من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
القاضي الفاضل: السريع (٢)
الصفحة ١ من ٢
ومنه:
وعليه السلام الطيب الذي لو مرّ بالبهيم لأشرق، أو بالهشيم لأورق، وكتبها الكريمة إن تأخرت فمأمولة، وإن وصلت فمقبولة، وإن أنبأت بسارّ فمشهورة، وإن أنبأت بسرّ فمشورة.
ومنه قوله:
وأما ما ذكره من القرض، فلم يزل القرض للذّرّية الأيوبية - أعاذها الله من الانقراض - ميسم كرمها، وعنوان علوّ هممها؛ فبيوت أموالهم في بيوت رجالهم، وعقد أيامهم في قلوب خدّامهم، والكنوز التي جعلها الماضون سبائك في التّراب، جعلها ملوكنا قلائد في الرقاب؛ فهم يتحملون بالقرض ويفتخرون؛ وإذا ادّخرت الملوك في أيدي أنفسهم مالا، فهؤلاء في أيدينا يدخرون.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة، وصل الله أيامها بحميد العواقب وبلوغ المآرب، وصحبت الدّهر على خير ما صحبه صاحب، وأنهضنا بواجب طاعته فإنّه بالحقيقة الواجب، وكلّ واجب غيره ليس بواجب، من يد فلان، ورجوت أن يكون طليعة إلى الاقتراب، ومبشّرا بالإياب، ومخبرا بعودها الذي هو كعود الشّباب لو كان يعود الشباب؛ وعرفت الأحوال جملة من كتابها، وكلها تشهد بتوفيق سلطانها، وبأيامها التي تعود بمشيئته بإصلاح شأنه وشأنها، والذي مدّه ظلا يمدّه فضلا؛ فالفضل الذي في يديه في يد خلق الله، والذي أحالهم بالرزق عليه، فكيف ما دعونا له [دعونا] لأنفسنا، وكيف ما كانت أسنّة رماحه فهي نجوم حرسنا، فلا عدمت أيامه التي هي أيام أعيادنا، ولا لياليه التي هي ليالي أعراسنا.
ومنه قوله:
وهذا أفق لا مطار فيه إلاّ للعقاب وابنه، وبحر لا مسبح فيه إلاّ لمن يخرج الدّرّ من فيه ويدخل البحر في ردنه؛ وما عنيت بالبحر هنا إلاّ يده الكريمة، فأمّا البحر فلم أعنه؛ وأغرقتني في البحار وأنجيتني منها، وعرّفتني وزن خواطر البلغاء،
ولولا عروض خطره لم أزنها؛ زاد الله في هذه الأنفاس، وفديت هذه العقائل التي أيامي بها أعياد ولياليّ أعراس.
ومنه قوله:
وما يأتيني من المجلس من ذكر محدث يسرّ به المحدّث، وخبر يتأثّل به الآنس ويتأثث، إلاّ استمعته؛ ولسمعي على قلبي المنّة، وفتحته كأنما فتحت لي أبواب الجنة، وتناولته كأنما تناولت كتابي بيميني، ورفعته فكأنما رفع التّاج فوق جبيني، وقابلته بالحمد فكأنه عرض كاتبه، وقرنته باللّثم فكأنّي ظفرت بيد صاحبه.
ومنه قوله:
وأصدرت هذا الكتاب مقصورا على أجوبة كتبه التي كتبت لي عهدة الشكر، وأباحت في شهر الصّيام كؤوسها السّكر.
ومنه قوله: وكتبته وشعبان قد وصل إلى أعقابه، وقمره الممحوق قد بعثه رمضان بكتابه؛ فجمع الله لسيدنا منهما كلّ خير يستحقّ جمعه، وأعلى يده التي سألها الكرم لم تر منعه.
ومن أجوبته:
ورد على الخادم - زاد الله أيام المجلس وأصفاها من الأكدار، وأبقى بها من تأثيراته أحسن الآثار، وأسمع منه وعنه أطيب الأخبار، وجعل التوفيق مقيما حيث أقام، وسائرا أينما سار - كتابه الكريم، الصّادر عن القلب السليم، والطبع الكريم، والباطن الذي هو كالظّاهر، كلاهما المستقيم، ولا تزال الأخبار عندنا
محجمة، والأحاديث مستعجمة، والظّنون مترجحة، والأقوال مسقمة ومصحّحة، إلى أن يرد كتابه فيحقّ الحق ويبطل الباطل، ويتضح الحالي ويفتضح العاطل، ويعرف الفرق ما بين تحرير قائل، وتحوير فائل، فتدعو له الألسنة والقلوب، وتستغفر بحسناته الأيام من الذنوب، والشجاعة شجاعتان، شجاعة في القلب، وشجاعة في اللّسان، وكلاهما لديه مجموع، ومنه وعنه مرويّ ومسموع، وذخائر الملوك هم الرّجال، وآراء الحزماء هي النّصال، ومودات قلوبهم هي الأموال، ومجالس آرائهم هي المعركة الأولى التي ربّما أغنت عن معارك القتال؛ والله تعالى يجدّد للمسلمين به حالا يجمعهم على جهاد الكفار، ويلهمهم أن يبذلوا في سبيله النفس والسيف والدرهم والدّينار، ويزيل ما في طريق المصالح من الموانع، ويفطم السّيوف عن الدماء الإسلامية ويحرّم عليها المراضع، ويجعل للمجلس في ذلك اليد العلى والطريقة المثلى، ويجمع له بين خير الأخرى والأولى؛ والأحوال هاهنا بمصر مع بعد سلطانها، وتمادي غيبته عن سائر شأنها، على ما لم يشهد مثله في أوقات السّكون، فكيف في أوقات القلق، وعلى ما يحفظ الله به من في البلاد من الجموع، ومن في الطّرقات من الرّفق.
ومنه قوله:
ومن اللّطف في كون الحضرة كتبتها عجلة، وروّجتها مرتجلة، وأصدرتها في حالة المتبذل، ولم تعرها ناظر المتأمّل، وإلاّ فلو [تأنيت] لأرسلت البوارق والصواعق؛ وما أصنع؟ وما كلّ من جاشت بحاره، وقذف درّة بحاره، أغرق الإخوان في لججه، وأخرس اللهجان بحججه.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة لا زالت رياض ثنائها متفاوحة، وخطرات الردى دونها متسارحة، والليالي بأنوار سعودها متلألئة، والأيام الجافية عن بقية الفضل منها متجافية؛ باركة للمجد منها فيه، يتخير إليها المكرمات إذا لم يكن لها فيه، فأنشده ضالة هدى كان لنشدانها مرصدا، ورفع له نارا موسويّة، سمع عندها الخطاب، وآنس الخبر، ووجد الهدى؛ وكانت نار الغليل بخلاف نار الخليل، فإنّها لا تقبل ندى الأجفان بأن يكون بردا وسلاما، ولا يزايدها نداها إلاّ كانت أضرى ما كان ضراما.
ونعود إلى ذكر الكتاب الكريم: وسجد لمحرابه وسلّم، وحسب سطوره مباسم تبسّم، ووقف عليه وقوف المحبّ على الربع يكلمه ولا يتكلّم، ويبطل جفنه وكأنّ جمادى بدمعه وكأنّ على خدّه المحرّم؛ فالله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة؛ فإنها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها، ولا غرو أن يبلغ عمره كعمرها، على أنها طالما أقامت الحدّ على الدّنيا حتى بلغت في حدها الثمانين، وأدبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السّلم من قلمها تأديب المجانين، وما حملت العصا بعد السيف إلا وقد وضعت الحرب أوزارها، ولا استقلت بأنه موسى إلا لتفجّر الخواطر وتضرب أحجارها، وما هي إلاّ رمح، وكفى بيدها لها سنانا؛ وما هي إلاّ جواد يحتثّ السّنين خلفها، فتكون أناملها لها عنانا.
ومنه قوله:
ورد كتاب الحضرة السامية، أحسن اللّه لها المعونة، ويسّر لها العواقب المأمونة، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة الملعونة، يخبر بخروج الخارج من قلعة
كذا، وما صرّح به من الخوف الذي ملأ الصّدور، والاستحثاث في مسير العسكر المنصور؛ وكلّ قضية وردت على القلوب، ففزعت فيها إلى ربّها فرجت فرجه، وأذكى لها اليقين سرجه، ولم تشرك معه غيره مستعانا، أو لم تدع معه من خلقه إنسانا؛ فما القضية وإن كانت منذرة إلاّ مبشّرة، والخطّة وإن كانت وعرة إلا مبشرة؛ لا جرم أنّ هذا الكتاب أعقبه وصول خبر نهضة فلان نصر اللّه نهضاته، وأدّى عنه مفترضاته، واستنهض العساكر، وقوبل العدوّ الكافر، فنفس ذلك الخناق، وتماسكت الأرماق؛ وما أحسب أنّ الأمر يتمادى مع القوم؛ بل أقول: لا كرب على الإسلام بعد اليوم؛ يتوافى بمشيئة اللّه ولاة الأطراف، ويرقل من نفس العدوّ وسمعه ما استشعره من المسلمين من الخلاف، ويجتمعون إن شاء اللّه على عدوّهم، ويذهب اللّه بأهل دينه ما كان من فساد أعدائه في أرضه وعلوّهم؛ وقد شممنا رائحة طلب الهدنة بطلب الرسول، وبخبر هلاك ملك الألمان الذي هو بسيف اللّه مقتول، والموت سيف اللّه على الرقاب مسلول.
ومنها:
فأما ما أشار إليه من القلاع التي شحنها، والحصون التي حصّنها، والأسلحة التي نقلها إليها، والأقوات التي ملأ بها عيون مقاتليها ويديها، فإن اللّه يمنّ عليه بأن يسره لهذه الطاعة، ورزقه لها الاستطاعة، فكم رزق اللّه عبدا رزقا حرمه منه، وفتح بابا من الخير وصرفه عنه؛ الآن واللّه ملك الملك العادل ماله الذي أنفقه، وأودعه لخير مستودع من الذي رزقه؛ وشتان بين الهمم همّة ملك ذخر ماله في رؤوس القلاع لتحصين الأموال، وهمة ملك أودع ماله في أيدي المقاتلة لتحصين القلاع:
بيني الرّجال [وغيره] يبني القرىشتّان بين مزارع ورجال
والحمد للّه الذي جعل ماله له مسرة، يوم يرى الذين يكنزون الذّهب والفضة المال عليهم حسرة؛ ما أحسب أحدا من هذه الأمة إن كان عند اللّه من أهل الشهادات بين يديه، وإن كان كريم الوفادة لديه، إلا تلقاه شاكرا لهذا السّلطان، شاهدا بما يولي هذه الأمة من الإحسان ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ اَلْمُتَنافِسُونَ﴾.
سيحصد الزارعون ما زرعوا، واللّه يزيده توفيقا إلى توفيقه، ويلهم كلّ مسلم القيام بمفترض بره، ويعيذه من محذور عقوقه؛ وأنا أعلم أن الحضرة تفرد لي شطرا من زمانها المبهم، بكتاب للّه تكتبه إليّ، وخبر سار تورده عليّ؛ وأنا أفرد شطرا من زماني لشكرها، وأسرّ واللّه لها بتوفيق اللّه في جميع أمرها، فإنّ الذاكر لها بالخير كثير، فزاد اللّه طيب ذكرها.
ومنه قوله:
والمشكوّ في هذا الوقت وجع المفاصل وآلامها وأورامها، فيديّ منها في جامعة، ورجليّ منها في واقعة، وأعضائي كلّها قد رابتني بعد صحة، وصارت لما تمّ عليها من أيديّ الرّاقين والذّاكرين كأنها خرزات سبحة، ولقد سئمت تكاليف الحياة، وسهلت عليّ تخاويف الوفاة، وحملت الأيّام على ظهري حمل الحطب، فما يسوى أن تشتعل فيها نار أجل يكون من الأنفاس المزعجة ذات لهب، وما أغربت على الأيام في تهجّمها، ولا جاءتني آيات الكبر في غير موسمها؛ ومن استضاء بسراج المشيب مسته اللّيالي في ظلمها، فقد صرعتني الأمراض،
وصدعت عظمي المنهاض.
اللّهم لا أشكو إلاّ إليك، ولا أسأل إلاّ أنت، ولا أبثّ عبادك ما بي من بلائك، إلا لأستلزم إليك الشفعاء، وأستدعي منهم الدّعاء؛ فإن دعوتك من حقّها أن ينظّف لها الوعاء؛ فأما طاحونة مدينة الجسد وهي الأسنان، فبعض السّنّ ظعن مع السّنّ، وبعضه بقي منه جذم غير مرجحنّ، وما كنت أدري ما معنى قيد الحياة إلى أن قيدتني المفاصل بوجعها، وعلّة النقرس بتسفّلها وبرفعها؛ وأنا الآن بالحقيقة في ضدّ الحياة إحساسا، ولابس جسم قد كرهته النفس لباسا.
ومنه قوله:
ورد كتاب المجلس السّامي، نصر اللّه عزائمه، وأمضى في رؤوس الأعداء صوارمه، وشدّ به بنيان الإسلام ودعائمه، واسترد به حقوق الإسلام من الكفر ومظالمه، وأخلف نفقاته في سبيل اللّه ومغارمه، وجعلها مغانمه؛ وكان العهد به قد تطاول، والقلب في المطالبة ما تساهل، ولمحت اشتغاله بالطاعة التي هو فيها وما كلّ من تشاغل تشاغل، فهنّأه اللّه بما رزقه، وتقبّل في سبيل الله ما أنفقه، وعافى الجسم الذي أنضاه في جهاد عدوّه وأخلقه، وقد وفق من أتعب نفسا في طاعة من خلقها، وجسما في طاعة من خلقه؛ فهذه الأوقات التي أنتم فيها أعراس الأعمار، وهذه النّفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار؛ قال اللّه سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ اَلرّازِقِينَ﴾.
وأما فلان وما يسره اللّه له وهوّنه عليه من بذل نفسه وماله، وصبره على المشقات واحتماله، وإقدامه في مواقف الحقائق قبل رجاله، فتلك نعمة اللّه عليه،
وتوفيقه الذي ما كلّ من طلبه وصل إليه؛ وسواد العجاج في تلك المواقف بياض ما سوّدته الذّنوب من الصحائف ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾.
فما أسعد تلك الوقفات، وما أعود بالطّمأنينة تلك الرّجفات، وقد علم اللّه سبحانه منّي ما علم من غيري من المسلمين من الدّعاء الصّالح لكم في الليل إذا يغشى، ومن الذّكر الجميل لكم في النهار إذا تجلّى، واللّه تعالى يزيد لكم إيمانكم، وينصركم وينصر سلطانكم، ويصلحكم ويصلح بكم زمانكم، ويشكر هجرتكم التي لم تؤثروا عليها أهليكم ولا أموالكم ولا أوطانكم، ويعيدكم إلينا سالمين سالبين، غانمين غالبين؛ إنّه على كلّ شيء قدير.
ومنه قوله:
ولا حول ولا قوة إلا بالله، قول من قعد وراء الأحباب يودّع في كل يوم حبيبا، ويعيش في الدّنيا بعدهم غريبا، كأنه النجم طلع عليه الصّباح فغابوا، وبقي منتظرا للمغيب، وصبّحه ما قد علاه من المشيب.
ومنه قوله:
هذا وما تمّ بحمد اللّه متجدد، إلا ما تقدم ذكري له من أمراض الكبر، وأعراض الغير، وتداعي هذه البنيّة لرحيل ساكنها، وانزعاج هذه النفس إلى ما يختاره لطف اللّه من مواطنها، فإنّ التّسعين قد جزت عينها، وقطعت عقبها؛ وأسأل اللّه الخيرة في القدوم عليه، واللّطف عند الوقوف بين يديه.
ومنه قوله:
وأشكو بعد قلبي جسمي، فقد ضعفت قوته، وقوي ضعفه، ونسجت عليه همومي ثوابا دون الثياب، وشعارا دون الشّعار، من الحرب الذي عادى بيني وبيني، وانتقم ببيني من جسمي، واستخدمها بحرث أرضه؛ فإن لم يكن لأرضه عجاج فلي عجيج، وإن لم يكن فيه بذار فلي من الحبّ ثمار، وإن لم يكن لي سنبلة فلي أنملة، وإن لم يكن في كل سنبلة مئة حبّة آكلها، ففي كلّ أنملة مئة حبة تأكلني؛ وقد كنت مسالما لأعضائي إلا سنّا أقرعها، فما يخلو زمن من مندماتي، أو إصبعا أعضّها فما أكثر ما على الظّالم الذي يعضّ يديه؛ فأنا أقرع أعضائي كلّها ثنيّات، وأعضّ على جوارحي كلّها أنامل ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اَللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ﴾ والحرب همّ للأجسام، والهمّ حرب للقلوب، والفكر للقلب حكّ، والحكّ للّحم فكر، وبالله ندفع ما لا نطيق؛ يا واهب العمر خلّصه من الكدر.
ومنه قوله:
وصل الكتاب الحضرة مبشرا بالحركة الميمونة السّلطانية إلى العدو خذله اللّه، ومسير المسلمين نصرهم اللّه، تحت أعلامه أعلاها اللّه، ومباشرة العدوّ واستبشار المسلمين بما أسعدهم اللّه من الجراءة عليه، ومن إضمار العود إليه، وهذه مقدمة لها ما بعدها، وهي وإن كانت نصرة من اللّه، فما نقنع بها وحدها، فالهمّة العالية
السّلطانية للحرب التي تسلب الأجسام رؤوسها، والسّيوف حدّها، فإن الجنة غالية الثمن، والخطاب بالجهاد متوجه إلى الملك العادل دون ملوك الأرض وإلاّ فمن؟ فهذه تشترى بالمشقّات، كما أنّ الأخرى - أعاذنا اللّه منها - رخيصة الثّمن وتشترى بالشهوات.
ومنه قوله:
وقف الخادم على ما شرّف به طبعه، وشنّف به سمعه، وضيّق بسعته ذرعه، من الخطاب بالعتاب، الذي خفض له الجناح، واستعذب به الجراح، وأسر قلبه في قيد أسى مستطار لا يراد منه السّراح، وقذف به في لهوات ليل لم يود أن يبسم فيه ثغر الصباح، وقد علم اللّه أنه بريء من كل ما يوجب المذامّ، ويطلق ألسنة الذّام، وأنه لمستيقظ في حقوق الخدمة، إلا أن حظّه من أهل الكهف بطول المنام.
ومنه قوله:
وأما البرد وكلبه، والهواء وغلبه، فما كتبتها إلا واليد ترتعد، والخواطر لا تتعد، والغلام يذهب شبح الفحم بما يلهب، والشرار يبقى منطفئه في خدود الثياب خيلانا، ويمنعني كما يمنعها أن تطرد في قول القلم من الطّرس خيلانا.
ومنه قوله:
وأنا الآن إذا دعوت الله سبحانه، بأن يمتعني بسمعي وبصري عنيته، وإذا قلت: واجعلهما الوارث منّي، فهو الذي اخترته لذلك وارتضيته؛ وبالجملة إنّي مستحسن قول جميل، وأنقله إلى أهل الجميل:
وما أحدث النّأي المفرّق بينناسلوّا، ولا طول اجتماع تقاليا
كذلك صحبة المجلس قد تطاولت، وكلّما ألحّ عليها الصّقال لاح جوهرها، وكلّما تكررت عليها الفصول فصّلت آياتها وسيرت سورها.
ومن كتاب كتب به إلى القاضي محيي الدين بن الزّكي:
بعد أن أصدرت هذه الخدمة إلى المجلس - لا عدمت عواطفه وعوارفه، ولطائفه ومعارفه، وأمتع اللّه الأمة عموما بفضائله وفواضله، ونفعهم بحاضره كما نفعهم بسلفه الصّالح وأوائله، وعادى اللّه عدوّه، ودلّ سهامه على مقاتله - ورد كتاب منه، وما بقيت أذكر الإغباب، فإن سيدنا يقابله بمثله، ولا العتاب فإنّ سيدنا يساجله بما فيض من سجله، ولا ألقي عليه من قولي قولا ثقيلا، ولا أقابل به من قوله قولا جليا جليلا، فقد شبّ عمرو عن الطوق، وشرف البراق عن السّوق، وذلك العمرو ما برح محتنكا غير أجنبي، والطوق للصبي، وذلك البراق حمى لا يقدّم إلا للنبي، ومع هذا فلا تقلّص عني هذه الوظيفة، وأعتقدها من قرب الصّحيفة، فإنّك تسكن بها قلبا أنت ساكنه، وتسرّبها وجها أنت على النوى معاينه.
ومنه قوله:
يا سيدنا العماد، صبّحك اللّه بأيمن من فعلك، ولا أعرف فعلا منه أيمن وأحسن من وجهك، ولا أعرف وجها منه أحسن، وأحسن وجه في الورى وجه منعم.
كيف أنت في هذه الرحمة التي تركتنا رحمة؟ وكيف الخركاه وكيف الخيمة؟ أمّا نحن ففي خيمة من عنصرنا وهو الطين، وفي خركاه كأنّا من ضائقتها في عقد التسعين، قد حاصرتنا الأمطار، وقلّ احتفالها بالخنادق المحتفرة، وفعلت بنا ونحن المسلمون ما فعلنا بمن حاصرناه من الكفرة، فليت لنا ولو كمفحص القطاة في السعة والحفوف، وليت لنا جبلا يعصمنا من أنواع السّيول إذا جاءت ممرودة السّيوف، وقد حال الجريض دون القريض، وشغل توقّع اللّئيم عن توقيع القلم.
ومنه قوله:
وقد كانت ليلة الخميس بدمشق ليلة مباركة، ما غسل ظلامها إلا السّيول لولا الصباح، ولا ابتسم صباحها إلا وقد كادت تبتسم الجبال والبطاح.
ومنه قوله:
وقد جار كرم يده على أموالها، وعلم الخلائق الاشتطاط في آمالها، فما يأخذ أحدهم البدرة إلاّ بكسر الخاتم منها، ولا يقبل الخلعة إلاّ وقد عصبت المنشور بعصبها، ولا يركب الجواد إلاّ وهو بالتبر مثقل، وبالحليّ في وجهه ورجليه أغرّ محجل، ولا يقنع بالإقطاع إلاّ وباطنه قلعة وظاهره رستاق، ولا بالمنشور إلا وحاصله ثمرات واسمه أوراق؛ فقد فرّ الناس من الصنائع إلا إلى اصطناعه، ومن المعايش إلا إلى انتجاعه، وهان عليهم أن يكتبوا في قرطاس ويجاوبوا بأكياس، ووقفوا على التّراب فلحقوا بالسحاب، وغمر الجود كل دينار، حتى توارى دينار
الشمس بالحجاب.
ومنه قوله إلى العماد الأصفهاني: كانت كتب المجلس - لا غيّر اللّه ما به من نعمه، ولا قطع منه موادّ فضله وكرمه، ولا عدمت الدّنيا خطّ قلمه وخطو قدمه، وأعاذها الله بنعمه وجوده من شقوة عدمه - تأخرت، وشق عليّ تأخرّها، وتغيرت عليّ عوائدها، والله يعيذ مما يغيرها، ثم جاءت كما جاء بيت ابن حجاج:
غاب ساعات ووافاني على ما كنت أعهد
وأجبته ببيت الرضيّ:
ومتى يدن النّوى بهميجدوا قلبي كما عهدوا
كتابة لا ينبغي ملكها إلا لخاطره السّليماني، وفيضا لا يصدر إلا عن نوح قلمه الطّوفاني، أوجبت على كلّ بليغ أن يتلو ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ اَلْكِتابَ إِلّا أَمانِيَّ﴾.
وبالجملة فالواجب على كلّ عاقل أن لا يتعاطى مالم يعطه، وأن يدخل باب مجلس سيدنا ويقول: حطّة؛ فأما ما أفاض فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة، فقد كدت أسكر بها بما استخرجته، من المحاسن التي لو أن الزّمان الأصم
يسمع لأسمعته، ولو أنّ الحظّ الأشمّ يخضع لأخضعته؛ وبالجملة فإنّه لا يسبّ زمن أبقى من سيّدنا نعمة البقّية، التي مهما وجدت فالخير كلّه موجود، والمجد بحفيظته مشهود؛ وكما تيسرت راحة جسمه، فينبغي أن يقتدي به قلبه في راحته من همه؛ وأعراض الدّنيا متاع المتاعب، وقد رفع اللّه قدره، وإلاّ فهذه الدّنيا وهدة إليها مصاب المصائب، والحال التي هو الآن عليها عاكف، من علم يدرسه، وأدب يقبسه، وحريم عقائل يذبّ عنه ويحرسه، هي خير الأحوال؛ فالواجب الشّكر لواهبها، والمسرّة بالإفضاء إلى عواقبها، وما ينقص شيء من المقسوم، وإن زاد عند المجلس فليس من حظّه، ولكن من حظّ السائل والمحروم؛ ولا يسمح المجلس بكتاب من كتبه على يد من الأيدي التي لا تؤدّي، فلا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدي.
ومنه قوله:
وقد تأملت ما تفننت في وصفه حين دعيت إلى قتل الأسير، وأن القدرة المحيطة بعنقه، والأسر السادّ لسبل القتل وطرقه، أبى لها أن تشغل به بالها، ونصّ لها أن لا تنجس بدمه نصالها، فإنّ قتل الأسير ويداه مغلولة، وحبال أذرعه محبولة، قدرة ما زالت النّفوس على استقباحها مجبولة، وما كان يؤمنها أن تشخص الأبصار نحوها، وكما نظر في الطّروس كأنها تنتظر في الطروس محوها، فيكون غيظ الحسام من قلمها حاملا له على أن لا يحدّ مضاء، ولا يمضي حدا، وباعثا له على أن ينثني عن عنق الكافر مرتدا، فيورثنا معشر الكتّاب عارا يعدي عرّه، وينهي العلم ما يسوءه والسيف ما يسرّه، وينفتح باب القيل والقال، ويحتاج إلى العذر الصدئ في نبوة السيف الصقيل.
ومنه قوله:
وكان ينتحي لقافية الثاء المثلثة التي خضعت لأمره، وسخرت لفكره، وخفضت جناحها، وتركت جماحها، ورقت رقة الراء، وأعطته القياد الذي منعت من الكتّاب والشّعراء، وهذا ملك البلاغة السّليمانيّ؛ وهذا القلم سيد النصر اليماني، وهذا المعجز وأنا أول المؤمنين، وهذا السحر البياني وإن لم يكن السحر المبين؛ وما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا تنقاد في الكلم إلا أن يكون قلمه العنان، فقد صارت عروسا ونقّطها نقوط العرائس، ووجبت جنوبها، فلا جرم أنه مثل قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا اَلْبائِسَ﴾ وقد صرنا نبدل السين بها بغير لثغة، ونقدر على استعمالها بلاغة، وما كنا نقدر على استعمالها إلا بلغة.
ومنه قوله:
وذكر اللّه ذلك العهد بخير ما ذكرت به العهود، ولعن اللّه الفرنج المخندقين، وقتل أصحاب الأخدود، فقد قطعوا طرقات المسار، وأطالوا عمر البيكار، وسكبت نار مقاساتهم الدّينار، فعجل اللّه إعلام الكافر لمن عقبى الدار.
ومنه قوله، وكتب [إلى] ابن الزّكي:
كان كتابي تقدم إلى المجلس السامي - أدام اللّه نفاذ أمره، وعلو قدره، وراحة سرّه؛ ونعّمه ويسّره، وأجراه على أفضل ما عوّده، وأسعد جده وأصعده،
وأحضره أمثال العام المستقبل وأشهده، ولا زال يلبس الأيام ويخلعها، ويستقبل الأهلة ويودعها، وهو محروس في دنياه ودينه، مستلئم من نوب الدّهر بدرع يقينه؛ وأعماله مقبولة، ودعواته على ظهر الغمام محمولة، والدّنيا ترعاه وهو يأبى رعيها، والآخرة تدّخر له وهو يسعى لها سعيها - من أيدي عدة من المسافرين، ولثقتي بهم ما قيدت أسماءهم ولضيق صدري بتأخير كتب المجلس ما حفظت ما جاء منه.
وما كأنّا إلا دعونا اللّه سبحانه دعوة الأولين أن يباعد بين أسفارنا، وأردنا أن يقطع بيننا وبين أخبارنا، فأجيبت الدعوة، ولا أقول لسابق الشقوة، بل للاحق الحظوة، فبان بأن مكابدة الأشواق إلى الأبرار، تسوق إلى الجنة ولا تسوق إلى النّار؛ وأقسم أنني بالاجتماع به في تلك الدار أبهج منّي بالاجتماع به لو أتيح في هذه الدار؛ فعليه وعليّ من العمل ما يجمع هنالك سلك الشمل ويصل جديد الحبل، فثم لا يلقي العصا إلا من ألقى ها هنا العصيان، وهنالك لا تقر العين إلا لمن سهرت منه ها هنا العينان، ولا وجه يجمع اسمي مع اسمه في هذه الوصية، مع علمي بسوء تقصيري، وخوفي من سوء مصيري، ولكن ليزيد سيدنا في وظائفه وعوارفه، فلعل فعله تفضل من فضله، مما يخلصني بقربه؛ فإنني أستحقّ شفاعته لشفعة جوار قلبي لقلبه، والخواطر في هذا الوقت منقبضة، والشواغل لها معترضة، وأيام العمر في غير ما يقرض من الدنيا والآخرة منقرضة؛ ومتجدد نوبة بيروت قد عمت كلّ قلب، وهاجت
للمسلمين أشواقا إلى الملك الناصر، وذكرى بما ينفعه اللّه به من كل ذاكر، وأخذ الناس في الترحّم على أول هذا البيت، والدعاء للحاضر والآخر، وليس إن شاء اللّه بآخر.
ومنه:
وسيدنا يتوصى بالدار بدمشق، فقد خلت، وإنما الناس نفوس الديار، وسيدنا يحسن في كل قضية من بعد، كما أحسن من قبل، فهو الذي جعل بيني وبين الشام نسبا، وأنشبني فيه إلى أن ادخرت عقارا ونشبا، فعليه أن يرعاه ما أقناه، وينفي الشوك عن طريق اليد إلى جناه، والجار إلى هذا التاريخ ما اندفع جوره، ولا أدرك غوره، يعد لسانه ما تخلف يده، ويدّعي يومه بما يكذبه فيه غده، وأنا على انتظار عواقب الجائرين، وقد عرف الغيظ منّي، وألفاظ مجهولة ما كنت أشتهي أن أعرفها، وكشف مستور من أسباب الحرج ما يسوى أن أكشفها، ﴿لا يُحِبُّ اَللّهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وأسوأ خلقا من السّيّ ء الخلق من أحوجه إلى سوء الخلق، وما ذكرت هذا ليذكر، ولا طويت عليه الكتاب لينشر، والسّرّ عند سيدنا ميت، وهو يقضي حقّه بأن يقبر.
ومنه قوله:
ولما تأملت الكتاب الأزرق، طاعنت به الخواطر التي كنت صريع طعانها، وعقير أقرانها، ومما دلّني على الصحة نشاط الخاطر العماديّ لقافية العين، التي اطردت له متونها، وتفتحت لقلمه عيونها، واقتضى الدّعاء بأن يقرّ اللّه العين في يده، كما أجراها على لسانه، فتجتمع له البلاغة والغنى، وتتوفر الأولى عليه وتكون الثانية قسمة ما بيننا.
ومنه قوله:
والكتب من جهتها مرتقبة لذاتها، لا لما فيها من طارئات الأحوال ومتجدداتها، ويكفي خبر صحته من الأخبار، فلينعم الماء بإطفاء النّار.
ومنه قوله:
ووافى الأسطول الميمون في خمسين غرابا، طائرا من القلوع بأجنحته، كاسرا بمخالب أسلحته، فما وافى شملا إلا دعاه إلى الحين، وحقق ما يعزى إلى الغراب من البين.
ومنه قوله:
وكتبت هذه الخدمة ليلا، والخاطر كالناظر كلاهما مشتمل بالظلام شعارا ودثارا، والخطرات كالأنّجم في ليلة الأسى، إن رامت الطريق فحيارى، أو رامت المسير فأسارى.
ومنه قوله:
إلى أن طوى اللّيل ملاءته، ومدّ عليهم كلاءته، فإنه دعيّ مأمنه، وبينهم من مناسبة صحائفهم لسواده، ولأن الليل يدعى كافرا فقد خبّأهم في فؤاده، وخاف العدوّ تصريف العنان، فكأنما في يده منه صلّ لادغ، ورأى السيف وماء الموت يترقرق منه، فروي دلاء من إناء فارغ.
ومنه قوله:
فأمّا هذه الدّنيا فإنها دار الأكدار، ومثار العثار، لا تسمح بمودّة صاحب إلا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع