من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وأما أبو إسحاق فهو الصابي
الصفحة ٢ من ٢
الشهد وإبر النحل، ولا تخل جنى النحل، ولا ما غرست فيه من الوحل، واهجم واسأل ولا تسل، ولا تفرق في سد الجوعة بين الصبر والعسل، وإذا رأيت جماعة فاحدس أنهم إنما اجتمعوا لطعام، أو أفرادا فاجزم بأنهم تفرقوا حيلة للالتئام، فاعمل بالحزم، واقصدهم وصمم العزم، وانضم إليهم واهجم هجوم الأسد المفترس، وكل كلّ ما بين أيديهم، وتنوع في الشهوات واقترح، ولا تخف من غضبهم فلابد أنك وإياهم تصطلح، وكل أكلة تكفي سنين، واستكثر بالآلاف المئين، وقل:
يا أكلة من عاش أخبر أهلهأو مات يلقى اللّه وهو بطين
فإن ضاقت منك عين بخيل، وإن عجلك عن الطعام قبل امتلاء الخرطبيل، وبسط إليك أحد يده ليقتلك، أو صفعك بالخفاف ونطلك، فاحتسب مصابك، ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾، ولا تهتم لما نزل عليك، ولو نزل الماء الأسود في عينيك، وورم وجهك وخلف أذنيك، فلا تنظر هذا الخطب الجليل إلا حقيرا، ولا هذا التعزير البليغ إلا على ما سمي به في الأصل توقيرا، ولا يردك هذا عن فعلك في المستقبل، واسمع من هذه الوصية واقبل، ولا تستكثر حمل ألف بعير، ولا تستقل حبة خردل، واجمع جنودك على هذه الطاعة، وإن كانوا ما يجمعهم مندل، وبصرهم بشرق البشرة، وعودهم أن لا يأكلوا بالخمسة والكف دون العشرة، وافتح فمك والتهم، وأوسع بطنك واضطرب في السماط واضطرم، وانتقد على البخيل وانتقم، وافعل في هذا فعل من لا يحتشم، ولا يخاف أنه ينبشم، وابرك في المائة وارتطم، واضرب للعجلة وجهك بيدك والتطم، وحافظ على هذا
واستدم، واستمك ظهور الموائد واستنم؛ ولو رفسك بخفه البعير، نزّله منزلة القرص الكبير، واهجم على الرغيف، ولو أنه الغريف، وهاجم على الفريسة كالأسد، وأدخل الطّعام على الطّعام ولو فسد، وغالب البخلاء على أموالهم ولا تفكر في أحد، وطالب من لا لك عنده شيء ولا يضرك من جحد، واضرب الحيس بالحيس، وكل السخلة والكبش والجدي والتيس، وكبّ جموع ربيعة على مضر ويمن على قيس، ولا يلج في مسامعك عذل عاذل، ولا يرد يدك منع بخيل ولا بذل باذل، ولا يغب عنك الماء لتسويغ الغصص، وإرفاد الطعام به بالقفص، وعليك بالعزائم وإياك والرخص، والحذر كل الحذر من الكسل والتواني، والقعود عن المواضع التي تطلب إليها القراء والمغاني؛ فإن كل هذه المظان، والمظانّ التي تسلط فيه السكين على الضان، فما كل وقت تصبح وليمة، ولا كل حين تمضي عزيمة، والإنسان الشاطر من أكل أكل البهيمة، وما كل أوان يتبوأ الآكل دار مضيف يحلّها، وينعم في جنات جفان ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾، فلا يؤخّر يوم سرور ينتظر له غدا، ولا يشيل لعشاء من غدا، ولا يفوت دعوة كريم يضيف يديه في داره ويقول: ﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً﴾؛ ومر أعوانك فليحمدوا الله الذي أطعمهم من أموال خلقه، وجعل أيديهم تعاجل يد صاحب الطعام في سبقه، وأوصهم بالشكر وقل لهم: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾؛ والله تعالى يمتعه بما وهبه من بطن لا يشبع، ونفس أدنى من نفس أشعب الطماع وأطمع، وسبيل كل واقف عليه الانتهاء إلى ما يتقدم به من الأمر، وسلوك مسلك أصحاب أبي نعامة معه حتى يأكلوا معه الجمر، ومن خالفهم منهم يسقط من جريدة هذا الحساب، ويوقف وراء الحجاب، وأدّب بين الطفيلية أدبا
يبقى به أعجوبة، ويترك في مكان يبصر الناس فيه يأكلون، ولا يصل إليهم، وكفاه هذا عقوبة؛ والاعتماد على الخط الكريم أعلاه.
وعنوان قوله في النظم:
إن كنت خنتك في المودة ساعةفذممت سيف الدولة المحمودا
وزعمت أن له شريكا في العلىوجحدته في فضله التوحيدا
قسما لو اني قد حلفت غموسهالغريم دين ما أراد مزيدا
وقوله:
قلم يفل الجيش وهو عرمرموالبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشابهاكرم السّيول وهيبة الآساد
وقوله:
حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهمولووا عمائمهم على الأقمار
وتقلدوا يوم الوغى هنديةأمضى إذا انتضيت من الأقدار
قوم إذا لبسوا الدورع حسبتهمكسحاب غيث ممطر بنهار
إن خوّفوك لقيت كل كريهةأو أمّنوك لقيت دار قرار
وقوله وقد شكا وجع المفاصل:
وجع المفاصل وهو آخر ما لقيت من الأذى
ترك الذي استحسنتهوالناس من حظّي كذا
والعمر مثل الكأس يرسب في أواخره القذى
وقوله:
والنّقل من فستق حديثرطب تبدّى به الجفاف
زمرّد صانه حريرفي حقّ عاج له غلاف
وقوله:
وللسر فيما بين جنبيّ مكمنخفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي
كأني من فرط احتفاظي أضعتهفبعضي له واع وبعضي له ناسي
وقوله:
لقد فاوضته وسددت أنفيفما نفع احتراسي واحتياطي
عجبت لأمّه إذ قمّطتهلقد وضعت خراها في القماط
وقوله:
إذا لم يكن بدّ من الموت للفتىفأروحه الأوحى الذي هو أسرع
فكن غرضا بالعيش لا تغتبط بهفمحصوله خوف وعقباه مصرع
وقوله:
حتى إذا داع دعاه إلى الهوىأصغى إليه سامعا ومطيعا
كذبالة أخمدتها فكما دنامنها الضرام تعلقته سريعا
وقوله:
قد كنت طلقت الوزارة عندمازلت بها قدم وساء صنيعها
فغدت بغيرك تستحل ضرورةكيما يحلّ إلى ذراك رجوعها
فالآن عادت ثم آلت حلفةألاّ يبيت سواك وهو ضجيعها
وقوله في مبخرة:
وقبّة ذات حدود أربعهمبنيّة بناء رأس الصومعه
في ذرعها ضيق وفي الطيب سعهحالية كالغادة المصنعه
مزفوفة لفتية مجتمعهمن شاء أن يخلو بها خلت معه
صبّت عليها خلع مرتجعهتلبث فيها ثم تعرى مسرعه
وقوله:
أقبلت ثم قبّلت ظهر كفّيقبلة تنقع الغليل وتشفي
فعضضت اليد التي قبلتهابفم حاسد يريد التشفّي
وقوله:
فلا تتخذ لحمي غداء تسيغهوتحسب جهلا أن سيمريك أكله
فقد يلسب الفيل المعظّم عقربفتقتلها من بعد ذلك نعله
وقوله:
ما زلت آمل فتح آملمذ سيرت تلك الجحافل
لله ما نطق اللسان به وأومأت الأنامل
واستكتمت أسيافناتلك العواتق والكواهل
فطعاننا يفري الكلىوضرابنا يبري المفاصل
يا برد حرّ حروبنافي كلّ صدر ذي بلابل
أبدا ترينا في الأواخر ما اقترحنا في الأوائل
فامدد يديك لمادناولما نأى فالكلّ حاصل
وقوله - وكان شيخنا أبو الثناء يستحسنه -:
أقول وقد جردتها من ثيابهاوعانقت منها البدر في ليلة التّمّ
وقد آلمت صدري بشدة ضمّها:لقد جبرت قلبي وإن أوهنت عظمي
وقوله:
قل لابن نصر قول منسمع الأذى منه وشمّه:
يا ليت من حفر الكنيف بوسط وجهك منه ضمّه
وقوله يصف الجوزاء بين الشعريين:
وقد تجدلت الجوزاء بينهماكأنه جثّة مضروبة العنق
ورام أخذ الثّريا وهو يحسبهاخريطة سقطت ملأى من الورق
وقوله في الخمر:
صفراء كالورس جامها يققشعاعها كالذّبال يأتلق
كأنها في كفّ من أتاك بهاضحى نهار في وسطه شفق
وقوله:
بين فكيك يا ابن نصر مضيقفيه بالشمّ للمنايا طريق
فاتق الله في الورى وتلثمأي نفس لبعض هذا تطيق
وقوله:
إذا كنت قد أيقنت أنك هالكفما لك مما دون ذلك تشفق
ومما يشين المرء ذا الحلم أنهيرى الأمر حتما واقعا وهو يقلق
وقوله:
بكى المظفّر من إفراط فروتهفكلّ من أبصرته عينه ضحكا
كأنها إذ بدت والأير راكبهازق يصيد عليها سابح سمكا
وقوله:
أيها النابح الذي يتصدّىبقبيح يقوله لجوابي
لا تؤمّل أني أقول لك أخسألست أسخو بها لكلّ الكلاب
وقوله:
عظمت فروة المظفّر حتّىأعجزت كلّ ناظر يشتهيها
غيبت أيره فلم يبق إلاّفيشة منه ربما تبديها
كالسحلفاة حين تطلع رأسافإذا أوحشت تراجع فيها
وقوله:
أبا الخطّاب لو أنّي رهينببطن القاع ينعاني نعاتي
لألزمك الوفاء وصال رمسيفكيف تجيز هجري في حياتي
وقوله:
قل للشريف المنتميللغرّ من سرواته
شاد الألى لك منصباقوّضت من شرفاته
والعود ليس بأصلهلكنّه بنباته
والماء يفسد إن خلطت أجاجه بفراته
وأحقّ من نكّستهبالصّغر من درجاته
من مجده من غيرهوسفاله من ذاته
وقوله في إمام أبخر:
يا من يصلّي صلاة شكّيطول في إثرها قنوته
إن كنت تبغي الثّواب فاسكتربّ فم أجره سكوته
وقوله:
انحر أعادي بني بويهبالسّيف في جملة الأضاحي
فالكلّ منهم ذوو قرونتصلح للذّبح والنّطاح
وقوله في مدخنة:
ومحرورة الأحشاء تحسب أنهامتيمة تشكو من الحبّ تبريحا
يخرّق فيها العود عودا وبدأةفتأخذه جسما وتبعثه روحا
وقوله: [المسرح]
قبّلت منه فما مجاجتهتجمع مغنى المدام والشّهد
كأنّ مجرى سواكه بردوريقه ذوب ذلك البرد
وقوله:
وقالوا: اتّخذ أخرى سواها لعلّهاتنسيك ذكراها التي تتردّد
فقلت لهم: بعدا وسحقا لرأيكمأأقلع عيني حين تذوى وترمد
وقوله في وردة:
حمراء مصفرة الأحشاء ناعتةطيبا تخال به في الطّيب عطّارا
كأنّ في وسطها تبرا يخلّطهقين يضرّم من أوراقها نارا
وقوله:
وهبت له عمر الشبيبة صحبةوأكرم بذي جود إذا وهب العمرا
فلّما ألمت للزمان ملمةفزعت إليه والتمست به النّصرا
فصمّ ولم يسمع نداء ولم يجبدعاء كأني به مستنطق صخرا
ورقّت صروف الدّهر لي من صنيعهفأصبحت أشكوه وأستصرخ الدهرا
وقوله:
ما زلت في سكري ألمّع كفّهاوذراعها بالقرص والآثار
حتى تركت أديمها [وكأنّما]غرس البنفسج منه في الجمّار
وقوله:
ومن طوى الخمسين من عمرهلاقى أمورا فيه مستنكره
وإن تخطاها رأى بعدهامن حادثات النقص ما لم يره
وقوله:
إن نحن قسناك بالغصن الرطيب فقدخفنا عليك له ظلما وعدوانا
لأنّ أحسن ما نلقاه مكتسياوأنت أحسن ما نلقاك عريانا
وقوله:
يا من بدت عريانةفرأيت كلّ الحسن منها
كانت ثيابك عورةفسترت بالتّجريد عنها
وقوله:
خضاب تقاسمناه بيني وبينهاولكنّ شأني فيه خالف شانها
فيا قبحه إذ حلّ منّي مفرقيويا حسنه إذ حلّ منها بنانها
وقوله في اصطرلاب أهداه:
أهدى إليك بنو الآمال واحتفلوافي مهرجان جديد أنت مبليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأىعلوّ قدرك عن شيء يدانيه
لم يرض بالأرض مهداة إليك فقدأهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
وقوله:
يشتهي النّذل أن يكون كريمافإذا سيم ما اشتهاه أباه
فهو مثل العنّين يشتهي النّيك ولا يستطيعه إن أتاه
وقوله:
ومن العجائب أنّني هنّأتهوأنا المهنّا فيه بالنّعماء
وقوله:
يا ذا الذي جعل القطيعة دأبهإنّ القطيعة موضع للرّيب
إن كان ودّك في الطّويّة كامنافاطلب صديقا عالما بالغيب
وقوله:
صدّ عنّي مستعذبا لعذابيوجفاني كعادة الأحباب
كل يوم يروع قلبي بفنّمن تجنيه لم يكن في حسابي
وقوله:
لئن صرت حلس البيت حلف جدارهفبالأمس منّي تستعيذ النجائب
كذاك أبو الأشبال يربض مرصداولابدّ من أن يعتدي وهو آئب
وقوله:
تورّد دمعي فاستوى ومدامتيفمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فو اللّه ما أدري أبا الخمر أسبلتجفوني أم من دمعتي كنت أشرب
وقوله:
سألت عنه مجلسا قامهقد كان مأكولا له معجبا
فقال: ما قولك في مدخلوجدت منه مخرجي أطيبا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع