من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
رغد جارية المغيرة بن الحكم
جارية لم تكن أيام وصلها هي العيش لما سميت رغدا، ولا جعلت لليوم غدا، متعت القلوب بصفاتها، وجمعت بين العيون وإغفائها (؟)، ووصلت إلى البقية الأموية، وقد سلبوا رداء الخلافة، وقربوا من [ص] ردى الهلك، فأحيت الذماء، وأحرزت الدماء، فكانت تضيء في مجالس القوم إضاءة الشّمع المتقد، وتجلس من تعنت المنتقد، إلا أنها كانت حاكمة على المغيرة، لو كلفته بذل نفسه لما بخل، أو ألجأته إلى ما دخل فيه الوليد لدخل، حتى كادت تكون المبيرة، وتنهب غاراتها لبّ المغيرة، ويحكى عنها كمال أدب كانت أتقنته، وإتقان طرب حسنته، وتمام جمال أوتيت منه أوفر الحظوظ، وأوفى ما يرى من الحسن الملحوظ، وفضل أدوات وإجادة في شعر وأصوات.
شعرها الذي لحنته
أين أيامنا بجلق أيناكان ذاك الزمان للدهر عينا
شتتونا وأسهروا كل عينلا تهنّا العادي ولا قر عينا
ومن أصواتها المشهورة
إذا قمن أو حاولن مشيا تأطراإلى حاجة مالت بهن الروادف
فلما هممنا بالتفرق أعجلتبقايا اللبانات الدموع الذوارف
فأتبعتهن الطرف متّبل الهوىكأني يعانيني من الجن طائف
وكل الذي قد قلت يوم لقيتكمعلى حذر الأعداء للقلب شاعف
والشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء فيه في الثقيل الأول.
[ومن أصواتها]:
لقد هاج هذا القلب عينا مريضةأجالت قذى ظلّت به العين تمرح
صحا القلب عن سلمى وقد برحت بهوما كان يلقى من تماضر أبرح
إذا سايرت أسماء قوما ظعائنافأسماء من تلك الظعائن أملح
تقول سليمى ليس للبين راحةبلى إن بعض البين أشفى وأروح
والشعر لجرير، والغناء فيه في الرمل المزموم، وهذه قصيدة هي من قلائده أولها:
أجدّ رواح الحي أم لا تروّحنعم كل من يعنى بجمل مبرّح
[ص]
إذا ابتسمت أبدت غروبا كأنهاعوارض مزن تستهل وتلمح
ومنها في وصف السير في وقت قيظ:
أعائفنا ما ذا تعيف وقد مضتبوارح قدام المطي وسنّح
نقيس بقيات النطاف على الحصىوهن على طي الحيازيم جنّح
ويوم من الجوزاء مستوقد الحصىتكاد صياصي العين منه تصيّح
شديد اللظى حامي الوديقة ريحهأشد لظى من شمسه حين تصمح
نصبت له وجهي وعنسا كأنهامن الجهد والإسآد قرم ملوح
ومن أصواتها:
إنا محيّوك فاسلم أيها الطللوإن بليت وإن طالت بك الطول
إني اهتديت لتسليم على دمنبالغمر غيّرهن الأعصر الأول
فهن كالحلل الموشي ظاهرهااو كالكتاب الذي قد مسه بلل
كانت منازل منا قد نحل بهاحتى تغير دهر خائن خبل
أمست عليّة يرتاح الفؤاد لهاوللرواسم فيها بيننا عمل
والعيش لا عيش إلا ما تقر بهعين ولا حال إلا سوف تنتقل
والشعر للقطامي عمرو بن شييم بن عمرو التغلبي، والغناء فيه، وهو هذه الأبيات من كلمة له طويلة طائلة، أغار مسلم بن الوليد على سرحها، وجهد نفسه حتى اطّلع على صرحها، ومنها:
والناس من يلق خيرا [قائلون] لهما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
قد يدرك المتأني بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
ومنها في وصف الأينق:
حتى ترى الحرة الوجناء لاغبةوالأرحبي الذي في خطوه خبل
خوصا تدير عيونا ماؤها سربعلى الخدود إذا ما اغرورق المقل
[ص]
يرمي الفجاج بها الركبان معترضاأعناق بزّلها مرخى لها الجدل
لواغب الطرف مثقوبا جوانبهاكأنها قلب عادية مكل
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلةولا الصدور على الأعجاز تتكل
يتبعن سامية العينين تحسبهامجنونة أم ترى مالا ترى الإبل
ومن أصواتها المشهورة:
تغن بريّا يا بن سعد فإنماتلام على الصمت النساء الحرائر
غناء يظل الجود منه كأنماعلى رأسها من سورة السمع طائر
والشعر للصمّة بن عبد الله القشيري، والغناء فيه:
لا النوم أدري به ولا الأرقيدري بهذين من به رمق
إن دموعي من طول ما استبقتكلت فما تستطيع تستبق
ولي مليك لم تبد صورتهمذ كان إلا صلّت له الحدق
نويت تقبيل وجنتيه وخفت أدنو منهما فأحترق
والشعر للصنوبري، والغناء فيه ثاني الرمل.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع