تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

وضيح بن عبد الأعلى

طلع به في ذلك الأفق كوكبة الغارب، ورجع سحابه الغارب، وبلغ أمره المؤيد هشاما، وما كانت فترت جمرته، ولا فنيت إمرته، فأمر باستدنائه، واستدعى به لأجل غنائه، فلما حضر مجلسه المهيب وأحس بيانه المتوقد اللهب، انقلب رجاؤها قنوطا، وانقطع مما كان به منوطا، إلى أن سكن إنباضه، وأزال [ص] بالبسطة انقباضه، فأظهر الصناعة التي كانت إليه معزوة، وولت الهموم التي أصبحت به معزوة، فأحيا من القلوب رميما، وطرح عن النفوس عظيما، ثم أخذ العود وضرب به ضربا كان شفاء للفهم السقيم، ودرياقا للقلب السليم، فتهلل وجه المؤيد حتى ظهر البشر على جبينه، وأمر له من الذهب بمثل يمينه.

ومن اصواته:

لمن الديار كأنها لم تحللبين الكناس وبين طلح الأعزل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
ولقد أرى بك والجديد إلى بلىموت الهوى وشفاء عين المجتلي
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
ولقد أرى بك والمطي خواضعوكأنهن قطا فلاة مجفل
يا أم ناجية السلام عليكمقبل الرواح وقبل لوم العذل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
لو كنت أعلم أن آخر عهدكميوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
أو كنت أرهب وشك بين عاجللقنعت أو لسألت ما لم يسأل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

والشعر لجرير، والغناء فيه، وهذه من طنانات جرير، ومنها في هذا:

أعددت للشعراء سما ناقعافسقيت آخر هم بكأس الأول
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
لما وضعت على الفرزدق ميسميوعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
أخزى الذي سمك السماء مجاشعاوبنى بناءك بالحضيض الأسفل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
فامدح سراة بني فقيم إنهمقتلوا أباك وثأرهم لم يقتل
ودع البراجم إن شربك فيهممر عواقبه كطعم الحنظل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
بات الفرزدق يستجير لنفسهوعجان جعثن كالطريق المعمل
أين الذين عددت أن لا يدركوابمجر جعثن يا بن ذات الرّمل
أسلمت جعثن إذ تجر برجلهاوالمنقري يدوسها بالمنشل
تهوى استها وتقول يا لمجاشعومشق نقبتها كعين الأقبل
لا تذكروا حلل الملوك وأنتمبعد الزبير كحائض لم تغسل

[ص]

ما كان ينكر في يدي مجاشعأكل الخزيز ولا ارتضاع الفيشل

حكي أنه ممن كان محمد بن عبد الرحمن خليفة الأندلس يلحقه برعايته، ويلحظه بعنايته، وكان قد سافر عنه مدة أطال شقّتها، وحمل وقر أعبائه شقتها، ثم آن له العود إلى ذلك النديّ، وقرب بحيث شم سوابق عرفه الندي، ولم تبق

إلا مرحلة يقطعها وسوط مطية تمتد به أذرعها، فهاجه قرب الدار إليه شوقا، وطار به إليه سوقا، فصنع لحنا من شعر الحسين بن مطير:

ولما تنكبنا الكثيب وأطلعتلنا السدة العلياء قلت لصاحبي
ألا فانشرح صدرا فلم تبق بينناوبين المنى إلا كناخة راكب

ورفع ببيتيه عقيرته تغنى في النداء، وصاغه بين غناء الركبان والحداء، وسمعها في النفر من منه حفظها، وأداها كما منه تلفظها، فما أتى وضيح باب محمد بن عبد الرحمن إلا وقد سبق بها الخبر إليه، كأنما ألقتها الريح في أذنه، فحين دخل عليه، قال له: لينشرح صدرك، فلم يك قد كان بقي بينك وبين المنى إلا إناخة راكب، فهات الآن ما صنعت، فاندفع يغنّي فيه، ومحمد بن عبد الرحمن يميل حتى كاد يسقط عن السرير، ثم عجل له بتخت من القماش، وثلاث مئة من الدنانير.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.