تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

وأما الحريري: أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، صاحب المقامات

فإنه فيما سواها، ما قاربها ولا داناها؛ حتى عجز عند الامتحان، عن كتابة كتاب أمر به على ما وشّع من تلك المقامات، ووسع من تلك المقالات؛ وبرع في ذلك المذهب، وعرف له من الحريري المذهب؛ هذا والدهر من دواته، والناس سواء

في عدم مساواته؛ وهو مادة أهل الأدب، والذي ينسلون إليه من كل حدب، إلا أنه لم يقدر أن يكون مكلّفا، ولا استطاع أن يكون لغير أمالي خاطره متلقفا؛ وهذا مذهب غير مذهب كتاب الإنشاء المكلفين اتباع غرض غيرهم، حتى يقسروا خواطرهم على ذلك؛ على أن الرجل فضله عظيم، ومثاله الدهر به عقيم، وقدره جليل، ونظيره قليل؛ منبع الفضائل ونبعتها، وصيت الفواضل وسمعتها؛ توقته الأعداء سماما، وألقته الأولياء سهاما؛ وكان معدن [كلّ] نائل، وموطن كل طائل؛ باري غرب يريش ويبري، ويجيش قليب خاطره ويجري، أبرز مالم يستطعه الأوائل، وأحرز قصبات السبق على كل قائل.

وكان سبب وضعه لمقاماته، ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله، قال:

كان أبي جالسا في مسجده ببني حرام، فدخل عليه شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، رثّ الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة؛ فسألته الجماعة من أين الشيخ؟ فقال: من سروج؛ فاستخبروه عن كنيته، فقال: أبو زيد؛ فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية وهي الثّامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت، فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنو شروان بن خالد القاشاني وزير المسترشد [بالله]؛ فلما وقف عليها أعجبته، وأشار إليه أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة؛ وإلى الوزير المذكور أشار الحريريّ في الخطبة: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع.

قال ابن خلكان: ورأيت في سنة ستّ وسبعين وستّمئة بالقاهرة، نسخة مقامات بخطّ الحريريّ، وقد كتب أيضا بخطّه على ظهرها، أنه صنّفها للوزير جلال الدين عميد الدّولة [أبي علي، الحسن بن أبي العز علي بن صدقة] وزير المسترشد أيضا. قال ابن خلكان: ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى، لكونه بخطّ المصنّف، والله أعلم.

وأما تسمية الراوي بالحارث بن همام، فإنما عني [به] نفسه، وهو مأخوذ من قوله ﷺ: «كلّكم حارث، وكلّكم همّام»، فالحارث: الكاسب؛ والهمام: الكثير الاهتمام، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام، لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره.

وكان الحريريّ قد عمل من المقامات أربعين مقامة، وحملها إلى بغداد وادّعاها، فقال جماعة من أدباء بغداد: ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها؛ فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشئ؛ فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيّنها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة، ومكث زمانا، فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان؛ وكان من جملة من أنكر دعواه أبو القاسم عليّ بن أفلح، فأنشد:

شيخ لنا من ربيعة الفرسينتف عثنونه من الهوس
أنطقه اللّه بالمشان كمارماه وسط الدّيوان بالخرس

وكان الحريريّ يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكر، وكان يسكن في مشان البصرة؛ فلما رجع إلى البصرة عمل عشر مقامات أخر وسيرهنّ، واعتذر من عيّه وحصره بالدّيوان، مما لحقه من المهابة.

وللحريريّ عدة تصانيف طريفة لطيفة، كدرة الغواص، وملحة الإعراب؛ ويقال: إنه عملها لجواري الخليفة، فكن يحفظنها ويقمن ألسنتهنّ بها. قلت:

وهي بما حوت من العلم سهلة المأخذ، كأن شعرها غزل؛ ولو لم يكن منه إلا قوله:

ولن يطيب الوصل حتّى تسعدييا هند بالوصل الذي يروي الصّدى

وله نظم ونثر في غير المقامات، ومنها قوله نثرا:

ولما استخدم الخادم فيما أهّل له آنفا، اعتمد في الخدمة ما يتهيب قلمه الإفصاح عنه، ويعرف بأن سعادة الديوان العزيز هي التي سنّت ما تسنّى منه، وتقدّم له الوعد بأنه عند تصفح مساعيه، يمنح من المساعفة بما يرتجيه، ولم يقدم قلمه على التذكير بالوعد الشريف، إلا بعد ما أنطقه لسان التوفيق للخدمة، وكفل له بمزيد الحظوة من النعمة؛ فإن اقتضت الآراء العلية إنجاز

موعده، كان ذلك إنعاما يقع عند معترف بوقعه، مستنفذ في الطاعة غاية وسعه.

ومنه قوله:

لولا خبرتي بفضله السائر، وإنعامه المنجد الغائر، لاستربت فيما يحكي، وامتريت فيما يروي؛ ولكن ما خلا عصر من جواد ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ فإنه - أبقاه الله - وإن تصرفت الأحوال، وتشعبت الأقوال، كالغمام لا يقطع سقياه، ولا يستطيع أحد برد حياه؛ وللرأي الشريف مزيد علوه في الإنعام، بتأوّل ما أوضحته، والتّطوّل بما اقترحته.

ومنه قوله:

رزء تساهم فيه الأنام، وأظلمت ليومه الأيام، واستغرب عنده الحمام، وعزّي فيه الدهر بكافل أبنائه، وندب فيه شقيق السحاب، فاستعبر بدموع أنوائه.

ومنه قوله:

وصل من المجلس - أكمل الله سعوده وأكمد حسوده - كتاب اتسم بالمكرمة الغرّاء، وابتسم عن النعمة العذراء؛ ووجدت بما ألحف من الجميل، وأتحف من التجميل، ما كانت أطماعي تهفو إليه، وآمالي تحوم حواليه؛ إذ ما زلت مذ استميلت وصف المناقب الشريفة، أبعث قلمي على أن يفاتح، وأن يكون الرائد لي والماتح، وهو ينكص نكوص الهيوبة، وينكل نكول الكهام عن الضريبة، إلى أن بديت وهديت، ورأيت كيف يحيي الله ويميت، فلم يبق بعد أن أنشط

العقال، واستدعي المقال، إلا أن أنقل التمر إلى هجر، والهشيم إلى الشجر، فأصدرتها متشحة بالخجل، مرتعشة من الوجل، وأنا معترف بالتقصير، معتذر باللّسان القصير، «ولكلّ امرئ ما نوى»، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾.

ومنه قوله:

ولعلّ الأيام تسمح بمتعة الملاقاة، فاجعلها غرّة الأوقات، وأعظمها كتعظيم حرمة الميقات؛ وهو إذا أتحفني بسطرين في كل شهرين، يكون قد أمطاني رتبة تضاهي النسرين، وأولى نعمة تبقى على العصرين.

ومنه قوله يهنئ بشهر رمضان:

أنت في النّاس مثل ذا الشّهر في الأشهر بل مثل ليلة القدر فيه
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

أسعد الله المجلس بمقدم هذا الشهر، ومطلع هلاله المنيف؛ وهذا دعاء - لو سكتّ - كفيته، وسؤال - ولله الحمد - أوتيته.

ومنه قوله:

إذا كانت المودات - حرس الله عز سيدنا - أنفس المرام المخطوب، وأنفع ما اقتني لدفع الخطوب، فلا لوم على من استسعى قدمه لخطبتها، واستعلق قلمه لطلبتها، لا سيما إذا كانت تعجب المتأمل، وتسعف المؤمّل؛ هذا وأنا مع المغالاة في الموالاة، وعلى هذه الصّفات من المصافاة، أعترف بوجوب معاتبتي، لقصور مكاتبتي، وأعتذر من عظيم هفوتي لتمادي جفوتي، ولولا أن لمفاتحة حضرته

وقفة المتهيب، وخجلة القطر من الصّيّب، لما استهدف قلمي لمرام الملام، ولاستنكف أن يكون سكّيتا في حلبة الأقلام؛ وها هو الآن قد أقدم إقدام الوقاح، وتعرض للافتضاح؛ فإن رزق بالقبول تحسينا، أو بمصافحة يده تزيينا، فقد فاز فوزا عظيما، وحلّ محلا كريما، وأنى له؟ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ فما قيل إلا بما هو له أهل:

ولربما استيأست ثم أقول: لاإنّ الذي استشفعت منه كريم

ومنه قوله:

ولم يزل الخادم يستملي من أنباء الكرام الطاهرة، والفضائل المتظاهرة، ما يودّ لو سعد برؤيته، وقرب إسعاده في روايته، ويوقن معه أن الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ويخص بكراماته؛ وقد أقدم الآن بعد إحجامه في استخدام أقلامه، فإن رزق من الإيجاب الشريف ما يحقق التأميل، فهو المظنون في كرمه البديع وطوله الوسيع؛ والآن فللخادم حرمة من أحرم وقصر، وطلب النّصرة فلم ينصر؛ والله تعالى لا يخلي المجلس من تناديه، واسترقاق الأحرار بأياديه.

ومنه قوله:

سطرها الخادم وهو منتسك بالولاء الذي يتمسك بحبله، والدعاء الذي هو جهد مثله، والثناء على صنائعه، التي طالما أبكى بها وأضحك الأجيال؛ وقصده أن يتعمد بعواطفه التي تحقق الأمل، ومجازاته على حسب النية لا العمل.

ومنه قوله:

أصدرت هذه الخدمة، واليد تنكل عن مطاوعة القلم، لهذه النازلة التي أصم

نعيها المسامع، وهون وقعها الفجائع:

فلا قلب إلا قد تباين صدعهولا عين إلاّ وهي تذرف بالدّم

ومنه قوله:

وهنأ بالنجاح كل من غشينا إلى ضوء ناره، وانتجع صوب أمطاره، وسمع أخبار كرمه فاهتدى إلى قصد الكريم بأخباره.

ومنه قوله:

وحبس عليه المدائح التي حازها بالاستحقاق، واستخلصها بكلمة الاتفاق.

ومنه قوله:

وما زال متصفا من الكمال بما لا يقبل معه مزيدا، ولا يستطيع خلق لملابسه تجديدا، خلقا دان الخلق لمعجزاته، وقصرت الأفعال عن تحقيق صفاته، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.

ومنه قوله:

واشتاق إلى تلك الألفاظ المعسولة، والمعاني المشمولة، التي تميل بأعطافها نشوة الفصاحة، وتفتر عن محاسنه شفاه الرجاحة، فلا جرم أنها قد شغلتني أن أنطق بمنثور ملقّح، أو منظوم منقّح.

ومنه قوله:

وكتب الخادم هذه الخدمة أواخر شعبان، عظم الله لدى مولانا ميامن تقضّيه، وبركات ما يليه؛ جعل الأيام كلها مواسم مسارّه، وصحائف مبارّه، ومعالم مآثره الحسان وآثاره.

ومنه قوله:

من شيم السادات، حفظ العادات، فما بال سيدنا أغلق باب الوصال بعد فتحه، وأصلد زند الإيناس عقيب قدحه، وأوردني أولا شريعة بره، ثم أجلاني عن شاطئ بحره، بما كان لملل فأنا أنزهه منه، أو لزلل فأستغفر الله منه؛ ولعل سيدنا يعود إلى عطفه الكريم، ويروح قلبي بمؤانساته الأرجة النسيم؛ وإذا تكرم عند عرض ما كتبته بما تحسن به الجلوة، وتجلب به الحظوة، شكرت العارفة الحلوة.

ومنه قوله:

جعل الله الدولة القاهرة مونقة النضارة، مشرقة الإنارة، ممنوحة الإطالة، مهروجة الإبالة؛ ولا أخلاها من مأثرة تروى عنها وتؤثر، ومنقبة تذكر على تعاقب الأزمنة وتشكر؛ ولا زالت ممطرة الأزمنة، حالية بالمناقب البينة، متلوة الأوصاف بجميع الألسنة، مبثوثة المدائح بكلّ الأمكنة؛ وأسبغ على أقطار البلاد من عواطفها ما أضحك مباسم الظنون، وحل كالغيث الهتون؛ ولا برحت أيامها

ممتدة المدة، محتفة بالتهاني المستجدة، وأورف ظلّها على الخلق، وأعلى كلمتها القائمة بنصر الحقّ، ما دارت الشهب، ودرت السّحب، وشهرت القضب، ونشرت الكتب، واستهلّت الأهلّة، واستهلّت الأنواء المنهلّة.

ومنه قوله:

وصل إلى العبد ما أهّل له، من مدارع التشريف الذي أحيا رمّته، وجلّى غمتّه، واتخذه فخرا لأعقابه، وذخرا لمآبه؛ وهو يرجو أن يقابل مواقع النعمة، بما يجب من الشكر بلسان الخدمة، وسيتضح من مساعي الخادم ونصائحه، تأثير شكر جوارحه.

ومنه قوله:

ولو أن أنفاسي أصبن بحرّها[حديدا] إذا كاد الحديد يذوب
ولو أن عيني أطلقت من بكائهالما كان في عام الجذوب جذوب

بي من الاشتياق إلى خدمة ما يصدع الأطواد، فكيف الفؤاد؟ ويهوي بالجبال فكيف البال؟ ولولا التعلّل بترجّي الالتقاء لقيل عنه: لك يا مولانا طول البقاء، إلا أنه يستدفع الخوف بسوف، ويزجر الأسى بعسى ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾.

ومنه قوله:

المراتب تتفاضل مراقيها بتفاضل راقيها، وتتفاوت معاليها بتفاوت من يليها، ولولا ما يعلمه سيدي من وظائف الخادم في التوفير على الدّعاء، لما سبقه إلى

الخدمة قدم، ولا ترجم عن تهنئته قلم، فمتعه الله بما وهبه من المعالي، وأحله من مقاماتها في المكان العالي، وبارك له في وصل عقيلتها التي تغتبط بوصله، وتقول: الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله؛ وهو أعزّه الله يجلّ قدره أن يهنأ برتبة وإن علت، ويرخص عنده قيمة كل خطوة وإن غلت؛ فليهن الأنام ما تجدد له من المرتبة المنيفة الذرى، والمهابة التي خضعت [لها] أعناق الورى؛ والله لا يخليه من زيادة يستمدها، وتهنئة يستجدّها.

ومنه قوله:

وشكري لما أولى من مكارمه، توفي على شكر الروض الذابل، لصنيع الوابل، بل شكر من أطلق من أسره، وجبر بعد كسره؛ ولو نهض بالعبد القدمان، أو أسعده الزمان، لقصد الباب العالي ولو على الأجفان، وقام في زمرة المداح يتلو صحف الشكر باللّسان؛ ولما قصّرت به الخطوة عن هذه الحظوة، أقدم على أن يهدي الورق إلى الشجر، وبيض من مدائحه شعرا كبياض الشعر، هذا على أن ذنب المعترف مغفور، والمجتهد وإن أخطأ معذور.

ومنه قوله:

طالما شجع الخادم قلمه على إيضاح ولائه، فنكص إلى ورائه، وأحجم للتهيّب عن إنهائه، وقد أقدم الآن على أن أبان؛ فإن أسعد بجواب يبهج بتأمّله، فقد حصل على مؤمله؛ وإن رجع بصفقة الخائب، وطرد طرد الغرائب:

فلربما منع الكريم وما بهبخل ولكن سوء حظّ الطالب

ولعله يرفع الطرف، ويشرف في الجواب ولو بحرف، وعليه سلام الله ما حطت أقدام، وخطت أقلام.

ومن شعره:

قال العواذل: ما هذا الغرام بهأما ترى الشعر في خديه قد نبتا
فقلت: والله لو أن المفنّد ليتأمل السّحر في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبةفكيف يرحل عنها والربيع أتى

وقال، وقد أتاه رجل لسمعته، فلما رآه استزراه:

ما أنت أول سار غره قمرورائد أعجبته خضرة الدّمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجلمثل المعيديّ فاسمع بي ولا تزني

وأورد له عماد الدين الكاتب في «الخريدة»:

كم ظباء بحاجرفتنت بالمحاجر
ونفوس نفائسخدرت بالمخادر
ورثين لخاطرهاج وجدا لخاطر
وعذار لأجلهعاذلي فيه عاذري
وشجون تضافرتعند كشف الضفائر

فهذا مقدار كاف في القسم الأول، من مشاهير الكتاب الذين عظم صيتهم ولا غوص لهم.

فأما هذا الرجل - أعني أبا محمّد الحريري - فإنه - على ما رأيت أنموذج

كلامه هنا - قليل الغوص بخلف مقاماته، فإنه فيها كمن طلب الروض فجنى زهرها، وصعد السماء فاقتطف زهرها؛ وإنما تركت اختيار شيء له منها لشهرتها، ولأنها صارت كتابا بذاته، لا تعدّ في سلك ترسّلاته؛ وبينهما في حسن الكون، ما رأيت من هذا البون، على أن ما أوردت له من هذه الرسائل هي الفرائد التي لا تقوّم، والفوائد التي تعني من يتعلم، متماثلة في توفيه الأغراض، مغازلة كالجفون المراض، سهلة على فهم المتناول، قرمة لا تنالها يد المتطاول.

وأما القسم الثاني من أصحاب الغوص، فسنذكرهم على أن حكم أكثر الكتّاب القدماء حكم العرب، كلاهما له فضيلة السبق، وفتح الطريق؛ وحكم المتأخرين منهم حكم المولدين من الشعراء، في توليد المعاني والمجيء باللّطائف؛ وقد وشحوا صناعتهم بالاستعارات الصحيحة والتشبيه والاستخدام والتورية وأنواع البديع، وتناهوا في الدقيق والتنميق، وتباهوا في التخيّل والتخيير، وقيدوها بالأسجاع، ولزموها كالقوافي، فلم يعوزها من الشعر إلا الوزن فأخملوا الأوائل، وأخمدوا كل قائل، وأتّموا الفن وكمّلوه، وزينوا الفضل وجملوه؛ وهذا مكان للمغرب فيه مع المشرق مجال، وميدان له في فرسانه رجال، وهو في هذا غير ممنوع ولا مدفوع، لكنه فيما تقدم المئة الرابعة لا يذكر له في هذه الفتية فيئة، ولا تظهر له هيئة؛ ثم ما عدم في هذا الشأن ما أوهن زجاج حاسده، وأشرق بغصص الدمع شأن معانده؛ ولا نقول هذا على أن للغرب بهذا المزية على الشرق، ولا أنه سلّم إليه في هذا الحق، وإنما نحن بصدد إنصاف، وما يبعد فيما بين الغرب والشرق في هذه الفضيلة، ولا نجحد أن له بمن نعده هنا

وسيلة، وإلا فالمشرق من كتابه المتأخرين من اقتطف الزّهر والزّهر، وجر ردنه على المجرة والنهر، وأتى بما هو أضوع من العبير، وأضوأ من جبهة القمر المنير؛ وردوا غدر البلاغة فشربوا زرق نطافها، وساموا رياض البراعة وشرعوا في قطافها، فولدوا المعاني واخترعوها، وابتدؤوا أحسن الطرق وابتدعوها؛ وفتن الألباب كلامهم الدّرّ، ولفظهم الرقيق الحرّ؛ وأدعى قول نقوله للحقّ: إنّ من لدن المئة الرابعة وهلم جرا أهل المغرب في هذه الصناعة أكثر رجالا وأهل المشرق أبرع رجلا، وإنما أردنا بتقديم من قدمنا ذكره من الوزراء والكتّاب، وإن لم يكن ما يؤثر عنهم ممّا يناسب درّه كله نظم هذا السّحاب، لإثبات الفضل للشرق على الغرب في تلك المدد الطوال والسنين الخوال، فإن الشرق كان معمورا بمثل هؤلاء، والغرب قفر يباب أكتب من فيه نقول له: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتابُ﴾ على أن هؤلاء القدماء وإن لم يدخلوا في الغوص من هذا الباب، ولا أتوا باللّب اللّباب، فما فاتهم سابقة فضل في فضل، ولا قصّر بهم راية عن غاية، وفي أثناء ما ذكرناه دليل، لولا الاكتفاء به لبيناه مع سعة هذه المقدرة والتقدم في دول الخلفاء، والتقرب في خواطرهم إلى محل الاصطفاء، وما أجري لهم من الارزاق، أو جرى بهم من الأموال، وأقلها خزائن والإقطاعات، وأصغرها مدائن والنّفقات، وأهولها قناطير مقنطرة، والعطايا وبعضها جمل مستكثرة، والدولة الزاهرة وكانوا أطوادها، والصولة القاهرة وكانوا إذا رؤوا آسادها، والخلافة وكانوا عمادها، والإمامة وكانت أقلامهم سيوفها والسيوف أغمادها، والمفاخر وقد جمعوا شتيتها، والمآثر وقد استطابت على مطارف السّحاب مبيتها، واغتنام الأيام وصنائع ملكوا بها رقّ الأحرار، وأطافوا بها على الأكباد الحرار؛ فيا أيّها المباهي للمشرق بالمغرب، والمباهل في هذا الفضل المغرب، ها قد قلنا لك بعض

ما عندنا، فقل لنا كل ما عندك، وأرنا نارك إن كنت تحرق، وأقداح زندك.

فأما ما نذكره لأصحاب الغوص قديما، ونصل جناحه بالمفاخرين، فسنغصّ به حلوق المفاخرين، ونقذي عيونهم في الآخرين، ونخرّهم للأذقان على وجوههم داخرين.

وها أنا ذاكر القسم الثاني؛ فمنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.