من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سعدى جارية المعتمد بن عباد
وكانت جارية يسعد بها ضجيعها، وينعم ولو ورد مدامعه نجيعها، فاتنة
الطرف كأنها مهاة، أو أمنية مشتهاة، لو تجلت لمحيي البدر سافرة لتبرقع، أو لمرأى الشمس لأمتع، لو طرقت جريرا لما قال ارجعي بسلام أو لاقت جميلا لما قنع بالكلام، أو كانت في عصمة ابن ذريح لما أطاع فيها أباه، أو لاحت لابن الملوح لنسي ليلى حتى إنها لم تمثل بكل سبيل إليه، زادت ملك ابن عباد حسنا، وطلعت في سمائه القمراء وأسنى.
ولها أصوات بها تغني، فمنها:
لولا عيون من الواشين ترمقنيوما أحاذره من قول حراسي
لزرتكم لا أكافيكم بجفوتكممشيا على الوجه أو سعيا على الراس
والشعر للمعتمد، والغناء فيه.
وحكي أن المعتمد عزم على إخراج حظاياه من بلد إلى آخر، فخرجن في أول الليل كأنهن النجوم الطوالع، وخرج [ص] يشيعهن وقلبه لأمر صبره
غير طائع، فسايرهن ليله كله، حتى قوض بناء الليل، وأقبل الصباح في كتيبته الشهباء مبّتوث الحيل، فرجع وقد صدعت أحشاؤه مغارب تلك النجوم، وأغرت مقلته سحائب تلك الدموع السجوم فقال:
سايرته والليل غفل ثوبهحتى تبدى للنواظر معلما
فوقفت ثمّ مودّعا وتسلمتمني يد الأصباح تلك الأنجما
ثم بعث بها إلى سعدى وأمرها أن تغني منها صوتا، فغنت فيه.
ومن أصوات سعدى المشهور لها:
إن الذي هامت به النفسعاودها من سقمها نكس
كانت إذا ما جاءها المبتلىأبرأه من كفها اللمس
وا بأبي الوجه الجميل الذيقد حسدته الجن والإنس
إن تكن الحمى أضرت بهفربما تنكسف الشمس
والشعر للعباس بن الأحنف، واقترحه المعتمد عليها.
وقد دخل على جارية له، رآها مدنفة مصفرة لتوالي الحمى، قد امتقع بالصفرة بياض صفحتها، وردّى الغيار محاسن لمحتها، فبرزت كالشمس في الكسوف، والقمر في الخسوف، ولوحه هجير الحمى، ثم فارقها ووجهها كأنه الدينار المشوف، وكان المعتمد لا يزال على جواريه يقترح، ولأزندة خواطرهن يقتدح.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع