من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
مهجة جارية الحكم
جارية تجلو القمر إذا غاب، ويحل ظبيها الكانس في غاب، تدني الرغاب، وتلهي بأشجان طربها السّغاب، هوى المتمني ورضى المختلي، لا يعدوها الاقتراح، ولا يعد لها حبيب وقت راح، إلى ذكاء وفطنة لا تقتدحها خواطر النساء، ولا يقترحها الفحول على الخنساء، لو مرّ بها ذو الرمّة لما كان سواها عليه ينفق، ولا وصف غيرها هانئ ينفق.
ولها أصوات منقولة مشهورة: [ص]
سأعرض عما أعرض الدهر دونهوأشربها صرفا وإن لام لوّم
فإني رأيت الكأس يا سلم خلةوفت لي ورأسي بالمشيب معمم
وصلت فلم تبخل علي بوصلهاوقد بخلت بالوصل تكنى وتكتم
ومن صارم اللذات إن خان بعضهاليرغم دهرا ساءه فهو أرغم
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه.
وكذلك صوتها وهو مما اقترح الحكم أن تغني فيه:
ألا زارت وأهل منى هجودوليت خيالها بمنى يعود
حصان لا المريب لها خدينولا تفشي الحديث ولا ترود
ونحسد أن نزوركم ونرضىبدون البذل لو رضي الحسود
فلا بخل فيوئس منك بخلولا جود فينفع منك جود
شكونا ما علمت فما أويتموبا عدنا فما نفع الصدود
هوى بتهامة وهوى بنجدفلبّتني التهائم والنجود
والشعر لجرير، والغناء فيه.
وحكي أن بعض جواريه سألته في الخروج إلى بعض متنزهات قرطبة النائية، فأذن لها على كره منه لفراقها، ثم قال: والله لا تذهبين حتى أراك عندي الليلة كلها، ثم أحضر جواريه الغناء، وقضى معها ليلة متلألئة السناء، فلما صدح الصباح وفتح النهار بابا كان في الليل مرتجا، أزمعت الجارية على الخروج، وقد قدمت المراكيب، وجاء الصبح بموعده القريب، أخذ الحكم كالأفكل وعلاه النحيب، ثم أنشد متمثلا، قول ذي الرمة:
أفي الدّار تبكي أن تحمّل أهلهاوأنت امرؤ قد حكّمتك العشائر
وجعل يردد هذا البيت، وقال لجواريه: أيّتكنّ سبقت إلى عمل لحن في هذا البيت وما يضمّ إليه، فلها حكمها، فابتدرت مهجة وغنّت، ثم سوّغها الحكم ما تمنّت، والصوت:
أفي الدار تبكي أن تحمل أهلهاوأنت امرؤ قد حكمتك العشائر
فلا ضير أن تستعبر العين إننيعلى ذاك إلا جولة الدمع صابر
وإن لامني ياميّ من دون صحبتيلك الدهر من أحدوثة النفس ذاكر
وأن لا ينال الركب تهويم وقعةمن الليل إلا اعتادني منك زائر
والصوت من قصيدة من غرر ذي الرّمة. ومنها:
لقد نام عن ليلي لقيط وشاقنيمن البرق علوي السناء مياسر
أرقت له والثلج بيني وبينهوحومان حزوى فالحمول البواكر
أجدّت بأغباش فأضحت كأنهامواقر نخل أو طلوح نواضر
وتحت العوالي والقنا مستظلةظباء أعارتها العيون الجآذر
هي الأدم حاشا كل قرن ومعصموساق وما ليثت عليه المآزر
وغبراء يحمي دونها ما وراءهاولا يختطيها الدهر إلا مخاطر
قطعت بخلقاء الدفوف كأنهامن الحقب ملساء العجيزة ضامر
إذا القوم راحوا راح فيها تقاذفإذا شربت ماء المطي الهواجر
وماء تجافى الغيث عنه فما بهسواء الحمام الحضّن الخضر حاضر
وردت وأرداف النجوم كأنهاوراء السماكين المها واليعافر
على نضوة تهدي بركب تطوّحواعلى قلص أبصارهن غوائر
وحكي أن الحكم اقترح عليها أن تصنع صوتا في شعر أبي تمام.
وهذا هو:
أنا ابن الذين استرضع المجد فيهموسمي فيهم وهو كهل ويافع
مضوا وكأن المكرمات لديهملكثرة ما وصّوا بهن شرائع
فأي يد في المجد مدت فلم تكنلها راحة في مجدهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ مالنافضاع وما ضاعت لدينا الصنائع
[ص] فصنعت في ثقيل الرمل فلم تقع في نفسه بموقع فقالت:
سأصوغ له لحنا غير هذا، فقال: هيهات قد تكدّر عليّ صفوه، ولكن انظري شيئا تصنعين فيه سواه، فصنعت في قول أبي تمام:
جرى حاتم في حلبة منه لو جرىبها القطر قال الناس أيهما القطر
فتى ذخر الدنيا أناس ولم يزللها باذلا فانظر لمن بقي الذخر
فمن شاء فليفخر بما كان من ندىفليس لحي غيرنا ذلك الفخر
جمعنا العلى بالجود بعد افتراقهاإلينا كما الأيام يجمعها الشهر
فلما تغنّت به اهتز الحكم حتى كاد يخرج عن السرير، وقال لها: أحسنت والله وأجملت وزدت على ما في أمنية نفسي، وأمر لها بمائة دينار لكل بيت، فقامت بأربع مئة دينار.
وجمع الحكم يوما جواريه وأمرهن أن يغنين في شعر الفرزدق:
وقالوا إن عرضت فأغن عنادموعا غير راقية السجام
وكيف إذا رأيت ديار قوموجيران لنا كانوا كرام
أكفكف عبرة العينين منيوما بعد المدامع من لمام
فعملن فيه أصواتا أخذن ألحانها، وأقمن أوزانها، وكانت مهجة أوقعهن على ما في نفسه، فقال لها: اقترحي حكمك، فقالت: أن لا يغنين إلا من أصواتي، فأمرهن بذلك، وأمرها بأن تلقي عليهن حتى حفظن ذلك عنها ثم غنينه ذلك اليوم بأصواتها، فأجزل صلتها ووصل سائرهن.
وهذا الصوت من قصيدة هجا الفرزدق فيها جريرا، ومدح هشام بن عبد الملك، فمنها في هجاء جرير:
وبيض كالدمى قد بت أسريبهن إلى الخلاء عن النيام
مشين إلي لم يطمثن قبليوهن أصح من بيض النعام
وبتن لدي فيه مصرعاتوبت أفض أغلاق الختام
[ص]
كأن مغالق الرّمان فيهوجمر غضى قعدن عليه حام
ومنها في مدح هشام:
يقول بنيّ هل لك من رحيللقوم منك غير ذوي سوام
فينهض نهضة لبنيك فيهاغنى لهم من الملك الشآمي
أقول لناقتي لما ترامتبنا بيد مسربلة القتام
أغيثي من وراءك من ربيعأمامك مرسل بيدي هشام
يدي خير الذين بقوا وماتواإمام وابن أملاك عظام
إلام تلفّتين وأنت تحتيوخير الناس كلهم أمامي
متى تردي الرصافة تستريحيمن التهجير والدبر الدوامي
ويلقى الرحل عنك وتستغيثيبغيث الله والملك الهمام
وحبل الله حبلك من يذلهفما لعرى يديه من انفصام
يداك يد ربيع الناس فيهاوفي الأخرى الشهور من الحرام
وإن الناس لولا أنت كانواحصى خرز تبدّد من نظام
وليس الناس مجتمعين إلالخندف في المشورة والخصام
وبشرت السماء الأرض لماتحدثنا بإقبال الإمام
إلى أهل العراق وإنما همبقايا مثل أشلاء الرمام
أتانا زائرا كانت علينازيارته من النعم الجسام
فجاء بسنّة العمرين فيهاشفاء للصدور من السقام
رآك الله أولى الناس طرابأعواد الخلافة والسلام
رأيت الظلم لما قام جذتعراه بشفرتي ذكر حسام
إذا ما سار في أرض تراهامظللة عليه من الغمام
وفي هذه القصيدة أبيات طائلة في وصف الناقة والسير، وهي:
تزف إذا العرى قلقت عليهازفيف الهادجات من النعام
[ص]
كأن أراقما علقت يداهامعلقة إلى عمد الرخام
كأن العنكبوت تبيت تبنيعلى الأشداق من زبد اللغام
رجوف الليل قد بقيت وكلتمن الآداب فائرة النعام
فما بلغت بنا إلا جريضابنقي في العظام وفي السنام
كأن النجم والجوزاء يسريعلى آثار صادية أوام
كأن العيس حين أنخن هجرامفقأة نواظرها سوامي
ومن أصواتها في شعر ابن الدمنية هذا:
لقد كان في الهجران لي أجر لقدمضى الأجر لي في الهجران منذ زمان
فو الله لا أدري أكل ذوي الهوىعلى ما بنا أم نحن مبتليان
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع