من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
رداح جارية عبد الرحمن ص ٣٩٤
المستظهر، وكانت أي هيفاء رداح، وسمراء تنتضي من جفونها السود بيض الصفاح، ذات جمال يغير البدر إن سفرت، ودلال يغير الغصن إن خطرت، وغنج يعيد سحر بابل إن نظرت، هذا إلى نغم يعلّم الحمائم في الأراك، ويوقع العشاق في الأشراك، ويفعل فعل البابلي، ويغسل حتى قلب الخلي، ويغلّ النار في الجوانح، ويشعر طرفها الكاسر بأن الظباء تصيد الجوارح. قيل إنّه كان يقال إنها بدعة القيان، وإنها بهذا كانت تدعى، ويحكى عنها لطائف وظرائف، ولها شعر ليس بطائل، ولها أعمال صنيعة، وأصوات بديعة، فمنها هذا:
أتعرف رسما كاطراد المذهبلعمرة وحشا غير موقف راكب
ديار التي كادت ونحن على منىتحل بنا لولا نجاء الركائب
تبدت لنا كالشمس تحت غمامةبدا حاجب منها وضنت بحاجب
ولم أرها إلا ثلاثا على منىوعهدي بها عذراء ذات ذوائب
والشعر لقيس بن الخطيم، والغناء فيه، ومن هذه القصيدة:
فلما رأيت الحرب حربا تجددتلبست مع الحربين ثوب المحارب
رجال متى يدعوا إلى الموت يرقلواإليه كإرقال الجمال المصاعب
إذا فزعوا مدوا إلى الليل صارخاكموج الأتي المزبد المتراكب
صبحناهم الآطام حول مزاحمقوانس أولى بيضها كالكواكب
إذا ما فررنا كان أسوا فرارناصدود الخدود وازورار المناكب
إذا قصرت أسيافنا كان وصلناإلى نسب من جذع غسان ثاقب
صبحناهم شهباء يبرق بيضهاتبين خلاخيل النساء الهوارب
فأبنا إلى أبياتنا ونسائناوما من تركنا في بعاث بآئب
وحكي أن عبد الرحمن [ص] عزم على التفسّح في بعض الظواهر مدة يقيم بها في مضارب نصبت له على نهر يروق انحداره، وربيع بقل في وجنة الروض عذاره وكان الشتاء قد كلح وساء به مزاج الزمان ثم صلح، فلما عزم على الخروج أتت جواريه لوداعه، ورداح بينهن قد اغرورقت مقلتاها بالمدامع، وقطعت لديها أعناق المطامع، فوقفت وقفة المتعني، ثم اندفعت في صوت صنعته تغني:
شط المزار بحدوى وانتهى الأملفلا خيال ولا عهد ولا طلل
إلا رجاء فما تدري أندركهأم يستمر فيأتي دونه الأجل
والشعر لعمرو بن أحمر الباهلي، والغناء فيه من الهزج، ثم اتبعته بصوت آخر صنعته:
إذا ما كتمنا الحب نمّت عيونناعلينا وأبدته العيون السواكب
وإن نحن أخفينا ضمائر حبناأشارت بتسليم علينا الحواجب
والشعر فيه مجهول، فبكى عبد الرحمن لبكائها، وطفق يضمها إليه، ثم أقبل على جواريه فقال: هلا كان فيكن واحدة فعلت مثل فعلها، ثم أمر بأن تخرج معه فأبت، فقالت: والله لا خرجت إلا أنا وصويحباتي، قال: فليخرجن، ثم خرجن معه، فلم يكن أحسن من ذلك المربع، ولا من أيام مضين فيه.
وحكي أن عبد الرحمن نظر إلى جارية عند بعض نساء الحرائر فأحبها، وفطنت الحرة لذلك، فحجبت الجارية عن نظره، وطالت مدة حجابها، وزيادة ما يجده من الجوى بها، ونمي الخبر في جواريه، واستفاض حال غرامه بها وعدم قراره لأجلها، فصنعت رداح صوتا وجودته ثم دخلت عليه وهي تغني به، والصوت:
تمسك بحب الأخيلية واطرحعدا الناس فيها والوشاة الأدانيا
فإن يمنعوا ليلى وحسن حديثهافلم يمنعوا مني البكا والقوا فيا
يلومك فيها اللائمون فصاحةفليت الهوى باللائمين مكانيا
لو انّ الهوى في حب ليلى أطاعنيأطعت ولكن الهوى قد عصانيا
[ص]
والشعر لتوبة بن الحميّر، والغناء فيه كان في مذهب شيخي، لم يتمالك معه عبد الرحمن أن فاضت عينه بالبكاء، وقال: ما الحيلة يا رداح؟ قالت: عزيمة مثلك، قال: هيهات أن تنفع العزيمة، ولكن قد يجيء في أحداث الدهر مالا يتوقعه المنتظر، فنقل المجلس إلى تلك الحرة، فقالت: هو ولي النعمة وأنا أمته
والجارية أحداث الدهر، قالت: فأحمد اللّه يا أمير المؤمنين، فخرّ ساجدا ثم نهض حتى دخل على الحرة فشكر لها، ثم ضم الجارية إليه وأسنى جاريته رداح، وتماثل حاله، وكان قد يئس من الإصلاح.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع