من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الزركشي أبو عبد الله
ناصر الدين الفقيه الحنفي، فقيه بارع، ونبيه لكل علا قارع، هذا على أنه أتقن علم الموسيقا وحققه، وأجال النظر في فنها ودققه، ووقف منها على طرف الأوائل التي عفا أثرها، وذهب أكثرها، وبقيت كمدارج النمل الخوافي، ومناهج الرمل تحت السوافي.
حدثني ابن كرّ عنه أنه كان في صناعة الزركش بدمشق، ثم كان فقيها بالمدرسة الشبلية بسفح قاسيون بين ظهراني الفقهاء، ويجتمع إليه أهل الطرب والإلهاء، ودام على هذه المدة ثم تخرّصوا له المعايب، وأرادوا ترديته بالمثالب، فأتى مصر واتخذها دارا وقرارا حتى مات.
قيل: وكان واحد زمانه [ص] لا يقصر عن الأوائل، قال: وهو ممن أخذت عنه، واستفدت منه، وكنا نجتمع ونتذاكر، وتنفد وننكر (؟) صبيحة كل يوم يسمع كل واحد منا صاحبه، ولم أر مثله، وحدثني عنه غيره.
وله اصوات منها:
خبروها أني مضيت فقالتأضنى طارفا شكا أم تليدا
وأشاروا بأن تعود وساديفأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خيفة وهي تشكوألم الوجد والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالكأن أمالت عليّ عطفا وجيدا
والعشر للطغرائي، وكذلك صوته في شعر الحاجري، وهو هذا:
بحقك ذكّرها العقيق لعلهاتجد راحة في عودها وسراها
إذا ما حدا الحادي بنجد تمايلتكأن سلافا في النشيد سقاها
كأنكم يوم الرحيل رحلتمبنومي فعيني لا تلذ كراها
وكنت شحيحا من دموعي بقطرةفقد صرت سمحا بعدكم بدماها
وكذلك صوته في شعر ابن حجاج، وهو هذا:
نامي هنيئا لعينيك الرقاد فماأمسيت أعرف إلا السهد والأرقا
وإن أردت حياتي فاحفظي رمقيإن كان عندك شيء يمسك الرمقا
يا شامتا إذ رأى قلبي رهين أسىوشر ما فيه أن الرهن قد غلقا
إن فرق الدهر شخصينا مراغمةفثمّ قلبان لا والله ما افترقا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع