تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

فاتك جارية الحكم بن هشام

عقلية حجب، وعقيدة نجب، بيضاء حمراء، غراء قمراء، فاتر لفظها، فاتك لحاظها، اكتنفتها الستور الأموية، وكفتها أن يعدل معها أحد بالسوية، ورقت تلك السرور، وراقت لها نطف تلك الغدر، وكانت زهرة زهراتها، وثمرة سرّائها.

وحكي أنها بلغت من الأدب ما أنطق لسانها، وحقق إحسانها، وولعت بصناعة الغناء حتى كانت بأفق الأندلس بدل بدل، ونظير ما ضرب به مثل مثل، وأمل المقترح وزيادة على أمل، أكثر ماله للقدود من نوافح الصباء، وسوافح الأنواء.

ومن أصواتها:

أمن رسم كلد مربع ومصيفبعينيك من ماء الشؤون وكيف
تذكرت فيها الحي حتى تبادرتدموعي وأصحابي علي وقوف

[ص]

يقولون هل يبكي من الشوق حازموإن بان حبّ بالنوى وأليف
فلأيا أزاحت علتي ذات منسمنكيب لها إثر الفراق وجيف

والشعر للحطيئة وفيه تحريف كلم، والغناء فيه من المزموم.

ومن تمام هذا الشعر:

إليك سعيد الخير جبت مهامهايقابلني آل بها وتنوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
فلولا الذي العاصي أبوه لما ثوتبحوران مذعان العشي عصوف
وذاك أصيل اللب غض شبابهكريم لأيام المنون عروف
إذا هم بالأعداء لم تثن همهحصان عليها لؤلؤ وشنوف
حصان لها في البيت زي وبهجةومشي كما تمشي القطاة قطوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
ولو شاء وارى الشمس من دون وجههحجاب ومطوي السراة منيف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
ولكن إدلاجا بشهباء فخمةلها لقح في الأعجمين كشوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
إذا قادها للموت يوما تتابعتألوف على آثارهن ألوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
فصفوا وماذي الحديد عليهموبيض كأولاد النعام كثيف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»
خفيف المعى لا يملأ الهم صدرهإذا سمته الزاد الخبيث عيوف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»

وحكي أنّ الحكم دخل عليها وهي نائمة، وقد كحّلت أجفانها بسباتها، وصقل صفائح وجناتها، وقد وسّدها سكر الدلال اليمين والشمائل، وجلا منها اطّراح اللثام ما تحت الخمر والغلائل، وقد كلل الجبين لؤلؤ العرق، واجتمع الحسن فيها كما اتفق، فاختلس منها قبلة، أكل بها ما وجد من الحلاوة في صحن خدها، ثم ضمها إليه ضمة دخل بها بين ترائبها وعقدها، وهي لا تتيقظ، كأنها مخمورة، ولا تنفك من يده كأنها مأسورة، ثم لم يزل يقبلها في مضجعها ويقلّبها ولا يرثي لتفجّعها، حتى ذبل ورد مراشفها، وانتهب عناقيد سوالفها، فانتبهت كأنها ظبية مذعورة، وقامت تهتز مثل غصن بان ممطورة، ثم قالت: [ص]

من أباح التّقبيل واللّثم خدّيفجنى ريقتي وذبّل وردي
ليت من جاء آخر الليل نحويكان حبّي من أوّل الليل عندي

فقال الحكم: لله أنت إذ قمت ولله أنت إذ قلت، ثم أمرها فغنّت فيها، ولم تزل تردد الصوت ويستعيده ويستطيبه ويستجيده حتى كان ذلك لها يوما معدودا، وعيدا لا عيب فيه، إلا أنّا لم نره مشهودا.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.