تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

القاضي الفاضل: السريع (٢)

الصفحة ٢ من ٢

لتعرف قدر فراقه، ولا تفسح في حبل لقاء خليل إلا لتجعله عدّة لخناقه.

ومنه قوله:

فقلت لصاحبي نجواي: خذا في عرض محاسنه عليّ، لعلّي آخذ منها؛ فقالا: وما الفائدة إذا عجزت في الصلة عن أن تعيد عليه ألفاظه العائدة؟ فقلت:

ليعلم أن كل خير عندي من عنده، وأسأله الصفح عن تقصير بلاغتي عن بلوغ حدّه، وأسره بتقصيري عن مداه وإن كان هذا عهدي بودّه؛ فقالا: أرسل نفسك على سجيتها، وتعرض لنفحات صديقك، فما يبخل عليك بيلنجوجيّتها؛ فقلت: نعم على تفيهقكما في النّسبة إلى اليلنجوج، وعلى كون حروف هجائها أطول من عوج.

ومنه قوله:

الخادم يخدم وينهي وصول كتاب كريم، تفجرت فيه ينابيع البلاغة، وتبرعت بالحكم أيدي البراعة، وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب، وهطل منها لأوليائه كلّ صوب، ولأعدائه كلّ شهاب واصب، وتجلّى فما الغيد الكواعب، وما العقود في التّرائب، وتفرق عنه جيش الهمّ، فانظر ما تفعل الكتب في الكتائب؛ وما ورد إلا والقلب إلى مورده شديد الظّما، وما كحّل به إلاّ ناظره الذي عشي عن الهدى وقرب من العمى؛ وما نار إبراهيم بأعظم من نوره، ولا سروره صلى اللّه عليه حين نجا بأعظم في يوم وصوله من سروره؛ فحيّا اللّه هذه اليد الكريمة التي تنهلّ بالأنواء، وتحرك سوابغ النعماء، وتعطى أفضل

عطاء، يسرّها في القيامة، وتحوز به أفضل أنواع الكرامة؛ فأما شوقه لعبده، فالمولى أبقاه اللّه قد أوتي فصاحة لسان، وسحب ذيل العيّ على سحبان، ولو أنّ للخادم لسان موات، وقلبا يقال له: هيهات؛ لقال ما عنده، وادّكر عهده ووده، وباح بأشواقه، وأذاع الرمز عند اعتناقه.

وأما تفضّله بكذا، فالخادم لا يقوم بشكره، ولا يبطله حقّ قدره، وقد أحال مكافأة المجلس على مليّ قادر، ومسرّة خاطره عليه يوم تبلى السرائر؛ واللّه تعالى يصله برزق سنيّ يملأ إناه، ويوضح له هداه، ولا يخلي المجلس من جميل عوائده، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده، إن شاء اللّه تعالى.

ومنه قوله:

وفي الحال أطافت المقاتلة من جميع أقطاره، ولبّوا تلبية الحجيج، وكلّ من جمرة سهمه كرامي جماره، وعبرت الآجال المسماة سهاما على قناطر القسيّ المحنية، وقدحت زنودها البيض شرار جمر المنية، فصارت الأبرجة مستلئمة بسلاحها، أو كأنها بكثرة ريش السهام طائرة بجناحها، أو كأنها صدور أظهرت حسك الضغائن، أو كأنها لازدحام السّهام بها كنائن؛ إلى أن سرى داء النّقوب إلى المقاتل، ودبّ سكرها بين المفاصل، ورتب الجدران قائمة، والبلاء سائر في أعقابها، متجلدة والنار تحت بنائها، غرّارة بألحاظها، والقبح حشو نقابها؛ فلمّا كان وقت الظّهر ﴿ظَهَرَ أَمْرُ اَللّهِ وَهُمْ كارِهُونَ﴾، ووقعت القلعة، ﴿فَوَقَعَ اَلْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وتحصّنوا من نيران القضب بنيران الحطب، وقطعوا

بين المسلمين وبينهم بطوفان نار كانت القلعة سفينة إلا أنها لا سفينة نجاة بل سفينة عطب، والفرنج الملاعين من وردها عاجلا وإن منهم إلا واردها، وأقحم نفسه فيها فأحاطت بعنقه مقاودها، وبات الناس مطيفين بالحصن والنّار بهم مطيفة وعليه مشتملة، وعذبات ألسنتها على وجهه منسدلة، ومن خلفه مسبلة، ولفحاتها جهنمية ﴿وَقُودُهَا اَلنّاسُ وَاَلْحِجارَةُ﴾؛ والبلاء؛ ينادي طبرية بلسان مصابها: إيّاك أعني واسمعي يا جارة؛ فولجت النّار موالج تضيق عنها الفكر، وتعجز عنها الإبر، وقال الكفر: إنها لإحدى الكبر، وخولف المثل في أنّ السعادة لتلحظ الحجر، وأغنى ضوء نهاره أن يسأل معه هذا وذا ما الخبر، إلى أن بدا الصّباح وكأنه امتار منها الأنوار، وانشق الشرق وكأنه من عصفرها صبغ الإزار، فيحنئذ تقدم الخادم فأقلع بيده الأحجار من أسها، ومحا حروف البنيان من طرسها، وأدار فيها كأس المنون دهاقا، وحلّ الرءوس ضربا، وشدّ الأعناق وثاقا.

ومنه قوله:

حوشي مجلس سيدنا، ولا زال من كل مكروه محاشى، ودامت الصحة تنشر له علما وتطوي فراشا، وجعل اللّه ليل الدّنيا بأمنه لباسا ونهارها معاشا، من مرض يمسّه، ومن ألم يحسّه ومن أن يتكدّر من العافية أنسه، وحرس اللّه نفسه على الإسلام، فإنه نفسه.

ومنه قوله:

فلو رأيت أطناب الخيم في أعناق الأسارى يساقون بها مقرنين، لحمدت ﴿اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ولقد شابت خضاب العجاج ما أرسلته رايات الأبرجة من ذوائب مفرقها، وأسلمت وجهها للّه وقطعت ذمار خندقها.

ومن مكاتباته يتشوق إلى إخوانه وأودّائه ومحبيه وأوليائه:

ومنه قوله:

فأنجدوا المسلمين يا حملة سلاح الصّلاح، وابعثوا سرايا دعواتكم فإنّا ننتظر غبّ سراها الصباح؛ فأنتم في وكر قبلتنا، فلتهن أدعيتكم خفة الجناح.

ومنه قوله:

فلولا سدّ سدّته الكريمة لا نفتح على الإسلام ما انفتح من سدّ مأرب، ولولا سيفه لما وجد بعد العصا الكليمية سيف مثلها فيه مأرب، وانتظر فرصة انتهزها في بابه، فما ازدادت الأحوال إلاّ ضائقة، ولا العذر إلا اتّساعا؛ واللّه المستعان.

ومنه قوله:

وقد علم اللّه خدمتي للبيتين الشّريفين - بيت اللّه بما يعود عليه بالعمارة، وبيت النّبوّة صلوات اللّه على أهله بما يبقي في عقبه كلمة الإمارة - بمنى نفسه ما دونه جزّ النواصي بل حزّ الغلاصم؛ يروم أن يرتضع أخلاف الخلاف، واللّه له عن آل الفواطم فاطم؛ فنهض لآل رسول اللّه كلّ بعيد وقريب، ونصر لواء حمده حتى

الصليب، وقوبل عدوه بعدو وحسم داء ومستغيث عجيب، وحينئذ اندفع شير كوه ميمما صعيدا طيبا، وكيف لا يتيمم من عدم الماء قاصدا للقبلة ولن يدار إليها إلا من فارق الدماء.

ومنه قوله:

ووقف المملوك على الأبيات النونية التي فتنته فتونا، وزخرت بحرا فصادف منه قافية النون نونا، وأشرقت عليه أبياتها أقمارا، صار القمر لحسدها عرجونا.

ومنه قوله:

وحين وقف عليها وقف لها، وحين فتحها ارتج أبواب الهموم وأقفلها وتأملها، ونظر من غرائب الحسنات ما تم بها وما تم لها، فإذا فصل كنعيم أهل الجنة كلما نفد جدد، وكنفس أهل الحياة يلذّ كلما ردد؛ وسيدنا كان لسانه يده في جماح السماح، وكان لسانه في إيراد قرائح الاقتراح، كل عذب قراح.

كتب إلى بعضهم:

أأحبابنا هل تسمعون على النوىتحية عان أو شكية عاتب
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «أأحبابنا هل تسمعون على النوى»
ولو حملت ريح الشمال إليكمكلاما طلبنا مثله في الجنائب
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «أأحبابنا هل تسمعون على النوى»

أصدر العبد هذه الخدمة، وعنده شوق يغور به وينجد [ويستغيث] من ناره بماء الدمع فيجيب وينجد، ويتعلل بالنسيم فيغري ناره بالإحراق، ويرفع النواظر إلى السلوان فيعيدها الوجد في قبضة الإطراق، أسفا على زمن تصرم، ولم يبق

إلا وجدا تضرم، وقلبا من يد البين المشتّ تظلّم:

ليالي نحن في غفلات عينكأن الدهر عنا في وثاق

وما تنفس خادمه نفسا إلا وصله بذكره، ولا أجرى كلاما إلا قيده بشكره، ولا سار بقفر إلا شبهه برحيب صدره، ولا أطل على جبل إلا احتقره بعلي قدره، ولا مرّ بروضة إلا خالها تفتحت أزهارها عن كريم خلقه ونسيم عطره، ولا أوقد المصطلون نارا إلا ظنهم اقتبسوها من جمره، ولا نزل على نهر إلا كاثر دمعه ببحره:

سقى الله تلك الدار عودة أهلهافذلك أجرى من سحاب وقطره
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سقى الله تلك الدار عودة أهلها»
لئن جمع الدهر المشتت شملهفما بعدها ذنب يعد لدهره
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سقى الله تلك الدار عودة أهلها»
فكيف ترى أشواقه بعد عامهإذا كان هذا شوقه بعد شهره
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سقى الله تلك الدار عودة أهلها»
بعيد قريب منكم بضميرهيراكم إذا مالم يزركم بفكره
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سقى الله تلك الدار عودة أهلها»
ترحل عنكم جسمه دون قلبهوفارقكم في جهره دون سرّه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سقى الله تلك الدار عودة أهلها»
إذا ما خلت منكم مجالس ودهفقد عمرت منكم مجالس شكره
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سقى الله تلك الدار عودة أهلها»
فيا ليل لا تجلب عليه بظلمةوطلعة بدر الدين طلعة بدره

ونسأل الله تعالى أن يمن بقربه، ورحاب الآمال فسائح، وركاب الهموم طلائح، والزمن المناظر بالقرب مسامح، هنالك تطلق أعنة الآمال الحوابس، ويهتز مخضرا من الشعور عود يابس:

وما أنا من أن يجمع الله شملنابأحسن ما كنا عليه بآيس
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وما أنا من أن يجمع الله شملنا»

وقد كان الواجب تقديم عتبه، على تأخير كتبه، ولكنه خاف أن يجني ذنبا عظيما، ويؤلم قلبا عليه كريما:

ولست براض من خليل بنائلقليل ولا راض له بقليل

وحاشى خلاله من الإخلال بعهود الوفاء، ومن انحلال عقود الصفاء، وما عهدت عزمة الهوى في حلبة الشوق إلا من الضعفاء، وحاشية خلقه، إلا أرق من مدامع غرماء الجفاء:

من لم يبت والبين يصدع قلبهلم يدر كيف تقلقل الأحشاء
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «من لم يبت والبين يصدع قلبه»

ومنه قوله في مثل ذلك:

كتب مملوك المولى عن شوق قدح الدمع من الجفون شرارا، وأجرى من سيل الماء نارا، واستطال واستطار فما توارى أوارا، ووجد على تذكر الأيام التي ذهبت قصارا، والليالي التي طابت فكأنما خلقت جميعا أسحارا:

وبي غمرة للشوق من بعد غمرةأخوض بها ماء الجفون غمارا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»
وما هي إلا سكرة بعد سكرةإذا هي زالت لا تزول خمارا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»
رحلتم وصبري والشباب وموطنيلقد رحلت أحبابنا تتبارى
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»
ومن لم تصافح عينه نور شمسهفليس يرى حتى يراه نهارا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»
سقى الله أرض الغوطتين مدامعيوحسبك سحبا قد بعثت غزارا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»
وما خدعتني مصر عن طيب دارهاولا عوضتني بعد جاري جارا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»
أدار الصبا لا مثل ربعك مربعأرى غيرك الربع الأنيس قفارا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»
فما اعتضت أهلا بعد أهلك جيرةولا خلت دار الملك بعدك دارا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وبي غمرة للشوق من بعد غمرة»

وما ضرّ اليد الكريمة التي أياديها بيض في ظلمات الأيام، وأفعالها لا تقوم بمدحها إلا ألسنة الأسنة والأقلام، لو قامت للمودة بشرطها، وأمضت خط الأسى بخطها، وكتبت ولو شطر سطر ففرغت قلبا من الهم مشحونا، وأطلقت طرفا في فضاء الاقتضاء مسجونا، ونزهت ناظر المملوك في رياض مشهورة الحلى، وجلت غمومه بمكارم مأثورة العلى:

وما كنت أرضى من علاك بذا الجفاولكنه من غاب غاب نصيبه
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «وما كنت أرضى عن علاك بذا الجفا»
ولو غيركم يرمي الفؤاد بسهمهلما كان ممن قد أصاب يصيبه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وما كنت أرضى من علاك بذا الجفا»

ولمملوكه مذ حطت بمصر أثقاله، وجهز الشام رحاله، وألقت النوى عصاها، وحلت الأوبة عراها، يكتب فلا يجاب، ويستكشف الهم بالجواب فلا ينجاب:

يا غائبا بلقائه وكتابههل يرتجى من غيبتيك إياب
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «يا غائبا بلقائه وكتابه»

وما يصفي الله ورد الحياة من التكدير، ويحقق بلقائه أحسن التقدير ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾:

وزمان مضى فما عرف الأوول إلا بما جناه الأخير
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
أين أيامنا بظلك والشمل جميع والعيش غض نضير
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وزمان مضى فما عرف الأول»

وحوشي المولى أن يكون عونا على قلبه، وأن يرحل إثره الذي مذ سار سرّ به، وأن ينسيه بأغباب الكتب ساعات قربه، وأن يحوجه إلى إطلاق لسانه بما يصون السمع الكريم عنه من عتبه؛ الأخ فلان مخصوص بسلام كما تفتحت عن الورد كمائمه، وكما توضحت عن الفكر غمائمه:

إذا سار في ترب تعرّف [تر] بهابرياه والتفت عليه لطائمه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «إذا سار في ترب تعرف تربها»

وقد تبع الخلق الكريم في الإغباب والجفوة، وأعدت عزائمه قلبا فاستويا في الغلظة والقسوة:

إن كنت أنت مفارقيمن أين لي في الناس أسوه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «إن كنت أنت مفارقي»

وهب أن المولى اشتغل - لا زال شغله بمساره، وزمنه مقصور على أوطاره - فما الذي شغله عن خليله، وأغفله عن تدارك غليله؟ هذا وعلائقه قد تقطعت، وعوائقه قد ارتفعت، وروضة هواه قد صارت بعد الغضارة هشيما، وعهوده عادت بعد الغضاضة رميما:

إن عهدا لو تعلمان ذميماأن تناما عن مقلتي أو تنيما
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «إن عهدا لو تعلمان ذميما»

وما أولى المولى أن يواصل بكتبه عبده، ويجعل ذكره عقده، ولا يقصيه ويألف بعده، ويستبدل غيره بعده.

ومنه قوله [في] ذلك أيضا:

أكذا كلّ غائبغاب عمّن يحبّه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «أكذا كل غائب»
غاب عنه بشخصهوسلا عنه قلبه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «أكذا كل غائب»

لو أن لي يدا تكتب، أو لسانا يسهب، أو خاطرا يستملّ، أو فؤادا يستدلّ، لو صفت إليه شوقا إن استمسك بالجفون نثر عقدها، أو نزل بالجوانح أسعر وقدها؛ أو تنفس مشتاق أعان على نفسه، وظنّه استعارة من قبسه، أو ذكر محبّ حبيبا خطر في خلده، وتفادى أن يخطر به ذكر جلده:

حتّى كأنّ حبيبا قبل فرقتهلا عن أحبّته ينأى ولا بلده
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «حتى كأن حبيبا قبل فرقته»
بالله لا ترحموا قلبي وإن بلغتبه الهموم فهذا ما جنى بيده
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «حتى كأن حبيبا قبل فرقته»

ولولا رجاؤه أن أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرّياح، وزيارة طيف يخلعها الصّباح، لاستطار فؤاده كمدا، ولم يجد ليوم موعده غدا، ولكنّه يتعلّل بميعاد لقياه، ويدافع ما أعلّه بلعلّه وعساه:

غنى في يد الأحلام لا أستفيدهودين على الأيّام لا أتقاضاه
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «هبوا طيفكم أعدى على النأي مسراه»

ومن غرائب هذه الفرقة، وعوارض هذه الشّقة، أن مولانا قد بخل بكتابه، وهو الذي يداوي به أخوه غليل اكتئابه، ويستعدي به على طارق الهمّ إذ لجّ في انتيابه:

كمثل يعقوب ضلّ يوسفهفاعتاض عنه بشمّ أثوابه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «كمثل يعقوب ضل يوسفه»

وهب أن فلانا عاقه عن الكتب عائق، واختدع ناظره كمن هو كناظره عيش رائق، فما الذي عرض لمولاي حتّى صار جوهر ودّه عرضا، وجعل قلبي لسهام إعراضه غرضا؟:

بي منه ما لو بدا بالشّمس ما طلعتمن الكآبة أو بالبرق ما ومضا

وما عهدته أدام الله سعادته إلاّ وقد استراحت عواذله، وعرّي به أفراس الصّبا ورواحله، إلا أن يكون قد عاد إلى ذلك اللّجج، ومرض قلبه وما على المريض من حرج؛ وأيّ ما كان ففي فؤادي إليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسي أسيرة غلّة لا أطيقها بل أطيعها:

وإنّي لمشتاق إليك وعاتبعليك ولكن عتبة لا أذيعها
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «وإني لمشتاق إليك وعاتب»

الأخ النّظام - أدام الله انتظام السّعد ببقائه، وأعداني على الوجد بلقائه - مخصوص بالتحية الأريحية؛ ووالهفا على تلك السجية السخية، وردت منها البابلي معتقا، [وظلت من أسر الهموم بلقائها معتقا]:

خلائق إمّا ماء مزن بشهدهأغادى بها أو ماء كرم مصفّقا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «خلائق إما ماء مزن بشهدة»

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.