم على أهل العصر الخالي، وكان حلو الجنى عذب المشارع لا يرنق مورده، ولا يطفأ موقده؛ وهو في الكتاب بمنزلة امرئ القيس في الشعراء، إمام القوم وحامل لوائهم، وكان يحفظ القرآن الكريم وينتزع منه الآيات ويستشهد بها، وكانت بينه وبين الشريف الرضي صداقة مؤكدة، ورثاه لما مات برثاء أسمع الخافقين، وطلع في المغربين والمشرقين؛ وأوله:
أرأيت من حملوا على الأعوادأرأيت كيف خبا ضياء النادي
فاسمع بهذا الرثاء ما أعظمه وأفخمه!، ولا سيما من مثل هذا الشريف القائل،
واستدل به على ما لهذا الرجل من الفضائل؛ عود عبق أرجه وهو حطب، وذمي رقا المنبر فضله وخطب، عقد ندّه سماء من دخان، وأدار مداما من دنان، وكتب دنّه عن الملوك البويهية قرار بأولئك القساور، وزار النجوم وسلب الأهلة الأساور، فضرب النحر بالأسداد، وكايل البحر بالأمداد، وأبدع عجبا وأبعد، فساكن عجما وجاور عربا؛ وتوفي سنة أربع وثمانين وثلاثمئة.
ومما له قوله:
له يد برعت في الجود بنانها، ونظم الدر بيانها، فحاتم كامن في بطن راحتها، وسحبان مستتر بنمارق فصاحتها؛ فلها يد في كل يد، ومنة في كل عنق، وقرط في كل أذن، وسمط في كل مهرق؛ لها كل يوم مزيد، وعبد الحميد عبد الحميد.
وقوله من عهد لقاض:
وأمره إن ورد عليه أمر يعييه فصله، ويشتبه عليه وجه الحكم فيه، أن يرده إلى كتاب الله ﷿ ويطلب فيه سبيل المخلص منه؛ فإن وجده وإلا في الأثر عن رسول الله ﷺ، فإن أدركه وإلا استفتى فيه من يليه من ذوي الفقه والفهم، وأهل الدراية والعلم، فما زال الأئمة والحكام والسلف الصالح وطراق
السنن الواضح يستفتي واحد منهم واحدا، ويسترشد بعضهم بعضا لزوما للاجتهاد، وطلبا للصواب، وتحرزا من الغلط، وتوقيا من الشطط؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّهِ وَاَلرَّسُولِ﴾.
[وأمره] أن لا ينقض حكما حكم به من كان قبله، ولا يفسخ من تقدمه، وأن يعمل عليه ولا يعدل عنه، ما كان داخلا في إجماع المسلمين، وسائغا في أوضاع الدين؛ فإن خرج عن الإجماع أوضح الحال فيه لمن بحضرته من الفقهاء والعلماء، حتى يصيروا مثله في إنكاره، ويجمعوا معه على رده، وحينئذ ينقضه نقضا يشيع ويذيع، ويصير به الأمر [إلى] واجبه، ويعود معه الحق إلى نصابه؛ قال اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اَللّهُ فَأُولائِكَ هُمُ اَلْفاسِقُونَ﴾.
[وقوله في رحلة صيد]: واعتمدت في الصيد على من يحضرني من أوليائه، على قوة أبدانهم ونشاطها، ورياضة خيلهم وانبساطها، والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، ونحن غبّ سحاب أقلع بعد الارتواء، وأقشع بعد الاستغناء، والرياض زاهية بحمرائها وصفرائها، تائهة بعوانها وعذرائها، وما نرد منها حديقة إلا استوقفتنا نضارتها واستنزلتنا غضارتها، وخيلنا تشتاق
الصيد وهي لا تطعمه، وتحن إليه كأنها تقضمه، وعلى أيدينا جوارح مؤللة المخالب والمناسر، مدربة النصال والخناجر، سابغة الأذناب، كريمة الانتساب؛ إذ وردنا ماء زرقا جمامه، طامية أرجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، ويلوح في قراره حصباؤه، وأفانين الطير به محدقة، وغرائبه عليه محلقة، متغايرة الألوان والصفات، مختلفة اللغات والأصوات؛ فلما أقبلنا عليها، أرسلنا الجوارح كأنها رسل المنايا أو سهام القضايا، فلم نسمع إلا مسمّيا، ولم نر إلا مذكّيا؛ وانطلقنا بعد ذلك نعتام في الطير ونتخير ونقترح ونتحكم؛ فاختطفنا ببراثننا ما طار منه وانتشر، وأخذنا بجوارحنا ما لاح منه واستتر؛ فاهتدت إليها تستدل عليها بالشميم، وتهتدي إليها بالنسيم؛ فلم يفتنا ما برز، ولا سلم منا ما احترز، ثم عدلنا من مطائر الحمام إلى مسارح الآرام، وأمامنا أدلة فرهة يهتدون، ورواد مهرة يرشدون، حتى أفضينا إلى أسراب كثيرة العدد، متصلة المدد، لاهية بأطلائها، راتعة في أكلائها؛ ومعنا فهود أخطف من البروق، وألقف من الليوث، وأجدى من الغيوث، وأمكن من الثعالب، وأدبّ من العقارب، وأنزى من الجنادب، خمص البطون، رقش المتون، خزر الأحداق، هرت الأشداق، غلب الرقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب، تلحظ الظباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسها من أقصى نهاياتها، فأقبلنا من تجاه الريح عليها، وأغذذنا المسير نحوها وإليها، ثم وثبنا لها الضّراء، وشننا عليها الغارة الشعواء، وأرسلنا فهودنا، وجرت خيلنا في آثارها كاسعة لأذنابها، فألفينا كلا منها على ظبي قد افترشه، وصرعه فعجعجه؛ وأوغلنا من بعد في اللحاق، وقص آثار ما ند وبعد؛ وقد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور، ومعنا منها كل عريق المناسب نجيح المكاسب، حلو
الشمائل، نجيب المخايل، أغضف الأذنين، أسيل الخدين، أبي النفس، ملتهب الشد، لا يمس الأرض إلا تحليلا وإيماء، ولا يطالها إلا إشارة وإيحاء؛ وكل صقر ماض كالحسام، قاض كالحمام، مشتط في مطالبه، خفيف النهضة في مآربه، سريع الوثبة فيما يريد، ثقيل الوطأة على ما يصيد؛ فما لبثنا أن أشرفنا على يعافير متطرفة، ويحامير متعرفة، فخرطنا القلائد والشناقات، فمرت متوافقات مترافقات، قد تباينت في الصور والأجناس، وتآلفت في الإرشاد والالتماس؛ فسبقت الصقور إليها ضاربة وجوهها، عاكسة رؤوسها، ولحقت الكلاب بها منشبة فيها، مدمية لها؛ فبادرناها مجهزين، وغنمناها ما يزين، ثم أخذنا في صيد ما يقرب ويخفّ، وتحصيل ما يلوح ويستدفّ؛ فلاح لنا قنبر، فأطلقنا عليه يؤيؤا، فغاب عن الأبصار، واحتجب عن الأنصار، وصار كالغيب المرجم والظن المتوهم، ثم خطفه ووقع به، وهما كهيئة الطائر الواحد؛ وعدنا وفي حبائلنا الصيد والصائد، ورجعنا والشمس مصبوبة للغروب، مؤذنة بالمغيب، والجو في أطمار مبهجة في أصائله، وشفوف مورسة من غلائله؛ فالله ينصر مولانا في دقيق الأغراض وجليلها، ويقضي له بالظفر في جسيم المطالب وضئيلها.
[وقوله من أخرى]:
مآرب الناس منزلة بحسب قربها، وأولاها بأن يعتده الخاصة ملعبا والعامة مكسبا: الصيد الذي هو رائض الأبدان، وجامع لشمل الإخوان؛ ولما كانت الجوارح المثمنة، ليست لكل الناس ممكنة، بل لمن عظم شأنه وحاله، وجمّ نسبه وماله، جعلت القول مقصورا على قسي البندق، التي لا تتعذر على مكثر ولا مملق؛ وأنا أكتفي في ترغيب من كان عنه منحرفا، وتثبيت من كان إليه متشوفا، بوصف موقف منه شهدته في بعض ظواهر مدينة السلام، وهناك غيضة ذات ماء أزرق، وشجر مرجحنّ مورق؛ فبينا أنا قائل فيها، ومنتزه في نواحيها، وقد تأودت في حلل الورد شجراؤها، وتفاوحت بروائح المسك أنوارها، إذ أقبلت رفقة قبل الدرور والشروق، وشمرت عن الأذرع والسوق، مقلدين خرائط تحمل من البندق الموزون الملوم، ما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجمر، فجاء كبنان الفهر؛ وقد اختبر طينه، وملك عجينه، كافل مطاعم حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام؛ يعرج إليها وهو سمّ ناقع؛ ويهبط إليهم وهو رزق نافع؛ وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها؛ حتى إذا جردت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة، وألوانا معجبة أنيقة، صلبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب، سمهرية الاعتزاء والمناصب؛ تركبت من شظايا الرماح الراعبية، وقرون
الأوعال الجبلية؛ قد تحنت تحني النساك، وصالت صيال الفتاك؛ ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة، كأن شمس أصيل طلعت [في] متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفران جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو ثني قضبان فضة أذهب بعضها واحترق شطر، أو حيات رمل اعتنقت السود منها والصفر؛ فلما توسطوا تلك الروضة، وانتشروا على أكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشخصت إلى الطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوّق سهمه، وأفق انقض نجمه، مضاعف عليها من وترين كأنه بروح ذو جسدين، في وسط تسريحه كيس مختوم، أو سرة بطن مهضوم، كأنها متخازر ينظر شزرا، أو مصغ يتسمع نزرا، تصيب قلوب الطير بالأنباض، وتصيب منها مواقع الأعراض؛ فلم يزل القوم يرمون ويصيبون، وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق خرائطهم، وامتلأت بالصيد حقائبهم، فكم عارضت الطير فكسرت أجنحتها وجآجئها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، تعاجل قبل فناء ذمائها، ويصير ريشها كالمجاسد من دمائها محمولة على حكم الكفار، إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار؛ تحنط بتوابلها وأبازيرها، وتوارى في قدورها وتنانيرها، ثم تبعث إلى إخوان متوافقين، وخلان مترافقين، قد تمالحوا في الطعام، وتراضعوا في المدام، لا يشوب صفوهم شائب، ولا يعيب فضلهم عائب؛ فالحمد للّه الذي أباحنا لذيذ المطاعم، ونهج لنا سبيل المغانم.
ومن كلام أبي إسحاق الصّابئ قوله في عهد كتبه لطفيلي:
هذا ما عهد علي بن أحمد المعروف بعليكا إلى علي بن عرس الموصلي حين استخلفه على إحياء سنته، واستنابه في حفظ رسومه، من التطفيل على مدينة السلام وما يتصل بها من أكنافها، ويجري معها من سوادها وأطرافها؛ لما توسمه فيه من قلة الحياء، وشدة اللقاء، وكثرة اللقم، وجودة الهضم، ورآه أهلا له من شدة مكانه في هذه الرفاهية المهملة التي فطن لها، والرفاغية المطرحة التي امتد إليها، والنعم العائدة على لابسها بملاذ الطعوم ومناعم الجسوم؛ متوردا على من اتسعت مواد ماله، وتفرعت شعب حاله، وأقدره الله على غرائب المأكولات، وأظفره ببدائع الطيبات، آخذا من كل ذلك بنصيب الشريك المناصف، وضاربا منه بسهم الخليط المفاوض، ومستعملا للمدخل اللطيف عليه، والمتولج العجيب إليه، والأسباب التي ستشرح في مواضعها من هذا الكتاب، وتستوفى الدلالة على ما فيها من رشاد وصواب؛ وبالله التوفيق، وعليه التعويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أمره بتقوى الله التي هي الجانب العزيز، والحرز الحريز، والركن المنيع، والطود الرفيع، والعصمة الكالئة، والجنة الواقية، والزاد النافع يوم المعاد، يوم لا ينفع
إلا مثله من الأزواد؛ وأن يستشعر خيفته في سره وجهره، ومراقبته في قوله وفعله، ويجعل رضاه وثوابه ملبسه، والقربة منه أربه، والزلفى لديه غرضه، ولا يخالفه في مسعاه قدم، ولا يتعرض عنده لعاقبة ندم.
وأمره أن يتأمل اسم التطفيل ومعناه، ويعرف مغزاه ومنحاه، يتفحصه تفحص الباحث عن حظه بمجهوده، غير القائل منه بتسليمه وتقليده، فإن كثيرا من الناس قد استقبحه ممن فعله، وكرهه لمن استعمله، ونسبه فيه إلى الشره والنهم؛ فمنهم من غلط في استدلاله، فأساء في مقاله، ومنهم من شح على ماله، فدافع عنه باحتياله؛ وكلا الفريقين مذموم [وجميعهما ملوم؛ لا يتعلقان بعذور واضح، و]، لا يتعريان من لباس فاضح؛ ومنهم الطائفة التي لا ترى شركة العنان، فهي تبذله إذا كان لها، وتتدلى عليه إذا كان لغيرها، وترى أن المنة في الطعم للهاجم الآكل، وفي المشرب للوارد والواغل، هي أحق بالحرّيّة، وأخلق بالخيرية، وأحرى بالمروءة، وأولى بالفتوة، وقد عرفت بالتطفيل، ولا عار فيه عند ذوي التحصيل، لأنه مشتق من الطّفل، وهو وقت المساء وأوان العشاء، فلما كثر استعمل في صدر النهار وعجزه، وأوله [وآخره]، كما قيل للشمس والقمر: [القمران] وأحدهما القمر، ولأبي بكر وعمر: العمران وأحدهما عمر.
وأمره أن يتعهد موائد الكبراء والعظماء بغزاياه، وسمط الأمراء والوزراء بسراياه؛ فإنه يظفر منها بالغنيمة الوافرة، ويصل منها إلى الغريبة النادرة؛ وإذا
استقرأها وجد فيها من طرائف الألوان، الملذة للسان، وبدائع الطعوم، السائغة في الحلقوم، ما لا يجد عند غيرهم، ولا يناله إلا لديهم.
وأمره أن يتتبع ما يعرض لموسري التجار، ومجهزي الأمصار من وكيرة [الدار، والعرس] والإعذار فإنهم يوسعون على أنفسهم في النوائب بحسب تضييعهم عليها في الراتب.
وأمره أن يصادق قهارمة الدور ومدبريها، ويرافق وكلاء المطابخ وحماليها؛ فإنهم يملكون من أصحابهم أزمة مطاعمهم ومشاربهم، ويضعونها بحيث يحبون من أهل موداتهم ومعارفهم؛ وإذا عدّت هذه الطائفة أحدا من الناس من خلانها، واتخذته أخا من إخوانها، سعد بمرافقتها، وحظي بمصادقتها، ووصل إلى محابه من جهاتها، وسار به إلى جنباتها.
وأمره أن يتعهد أسواق المتسوقين، ومواسم المتبايعين؛ فإذا رأى وظيفة قد زيد فيها، وأطعمة قد استحشد مشتريها، اتبعها إلى المقصد بها، وشيعها إلى المنازل الحاوية لها، واستعلم ميقات الدعوة ومن يحضرها من أهل اليسار والمروءة؛ فإنه لا يخلو فيهم من عارف به يراعي وقت مصيره إليها ليتبعه، ويكمن له ليصحبه ويدخل معه وإن خلا من ذلك اختلط بزمر الداخلين، فما هو إلا أن يتجاوز عتب الأبواب، ويخرج من سلطان البوابين والحجاب، حتى يحصل محصلا قل ما حصله أحد قبله، فما انصرف عنه إلا ضلعا من الطعام، نزيفا من المدام.
وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنيات والمغنين، ومواطن الإناث والمخنثين؛ فإذا أتاه خبر بمجمع تضمهم، أو مأدبة تعمهم، ضرب إليها أعقاب إبله، وأنضى حولها مطايا خيله، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم، والثعبان الملتهم، والليث الهاصر والعقاب الكاسر.
وأمره أن يتجنب مجامع العوام المقلين، ومحافل الرعاع المقترين، وأن لا ينقل إليها قدما ولا يفغر لمآكلها فما، ولا يلفى في عتب دورها كيسانا، ولا يعد الرجل منها إنسانا؛ فإنها عصابة يجتمع لها ضيق النفوس والأحوال، وقلة الأحلام والأموال، وفي التطفيل عليها إجحاف بها يوثم، وإزراء بمروءة المتطفل [يوصم]، والتجنب لها أجدى، والازورار عنها أرجا.
وأمره أن يحرز الخوان إذا وضع، والطعام إذا نقل، حتى يعرف بالحدس والتقريب، والبحث والتنقيب، عدد الألوان في الكثرة والقلة، وافتنانها في الطيب واللذة، فيقدر لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي عند انتهائها، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها، ولا يخطئه الحظ من دقيقها وجليلها؛ ومتى أحس بقلة الطعام، وعجزه عن الأقوام، أمعن في أوله إمعان الكيّس في سعيه، الرشيد في أمره، المالئ لبطنه من كل حار وبارد؛ فإنه إذا فعل ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون تظرفا، ويقلون تأدبا، ويظنون أن المادة تبلغهم إلى آخر أمرهم، وتنتهي إلى غاية شبعهم، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الواثق، وينقلبوا بحسرة الخائب؛ أعاذنا الله من مثل مقامهم، وعصمنا من شقاء جدودهم.
وأمره أن يروض نفسه ويغالط حسه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا، ويطوي دونه كشحا، ويستحسن الصمم عن الفحشاء، ويغمض عن اللفظة الخشناء، وإن أتته اللكزة في حلقه، صبر عليها في الوصول إلى حقه؛ وإن وقعت به الصفعة في رأسه، أغضى عنها لمراتع أضراسه؛ فإن لقيه لاق بالجفاء، قابلة باللطف والصفاء، إذ كان إذا ولج الأبواب، وخالط الأسباب، وجلس مع الحضور، وامتزج بالجمهور، ولا بد أن يلقاه المنكر لأمره، ويمر به المستغرب بوجهه؛ فإن كان حرا حييا أمسك وتذمم، وإن كان فظا غليظا همهم وتكلم؛ وأن يجتنب عند ذلك المخاشنة، ويستعمل مع المخاطب الملاينة، ليرد غيظه، ويفلّ حده، ويكف غربه؛ ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف، وأنست النفوس به فألف، ونال من الحال المجتمع عليها، منال من حشم وسئل العناء إليها.
ولقد بلغنا أن رجلا من هذه العصابة، كان ذا فهم ودراية، وعقل وحصافة، طفل على وليمة رجل ذي حال عظيمة فرمقته فيها من القوم العيون، وتصرف بهم فيه الظنون، فقال له قائل منهم: من تكون أعزك الله؟، فقال: أنا أول من دعي إلى هذا الحق؛ قيل له: وكيف ذلك ونحن لا نعرفك؟ فقال: إذا رأيت صاحب الدار عرفني وعرفته نفسي؛ فجيء به إليه، فلما رآه بدأه بأن قال له: هل قلت لطباخك أن يصنع طعامك زائدا على عدد الحاضرين، ومقدار حاجة المدعوين؟ فقال: نعم؛ فقال: فإنما تلك الزيادة لي ولأمثالي، وبها تستظهر لمن جرى مجراي، وهو رزق أنزله الله على يدك، وسببه من جهتك؛ فقال: مرحبا بك وأهلا وقربا، والله لا جلست إلا مع علية الناس، ووجوه الجلساء والأناس، إذ قد طرفت في قولك، وتفننت في فعلك؛ فليكن ذلك الرجل لنا إماما نقتدي به، وحاديا نحدو على مثاله، إن شاء الله.
