من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سرور جارية العزيز
وكانت لا تعدل بها امرأة، ولا تذكر بقبيح إلا كانت عنه مبرأة، وكانت جارية لامرأة بالقاهرة، علّمتها الخط وحفّظتها القرآن، وعلمتها النحو واللغة والأدب، وروّتها الأشعار، ووفّرتها على تصفح الأخبار، وأخذتها بصناعة الغناء، حتى فاقت كل جارية كانت تسمى، ولا تماثل بها ظلوم وأمثالها إلا ظلما، ورءاها العزيز زمان أبيه فهوي بها ولم يقدر على ملك رقها خوفا من أبيه، حتى ملك السلطنة ووليها، وكانت بينهما مدة حياة أبيه مراسلات وأشاير وعلامات وأماير.
حكي أنها أهدت إليه مرة أكرة من العنبر فيها زر من الذهب، فلم يفهم معناه، ولا كشف معمّاه، فأخبر الفاضل وكان لا يكتمه من أمره حاضرة ولا غائبة، ولا آئبة ولا ذاهبة، فأنشده الفاضل:
أهدت لك العنبر في وسطهزرّ من التّبر خفي اللحام
والتّبر في العنبر معناهمازر هكذا مختفيا في الظّلام
وكتبت إليه مرة أخرى رقعة تعرض عليه فيها أن يشتريها، وكتبت في أولها قول [ص] ابن الرومي:
كثّر بشخصي من اصطنعت من الناس وإن لم أزنك لم أشن
ما حقّ من لان صدره لك بالود لقاء بجانب خشن
فلم يكن له هم إلا مشتراها أول ما ملك.
ومن أصواتها المشهورة:
ومهفهف حلو اللمى خنثسبقت محاسنه إلى الوصف
كالليل قد جمعت كواكبهفي موضع التقبيل والرشف
والشعر لابن الجلال المصري، والغناء فيه لها.
وحكي أن العزيز هوي عليها جارية اسمها ألوف، فتبدّل بها حال سرور، وتنكرت عليها بسببها من أحوال العزيز أمور، فلما رأت ازورار جانبه وتقلّص أنسه من جوانبه، أخلدت إلى القطيعة، وعصت فيها نفسها المطيعة، فأخذته العزة حتى صار انجماعه غضبا، وفتوره عنها لهبا، وهم بإخراجها من داره، فخافت بأس اقتداره، وأتت إليه قبل اقتداره، ولم تكلمه حتى ترامت على قدميه، واندفعت تغني بين يديه:
وأنتم النخلة الطولى التي بسقتقدما وبورك منها الأصل والطرف
فإن زوى عني الجمار طلعتهفلا يصبني [بحدي] شوكه السعف
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه خفيف الرمل، فلم يتمالك العزيز أمر نفسه حتى ضمها إلى صدره، وقبلها وبلغها من عود عاطفته أملها؛ ثم رجع إليها الكرّة وترك هوى ألوف، ولا أليف لها إلا طول الحسرة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع