من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
جارية تميم
جدّ المعزّ بن باديس، جارية طار بلبها الهوى، وطاف بقلبها الجوى، ورمى بها الإغراب مراميه، وأطال بها النوى لياليه، حتى سارت بتشتيت الفراق، وصارت إلى المغرب من العراق، ثم كانت لا تزال تتذكر نادي ذلك الفريق، وتنادي بلسان عرابها (؟) نار ذلك الحريق، وتتلفت إلى العراق، وظل ريفه الظليل، ومبسم مرآه الجميل وظبائه الجآذر، ولها بينهم مقيل فنان حسرة بين عوادها، وتبكي وإنما بدلت قطعة من فؤادها، إلى أن عادت بلطيف الحيلة، إلى أكناف تلك الجميلة، فذهب بحق صبابتها باطلة، والتقى كل ذي دين وماطله.
وحكي أن أبا الحسين ابن الأشكري المصري قال: كنت رجلا من جلاس الأمير تميم بن أبي تميم وممن يخف عليه، فأرسل إلى بغداد فابتيعت له جارية فائقة رائقة الغناء، فلما وصلت إليه، دعا جلساءه، قال: وكنت فيهم ثم مدّت السّتارة وأمرها بالغناء، فغنت:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوىبرق تألف موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونهصعب الذرى متمنع أركانه
فمضى لينظر كيف لاح فلم يطقنظرا إليه وصده أشجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعهوالماء ما سمحت به أجفانه
[ص] قال: فطرب الأمير تميم ومن حضر طربا شديدا، ثم قال: غنّي فغنت:
أستودع اللّه في بغداد لي قمرابالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
وهذا لمحمد بن زريق الكاتب. فاشتد طرب تميم وأفرط جدا، ثم قال لها:
تمنّي ما شئت، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: والله لا بد أن تتمني، [فقالت] على الوفاء أيها الأمير؟ فقال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني بهذه النوبة بغداد، فامتقع لونه وتغير وجهه وتكدّر المجلس، وقام وقمنا.
قال ابن الأشكري: فلقيني بعض الخدم، وقال لي: ارجع فالأمير يدعوك، فرجعت فوجدته جالسا ينتظرني، فسلّمت عليه وقمت بين يديه، فقال: ويحك أرأيت ما امتحنّا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير، فقال: لابد من الوفاء لها، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنّت هناك فاصرفها، فقلت: سمعا وطاعة، قال: ثم قمت، وتأهبت، وأمرها بالتأهب وأصحبها جارية سوداء له تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل أدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق، فلما وردنا القادسية أتتني السوداء عنها فقالت: تقول له ستي، أين نحن؟ فقلت لها: نزول بالقادسية، فانصرفت إليها فأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتا قد ارتفع بالغناء منها، وغنت:
لما وردنا القادسية حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجاز نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أحبيجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقاء كما بكيت من الفراق
لم يبق لي إلا تجشمهذه السبع الطباق
حتى يطول حديثنابصفات ماكنا نلاقي
قال: فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله أعيدي، قال: فما سمع لها كلمة. [ص]
قال: ثم نزلنا الياسرية، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة، ينزل بها الناس فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد، فلما كان وقت الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، فقلت: ويلك! وأين هي؟ فقالت: والله ما أدري، قال: فلم أحس لها أثرا بعد تلك، ودخلت بغداد، وقضيت حوائجي بها وانصرفت إلى الأمير تميم، فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه، واغتم له غما شديدا، ثم لم يزل ذاكرا لها، آسفا عليها.
ومن أصواتها هذا:
يا أيها الساقي الهوىضجرا بأن صد الحبيب
اسمع فإني قائلقولا سيعرفه البيب
الحب داء ما يلينبمثل حرقته القلوب
والحبّ ليس له سوىمن قد كلفت به طبيب
والشعر لأبي نواس، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الهزج.
ومن أصواتها:
تذكرت ريا وانبرى لك حبهاومن دونها الأعداء خزر عيونها
وحنت قلوصي آخر الليل حنةفيا روعة ما راع قلبي حنينها
حنت في عقاليها وشامت عيونهاسنا البرق علويا فجن جنونها
فقلت لها حني فكل قرينةمفارقها لا بد يوما قرينها
والشعر للصمة بن عبد الله، والغناء في أول الثقيل، وهذا القول من قطعة جملتها ثمانية أبيات، وتمامها:
وقلت لها حثي رويدا فإننيوإياك نخفي عولة سنبينها
فما برحت حتى ارعوينا لصوتهاوحتى انبرى منا معين يعينها
ظللت بها أبكي بعين حزينةمراها الهوى حتى استهلت جنونها
[ص]
تعز بصبر أن تلام فإنماعلى النفس ما جرّت وللنفس دينها
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع