من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وأما أبو محمد عبد الله بن عمر بن محمد الفياض، كاتب سيف الدولة
فكان يكتب في ماله، بل كان الممول له، والمخول في كل ما ملك؛ وكان يعجن مداده بالمسك، ولا يليق دواته إلا بماء الورد؛ وكان شعلة لا تطفى، وبارقة لا تخفى، بذهن متقد، وفكر منتقد؛ إلا أن مادته مقصورة، وجادته محصورة، وبدائعه كثيرة، على قلتها يسيرة، إذا قيست إليها النجوم بجملتها، أرضى سيف الدولة بن حمدان، وأمضى عزائم رأيه وقد نعس الفرقدان، فتقدم أمام الكتاب ولواؤه منصور، وعدوّه ببيانه كالليل بالكوكب الدري منحور.
وله نثر، منه قوله:
وقد علم الدمستق مواقع سيوفنا منه، وأيامنا الماضية معه، وأنه ما تحامل إلينا إلا على ظلع، ولا أقبل حتى رجع، وها نحن ننشده إمّا القطيعة، وإما الوقيعة، والسلام.
ومنه قوله:
وأنتم أحوج إلى طلب الفداء لأساراكم منا إليه، وأجدر إذا استهمت رماح الجبلين عليه؛ لأنكم تربعون به تكثرا من قلة، وتعززا من ذلة؛ ولسنا كذلك، إنا لا نأسف على من نقص من عدد، ولا نبالي بمن أمسك من مدد، ثقة بما عوّد الله من النصر، وأتى من الأجر بالصبر.
ومنه قوله:
وردنا والأرض كأذناب الطواويس، والطير زجلة كأصوات النواقيس، وقد اهتز الشجر، وكلل النبات المطر، والطّرف قد رنح كالطّرف في تلك الميادين، والنسيم قد ضمخ من شذا تلك البساتين، فلم تكن لنا أمنية إلا أن نراك، ونثري بلقائك سقي ثراك.
ومنه قوله:
وقد أجّلتنا يومين وهذا ثالث، وأعطيتني عهدين وكنت الناكث؛ فهل ابتدعت ما أتيت، أو كان لك عليه باعث؟
فيا قسيم روحي، ويا نسيم صبوحي، ها قد آن الغبوق، إلاّ أنه يقرقف مرشفيك وكأس عينيك؛ ووالله لا شربت إلا على آس عذارك وورد خديك؛ فابرر قسمي، ورد الجواب من فمك إلى فمي.
وسيأتي ذكر أبيه في الشعراء، وبه كانت لابنه هذه المكانة من سيف الدولة، وكلاهما - أعني هذا وأباه - ذو تيه وصلف، وكلاهما من صاحبه خلف.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع