تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عجيبة مغنية الكامل

وكانت في نساء زمانها عجيبة، وفي أوانس أخدانها غريبة، من المغاني المشهورات، الغواني المذكورات، شغف بها الملك الكامل على دثور عقله، ووفور فضله، وكان لا يصبر عنها ليلة من الليالي، ولا يدع استرازها ولو بين تشجّر العوالي، وكانت ظريفة تأخذ بمجامع القلوب، وتخلب صوادف النفوس، وكانت تطلع إلى الملك الكامل وجنكها محمول معها ووراءها الجواري والخدم، وكانت تحضر مجلسه سرا وعلانية، وتغنيه على الجنك وبالدف، وبها قدح فيه ابن عين الدولة القاضي لما قال له الملك الكامل في قضية من القضايا: أنا أشهد عندك بكذا، فقال: السّلطان يأمر وما يشهد، فأعاد عليه السلطان القول [ص] وأعاد عليه القاضي الجواب، فلما زاد الأمر، قال له السلطان: أنا أشهد، تقبلني أنت أولا؟ فقال: لا ما أقبلك، وكيف أقبلك وعجيبة تطلع إليك بجنكها كل ليلة وتنزل، تأتي يوم بكرة وهي تتمايل على أيدي الجواري والخدم، وينزل ابن الشيخ من عندك أنحس مما نزلت، فقال له السلطان (يا كنفرخ) وهي لفظة شتم بالفارسية، فظن ابن عين الدولة أنه قال له: كل فراخ، فقال: ما في الشرع كل فراخ، اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي، وقام فجاء ابن الشيخ إلى الملك الكامل وقال له: المصلحة إعادته لئلا يقال لأي شيء عزل

القاضي نفسه، فيقال: لأنه شهد السلطان عنده فما قبله، فيقال: لأي شيء ما قبله؟ فيقال: لأجل عجيبة، فتتمضمض بنا العوام، وتطير بها الأخبار إلى بغداد وإلى الملوك، فقال: صدقت، ونهض إلى القاضي فترضّاه، وأعاده إلى القضاء، وتأخر الأمر الذي كان يريد أن يشهد به.

عدنا إلى ذكر عجيبة والذي نعرف من أصواتها:

رفقا على ما أبقيت من رمقيلا تأتسي لي بأن أبقى ولا تبقي
هيهات أين البقا من موجع كمدعليك صب بنار الشوق محترق
يا سائلي عن دمي لا تطلبوا أحدابعدي به فدمي المسفوك في عنقي
إني حملت على نفسي لشقوتهامثل الجبال من البلوى فلم تطق
فمن رأى ليت شعري مثل موقفنايوم النوى أبحرا تجري من الحرق
يا آمري في دموعي بعد ما فنيتبأن أصون وأحمي ما عساه بقي

والشعر لابن حجاج.

وحكي أنه أمر بها فأحضرت والغيم قد فرق في السماء قطعه، وطرز مذهّب البروق خلعه، وتشرين قد أرسل نجائب السحائب محبرة، والخريف قد جاء وراياته المختلفة مبشرة، وثغر الروض قد راق، ووقت السرور قد لاق، ولمى النهر قد حلا في فم من ذاق، وحر الهجير قد خمد لهيبه، وسبج الفحم قد آن في المواقد ذهيبه، والبيوت قد هيّئت للكنّ، والمنازل [ص] قد قربت إلى الدنّ، والرواق قد رفعت صلبه المعلقة، والكؤوس بنطف الماء مخلقة وغير مخلقة، وقد حصل العود والعود، وأزلف المجلس لتطلع فيه طوالع السعود،

واندفعت تغنّي بصوت صنعته في بعض المشارقة، وصدعت به صباح تلك الشارقة، وهو هذا:

مشوق إذا ما ارتاح هيجه الحبوصب لوبل الدمع في خده صب
للشاعر جلال الدين ابن الصفار المارديني، اقرأ القصيدة
وإن لاح وهنا برقه منه ينثنيوفي جفنه للدمع قد خده غرب
نضا عضب جفنيه عليّ عذارهفمن مهجتي جفن ومن جفنه عضب
يعذب قلبي ظالما عذب ظلمهولكن تعذيبي لمرشفه عذب
للشاعر جلال الدين ابن الصفار المارديني، اقرأ القصيدة

فلم يبق في المجلس إلا من مال، ودب للسكر بطربها في مفاصلهم نمال، واستدعى بها يوما وهو بداره بالفسطاط المطلة على النيل، وقد نضدت رواشنها، وتلبثت قدامها أنواع المسك، وبرزت وعليها جواشنها، والنيل قد صفى مشربه، وخفي بتكاثر الأمواج مسربه، والبرق قد كحل جفن السحاب بمروده، والليل قد ذرّ في عين الشمس من إثمده، والهلال بقطع الغيم قد احتجب، والهلال المولي قد بلّل جناحه ليطير، وهذا من العجب في وقت غفل عنه الرقيب، ولم يحضره إلا مثل إسحاق أو حبيب، وأقبلت تحدثه وتغنّيه، وتفتح على يديه السؤل وتمنيه، وممّا غنته من أصواتها، والشعر قديم:

دعه يداري فنعم ما صنعالو لم [يكن] عاشقا كما خضعا
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وكل من في فؤاده وجعيطلب شيئا يسكن الوجعا
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وا رحمتا للغريب في البلد النازح ما ذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوابالعيش من بعده ولا انتفعا
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

ودام معها ليلته كلها، والبدر لا يعرف السرار، والبحر لا يدرك له قرار، والشموع كأنها عشاق تجري دموعها وتلتهب قلوبها الحرار، حتى هم الفجر أن يبوح بسره المكتوم، ويفك عن سفط النجوم طوابع الختوم، وقطرت أعطاف السحب متصببة، وجرت [ص] دموع النرجس في خدود الشقيق متصوبة، وقارب طلوع الصباح والجو بين برديه، وسيف البرق بين غمديه، واضطرب النسيم مذبذبا مبلبلا تلك الحدائق، واضطر الفجر إلى أن يقبل في ثغر الصبح المفتر تلك العقائق، فأشرف الملك الكامل، ومن مجر الرعد قد هول، والصباح الآتي قد فض ذيل الليل وقصر منه ما طول، فدعاها إلى الصبوح، وأقام بوجهها عذره عند الدهر الصفوح، فلما دارت به الحميّا، وذكرته هندا وميّا، أمرها أن تصنع لحنا في شعر بعض متيمي العرب، فصنعت في شعر ذي الرمه:

أراني إذا هومت ياميّ زرتنيفيا نعمتا لو أن رؤياك تصدق
يلوم على ميّ خليلي وربمايجور إذا لام الشفيق ويحرق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»
غداة منى النفس أن تسعف النوىبميّ وقد كادت من الوجد تزهق
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعتووجه كقرن الشمس ريان يشرق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»

فوقع منه موقعا كان يجتذبه، ويأخذ بسمعه إليه ولو أراد أن يجتنبه، ثم أفاض عليها سجاله، ووسع في الكرم عليها محاله ومما يتبقى من محاسن هذه القصيدة المختار منها الصوت:

وتيهاء تودي بين أرجائها الصباعليها من الظلماء جلّ وخندق
غللت المهارى بينها كل ليلةوبين الدجى حتى أراها تمزق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»
فأصبحت أجتاب الفلاة كأننيحسام جلت عنه المداوس مخفق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»
نظرت كما جلى على رأس رهوةمن الطير أقنى ينفض الطل أزرق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»
طراق الخوافي واقع فوق ريعةندى ليلة في ريشه يترقرق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.