وأمره أن يكثر من تعاهد الجوارشنات المنفذة للسّدد، المقوية للمعد، المشهية للطعام، المسهلة لسبيل الانهضام؛ فإنها عماد أمره وقوامه، وبها انتظامه والتآمه؛ لأنها تعين عمل الدعوتين، وتنهض في اليوم الواحد بالأكلتين، وهو في تناولها كالكاتب الذي يقط أقلامه، والجندي الذي يصقل حسامه، والصانع الذي يجدد آلاته، والماهر الذي يصلح أدواته.
هذا عهد علي بن أحمد المعروف بعليكا إليك وحجته عليك، لم يألك في ذلك إرشادا وتوقيفا، وتهذيبا وتثقيفا، وتمعنا وتبصيرا، وحثا وتذكيرا؛ فكن بأوامره مؤتمرا، وبزواجره مزدجرا، ولرسومه متبعا، ولحفظها مضطلعا؛ إن شاء الله تعالى؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قلت: وسئلت في تقليد لطفيلي، فعملت:
الحمد لله الذي نعّم في طيبات رزقه، ورزق بعض خلقه من خلقه، وأجاز للمرء في بعض المذاهب التوصل بما قدر عليه إلى أخذ حقه، نحمده على نعمه التي وسعت الولائم، ومتعت بأكل كل ملائم، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة أول ما يبدأ منها باسم الله الآكل، ويهنأ بها ما يهيأ من المآكل، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي ما عاب قط طعاما، ولا دعي إلى طعام إلا أكل مالم يكن نوى صياما؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تتلقمها المسامع التقاما، وسلم تسليما كثيرا؛ وبعد:
فلما كان الغداء هو قوام الأبدان، ونظام عمارة البلدان، وموائد الطعام هي التي يجتمع عليها الإخوان، وتزهى به صدور الإيوان، وتفتح وتختم بالحمد، وتمنح من أطايب المطاعم ما يتجاوز الحد، ويكون فيها ما يسر العين من بدائع
الألوان، وتسري نجوم زباديها في سماء الخوان، وقد تحويه دور بعض البخلا، ومن لا يدعو الناس إلى طعامه دعوة الجفلى، ويكون في ماله الممنوع حق للسائل والمحروم، ومن لا يتوصل إلى الحق منه إلا بالتطفيل المعلوم، ممن تعيّن الأكل من ماله بأنواع الحيل، والهجوم على موائده المحجوبة وراء الحلل، واستعمال الإقدام على هذا وأمثاله لأكل طعامه، وإخلاء المائدة من قدامه؛ ولم يوجد لهذه العظيمة، ولا يلام صاحب كل وليمة، إلا من كان إذا أكل اضطلع، وإذا مد يده إلى السماط اقتلع، أو صعد إلى السماء ذبح سعد الذابح وبلع سعد بلع؛ ولم يزل يزلزل الموائد، ويملأ وعاء بطنه بزائد، ولا يعرف ما تكون البطنة، ولا ما تكفي منه اللقمة وتعني منه اللهنة، ولا يقابله صدور الأطباق إلا وهي غير مطمئنة.
وكان فلان هو الذي طالما كشف وجه السماط، وحل من سفر المخالي الرباط، وجال في جنبات الموائد حتى أخلاها، وركض فيها ركض الجواد حتى ألحق أخراها بأولاها، وعرف في الولائم التي لم يزل فيها مشهور الحملة، آتيا على التفصيل والجملة، معروفا بكبر اللقم التي تكاد تخنق، وترك التشهي وأكل ما يتفق، وقوة النهمة التي لو نقمت [على] الصخر لسحنته، أو كلفت خوض البحر إلى أكل لقمة واحدة لاستهونته؛ واشتهر بطبع طبع، عنّى كل من يجيء بعده وأتعب، وفرط طمع أطفأ كل طفيلي وأمات أشعب وأم أشعب، ولم يعصم منه باب مغلق، ولا ستر مطبق ولا طعام جالس على الطريق، ولا محبوس من وراء مضيق، بل لو قيل له: إنّ اللقمة خلف جبل قاف لقام إليها يسعى، أو في فم الأفعى لمد يده إليها ولم يخف لسعا، قد تبلط وجهه الوقاح، وأفنى لحوم ذوات الأربع والجناح، ولم يدع في القدور شيئا عليه يدور، ولا في المخافي ما هو عليه خافي، ولا نوعا من الأنواع، ولا ما يصلح للأكل مما يشترى ويباع؛ ولو واكل ابن أبي
سفيان لأشغله عن العيان أو سليمان بن عبد الملك لهلك، أو الملك العادل، لأفقره في العاجل، أو عاصر ميسرة التّراس، لما اشتال له معه راس، أو عاشر القائد المغربي مولى فارح، لأراه في الأكل كل قارح، لا يعجبه لأجل السعي للأكل إلا كلّ يوم أغر يبدو نوره، وكل ملك إذا تغدى رفعت ستوره، لا يعد فردا، إلا من قدم إليه قصعة مكللة لحما مدفقة ثردا، ولا يكون منازلا، إلا لمن قال: وإني لعبد الضيف ما دام نازلا؛ يتغدى بجمل، ويتعشى بوسقه ما حمل، يصرف الأكل بغزارة، ويحمل معدته فوق السبع كارة، ولا يكفيه قدر الرغيف إلا كلما أرهن عليه قوسه حاجب بن زرارة، ولا يقنعه طبخة القدر، إلا بجميع ما في الكوراة؛ يتنقل بإردبّ، ويأكل كل ما سعى أو دبّ، يتملح بمدّ ملح وقوصرة بصل، ويتحلى بعديلة تمر ووطب
عسل؛ يشرب من اللبن وطبا، ويتنقل بحمل الحديقة رطبا، القنطار عنده أوقية، والرطل توابل التغذية، لا يحب إلا اسم بلعام وطعمه، ولا يأكل ملء الطبق إلا في لقمة، يأكل باليدين، ويشبع بالعين؛ لم يعرف في طول عمره التخم، ولا خاف الوخم، ولا وقع على جيف المآكل إلا وقوع الرخم، ولم يأكل - حاشاه - في سبعة أمعاء، وإنما يدخر معه في وعاء، ما قرأ من الفقه إلا كتاب الأطعمة، ولا سئل: كيف الطريق؟ إلا قال: أنا ما أحب إلا الأشياء الحلوة الدسمة؛ لا نعرف أعرف منه بتلفيق الأسباب، وتخريب عرائش النقانق وقباب الكباب، فما حط يده في طعام إلا محقه، ولا في مأكول إلاّ وعاد في الحال كأن الله ما خلقه، فاقتضى له تقدمه في هذه الطائفة الطائفة، أن يكتب له هذا التقليد، ويزاد به طول يده وباعه المديد، ويميز على أبناء جنسه من طائفة الشيخ ساسان، ومن يأخذ أموال الناس باليد ويأكلهم باللسان، ويفعل الفعائل التي ما يظن بها إلا أن زمان أبي الأكاسرة عاد، وينصب النصبات التي لو كان أبو زيد السروجي حاضرها لما زاد، فرسم أن يقلد أمر طائفة الطفيلية، ويعاد إليه أمورهم بالكلّيّة؛ وأن يكونوا جميعهم تحت أمره المطاع وأعوانه، إذا أكل كل ما على السماط وخلى الناس وهم جياع، وهو ما يحتاج إلى الوصايا التي تشغله عن الابتلاع، وتلهيه عن النهم الذي هو من خلق السباع؛ وإنما نقول له على سبيل
التذكرة، ونكتفي بالقليل لما عنده من المخبرة؛ فأول ما نوصيه أنه لا يقف عند منهل، ولا يتوقف في أي شيء تسهل، ولا يتخير ليتحير، ولا يذكر إذا تقدم إلى الطعام؛ بحقد من حقد ولا لوم من لام، ولا يحسب حساب تقية من حضر، بل يأكل الكل ولا يذر، ولا ينتظر من غاب، ولو كان أسد الغاب، ومهما جاء قدامه رماه بالمحاق، وعاجله خوف اللحاق؛ وإذا قدمت المائدة، يذكر اسم الله لتهرب الشياطين، وتغنّى لئلا تحضر الملائكة، ويتحيّل بكل طريق في عدم المشاركة، ويعجل مهما أمكنه فإنه ما يأمن المداركة وليلف الخبز والإدام، ولا يعفّ عن لحس الزبادي وقرقشة العظام، ولا يتلافى خاطر من حرد ولا يترضى، ولا يدع شيئا مما يطلق عليه اسم الأكل حتى النار التي تأكل بعضها بعضا، وليباكر الغداء فإنه مكرمة، ويلازم العشاء فقد قال ﷺ: «تعشّوا ولو بكف من حشف فإنّ ترك العشاء مهرمة»، وليداوم على ما هو عليه من هذا الأمر، ولا يلتفت لقول زيد ولا عمرو، وليأكل ما حضر ويحرص على الطيبات، فقد كان ﷺ يأكل القثاء بالرطب، ويحب الحلو والعسل، ويحب الزّبد والتمر، ولا أقل أن يكون فيه هذا من السنة؛ ومن تتبع مآكل السلف، وإن كان لا يريد، لأن هذا كله لا مصور على خاطره، وممثل في ناظره؛ ثم ليتعهد المهضمات وما يقوي المعدة، ويزيد لهيب نيرانها المتقدة، ولا يدع استعمال المسهلات، ليهيئ المعدة لمواقع الغداء والعشاء، ومواضع الأكل في مطاوي الأحشاء؛ وليستعلم أخبار الآكلين، وطرائف الطفيلية المحتالين، لما يحصل بذلك من التأسي، وينهض الشهوة للأكل والتحسي؛ وإياه والمضغ، فإنه يطيل المدى ويقلل معه مقدار ما يؤخذ من الغدا؛ ومهما استطاع فليحسن المآكل، ويحزن صاحب الضيافة الحزين الثاكل،
وليصرف شهوته إلى ما لا ينصرف، وما يقف على المعدة ويتوقف، ويلازم مغلظات الغداء ولا يسمع ممن قال: إنه المذموم، وليستكثر من لحوم الجمال والجواميس والبقر وما أشبه هذه اللحوم، وكذلك مارزن من الحبوب ووزن، فجاء أضعاف مثله في القدر المحسوب؛ ودأبك أن تعرف موسم كل مجتمع، ومكان يرجى فيه ملء البطن والشبع، وصرف أعوانك لتعرف أخبار الأعراس التي يولم فيها الولائم، وبقية المواضع التي ينصرف عنها بشبعه الطاعم، وأسمطة الأمراء وآدر الوزراء، ومواضع مناصفات الفقراء، والأوقات التي تعمل لها جلاسات الفقهاء والقراء، ومظان الرهان التي تؤخذ فيها الدراهم، وتصرف غالبا في أنواع المطاعم، ودعوات الإخوان وأهل القصف، ومن يكون على ميعاد استعد له ومالا يبعد عن هذا الوصف، ودور أهل اليسار وكبار العامة والتجار، والجندي إذا جاء من الريف وحط هديته عن الحمار، وأرباب الصنائع الذين منهم من أوتى رزقه، ومن لا يبلغ أجرة عمله في اليوم درهمين وينفق بعض الأيام أكثر من دينار؛ ومواضع النزه، فكثيرا ما يستخرج بها مال البخيل، والبيوت التي تطلب إليها المواشط والدايات، فإن النفقة فيها غير قليل؛ وأقم لك ربيئة على كل رابية [و] كل مكان يدقّ عليه بالطبول، ويتبع من يقوم منهم لتهنئة من تجددت له نعمة أو دفعت عنه نقمة أو غير هذا مما يقتضيه الفضول، ثم اقصد هذه المواضع وابسط يدك كل البسط، وتذكر ما كتب ساسان على عصاه ولا تنس الشرط، ولف الإوز والدجاج والبط، واشرب بالزبادي المرق ولو أنه ماء الشّطّ، واحرق كل ما قدامك ولو كان النار والكبريت والنفط؛ وصل صولة الفحل، وكل
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع