من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
القاضي الفاضل: السريع (٣)
الصفحة ١ من ٢
ومنه قوله:
لو كاتبت سيّدنا بمقدار شوقي لأضجرته، ولو أغببته بمقدار ثقتي به لهجرته.
ومنه قوله:
ووصف في كتابه شوقا أعانه على وصفه منه ما خذلني منّي، وأخبرني عنه وإنّما أخبرني عنّي.
ومنه قوله:
كتب الحضرة لو تتابعت وطالت، عندي بمنزلة المقتنص البهجة، المبتكر اللّذة، فكيف وهي لا تصل إلاّ وترا، ولا تزور إلا غبّا، ولا ترخص للهائم إلاّ في النّهلة، ولا تنفّس خناق المشتاق إلا بعد المهلة، وهي في أوسع العذر لأشغالها، وفي أضيقه لأشواقي، وقد نالت بأوّل كتبها كلّ المودة، فهي لا تتعب نفسها في طلب الباقي، وأين ذلك الباقي؟ وما أشبه هذه القصّة بقول جميل:
إذا نظرت قالت: ظفرت بودّهوما ضرّني بخلي فكيف أجود
وما المراد ما يحمل فيه على الخاطر، فقد عرفت محاسنه الغرر، ولا أن يتأتّى بقدر الرّقي إلى الدراري والغوص على الدّرر؛ وعلى ذكر جميل فأحسن قوله:
وإنّي لراض منك يا بثن بالذيلو ايقنه الواشي لقرّت بلابله
ومنه قوله في ذلك أيضا:
إن أخذ العبد - أطال الله بقاء المجلس وثبّت رفعته - في وصف أشواقه إلى الأيّام التي كانت قصارا، وأعادت الأيام بعدها طوالا، واللّيالي التي جمعت من
أنوار وجهه شموسا، ومن رغد العيش في داره ظلالا:
وجدت اصطباري بعدهنّ سفاهةوأبصرت رشدي بعدهنّ ضلالا
وإن أخذ في ذكر ما ينطلق به لسانه من ولاء صريح، ويعتقل جنانه من ثناء فصيح:
تعاطى منالا لا ينال بعزمةوكلّ اعتزام عن مداه طليح
ولكنّه يعدل عن هذين إلى الدّعاء، بأن يبقيه الله للإسلام صدرا، وفي سماء الملّة بدرا، وفي ظلمات الحوادث فجرا، وأن يجمع الشمل بمجلسه وعراص الآمال مطلولة، وسهام القرب على نحور البعد مدلولة، وعقود النّدى بيد اللقاء محلوله، ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اَللّهِ بِعَزِيزٍ﴾:
فقد يجمع الله الشّتيتين بعدمايظنان كلّ الظّنّ أن لا تلاقيا
وما رمت به النّوى مراميها، ولا سلكت به الغربة مهاويها، ولا استجد شوقه من الجفون ما فيها:
أغلت على السلوان شوقكم فماباعت كما أمر الغرام من اشترى
ومذ فارقت تلك الغرّة البدريّة، والطلعة العزيزة، ما ظفرت بشخصه نوما، ولا بكتابه يوما، فيا عجبا حتّى ولا الطّيف طارق:
وأعجب له في الحرب نثر كتائببكفّ أبت في السّلم نظم كتاب
يحاسبني في لفظة بعد لفظةومعروفه يأتي بغير حساب
ولو رضيت - وكلاّ بأن أحمل من هذا الجفاء كلاّ - لما رضي به لخلقه الرّضي، ولأخذ بقول الرضي:
هبوني أرضى في الإياس بهجركمأيرضى لمن يرجوه ما دون وصله
ومنه قوله يتشوّق:
فيا ربّ إنّ البين أضحت صروفهعليّ ومالي من معين فكن معي
على قرب عذّالي وبعد أحبّتيوأمواه أجفاني ونيران أضلعي
هذه تحيّة القلب المعذب، وسريرة الصّبر المذبذب، وظلامة عزم السّكون المكذّب، أصدرتها إلى المجلس وقد وقد في الحشا نارها، والزّفير أوارها، والدّموع شرارها، والشّوق آثارها:
لو زارني منكم خيال هاجرلهدته في ظلمائه أنوارها
وإلى الله يرغب أن يجعله بالسّلامة مكنوفا، وصرف الحدثان عن ساحته مكفوفا، ووفود الرّجاء على أرجائه عكوفا، وأن يمتع الوجود بوصفه الذي هو أشرف من كلّ وحيد موصوفا:
من كان يشرك في علاك فإننّيوجّهت وجهي نحوهنّ حنيفا
وقد كان ينتظر كتابا يشرّفه ويشنّفه، ويستخدمه على الأوامر ويصرّفه، ويجتني به ثمر السّرور غضّ المكاسر ويقتطفه؛ فتأخر ولم يحدث له التأخير ظنا، ولا صرفه أن يعتقد أنّ مولاه لا تحدث له الأيام بخلا بفضله ولا ضنّا:
ولو تصرف السّحب الغزار عن الثّرىلما انصرفت عن طبعك الشّيم الحسنى
وهو ينتظر من الأمر والنّهي ما يكون عمله بحسبه، وما يثبت له عهد الخدّام بنسبه.
ومنه قوله في ذلك:
ومن عجب أنّي أحنّ إليهموأسأل عنهم من أرى وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادهاويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
كتبت والعبرات تمحو السّطور، ويوقد ماؤها نار الصّدور، وتهتك وجدا كان تحت السّتور، وترسل من بين أضلعي نفس الموتور:
قد ذكرنا عهودكم بعد ما طالت ليال من بعدها وشهور
عجبا للقلوب كيف أطاقتبعدكم! ما القلوب إلاّ صخور
وما وردت الماء إلاّ وجدت له على كبدي وقدا لا بردا، ولا تعرضت لنفحات النسيم إلاّ أهدى إليّ جهدا، ولا زارني طيف الخيال إلاّ وجدني قطعت طريقه
سهدا، ولا خطف البارق الشّاميّ فأراه قلبي خفوقا ووقدا:
وأيسر ما نال منّي الغليل أن لا أحسّ من الماء بردا
فسقى الله داره ما شربت من الغمام؛ وأيامنا بها وبدور ليالي تلك الأيام تمام:
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوىوالعيش بعد أولئك الأقوام
وكان قد وصل منه كتاب كالطّيف أو أقصر زورا، وكالحبّ أو أظهر جورا، والرّبيع أو أبهر نورا، أو النّجم أو أعلى طورا، أو الماء الزّلال أو أبعد غورا؛ فنثرت عليه قبلي، وجعلت [سطوره قبلي] بل قبلي، ووردت منه موردا:
أهلا به وعلى الإظماء أنشدهلو بلّ من غللي أبللت [من] عللي
إلاّ أنّه أبقاه الله ما عزّزه بثان، ولا آنس غربته، وإني وإياه غريبان:
وكم ظلّ أو كم بات عندي كتابهسمير ضميري أو جنان جناني
وأرغب إليه، لا زالت الرّغبات إليه، وأسأله لا جثم السّؤال إلا لديه، أن يلاطف بكتابه قلبي، ويمثل بمثاله أيام قربي:
والله لولا أننيأرجو اللّقا لقضيت نحبي
هذا وما فارقتكملكنني فارقت قلبي
ومنه قوله جواب كتاب ورد عليه:
شكرت لدهري جمعه الدّار مرّةوتلك يد عندي له لا أضيعها
ورد على الخادم كتاب المجلس - أعلى الله سلطانه وثبّته، وأرغم أنف عدوّه وكبته، وأصماه بسهام انتقامه وأصمته، ولا أخلى الدّنيا من وجوده، كما لم يخل أهلها من جوده، ولا عطّل سماء المجد من صعوده، كما لم يعطّل أرضها من سعوده - فقام له قائما على قدمه، وسجد في الطرس مماثلا سجود قلمه، واسترعى الله العهد على أنه تعالى قد رعى ما أودعه في ذمة كرمه، وصارت له نجران علاقة خير صرف إليها وجهه فكأنها قبلة، ودعا بني الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها، فكأنما يدعوهم إلى ملّة؛ والله يوزعه شكر هذا الافتقاد على البعاد، ولا يخليه من هذا الرأي الجميل الذي هو عقد الاعتقاد.
ومنه قوله:
ورد كتاب [المجلس] ووقفت منه على ما لا يجد الشّكر عنه محيدا، وآنست به القلب الذي كان وحيدا، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا معطلة، وحللت قصرا مشيدا، و ﴿لا يُكَلِّفُ اَللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَها﴾، وتلك الغاية ليست في وسعي، ولا تعلم نفس إلاّ ما طرق سمعها، وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعي، وهذه الأوابد الأباعد ما طالها ذراعي، ولا استقلّ بها ذرعي.
ومنه قوله:
المملوك يقبّل التّراب الذي يوما يستفزّ بحوافز سيله، ويوما يستقرّ بحوافر خيله؛ فلا زال في يوم السيل جوده سحابا صائبا، وفي يوم الحرب شهابا ثاقبا، وينهي أنّه وردت عليه المكاتبة، التي استيقظت بها آماله من وسنها، وأفادته معنى من الجنة، فإنّه أذهبت ما بالنفس من حزنها؛ وتلقّى المملوك قبلتها بالسّجود والتّقبيل، وتحلّى بعقود سطورها فهيهات بعد هذا شكوى التّعطيل، واكتحل من داء السّهد بإثمدها، وأدار على الأيام كأس مرقدها، وأسمعته نغم النّعم التي هي أعجب إلى النفس من نغمات معبدها، وأطالت الوقوف عليها بركاب طرفه، فما وقوف ركاب طرفة ببرقة ثهمدها، وضرع إلى من يشفغ وسائل المتضرعين، ويملأ مواقع آمال المتوقعين، أن يغلّ عنه كل يد للخطوب بسيطة، ويفكّ به كل رقبة للأيام بأعناق منها محيطة.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة السامية - لا زالت رياض نباتها متفاوحة، وخطرات الرّدى دونها متنازحة، والبركات إلى جنابها متوالية، واللّيالي بإبراز سعادتها متلالية، والأيّام الجافية عن بقية الفصل منها متجافية، تنحر إليها المكرمات إذا لم
تكن لها فئة - فأنشده ضالة هوى كانت سدى، ورفع له نارا موسوية، سمع عندها الخطاب، وأنس الخير، ووجد الهدى، وكانت نار العليل في فؤاده بخلاف نار الخليل، فإنّها لا تقبل ندى الأجفان بأن يكون بردا وسلاما، ولا يرى إلاّ أضرى ما يكون ضراما؛ وشهد الله لقد كان العبد حصر القول نشوزا، منذ فارقها على تلك الصفة، فلا هو قضى من حقها فرائض لزمت، والله وتعينت، ولا الضرورة في مقامها بحيث تبلغه الشّهادة أذنت، ولا الأيام بالبعد ما أساءت، فإنّها بالقرب ما أحسنت:
وإنّ امرءا يبقى على ذا فؤادهويخبر عنه إنّه لصبور
ونعود إلى ذكر الكتاب الكريم، فإنه سجد لمحرابه وسلّم، وحسنت سطوره فحسبها مباسم تتبسّم، ووقف عليه ووقف المحبّ على الطلل وكلمه ولا يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى، وتصفحه وقد كان على تصفّحه المحرم، وجدد له صبابة لا يصحبها أمل، وخاف أن لا يدرك الهيجا حمل، وقال الكتاب:
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل[وإن بليت، وإن طالت بك الطّيل]
وأنشد نيابة عنها:
وإنّ بلادا ما احتلت بي لعاطلوإنّ زمانا ما وفى لي لخوّان
والله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة، فإنّها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها؛ ولا غرو إن بلغ عمره مدّة عمرها، على أنّه يتحقق خلودها في الجنة بعملها، وفي الدنيا بذكرها، وإن الدارين تتغايران على عقائل فخرها، ولا يتأخران عن إجرائها على عادتها في رفع قدرها، وعلى أنها طالما أقامت على الدّنيا السّكرى، حين أقامت في حدّها من العمر الثّمانين، وأدّبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السّلم من قلمها تأديب الخائنين، وما حملت العصا بعد السيف حتّى ألقت إليها السلم، فوضعت الحرب أوزارها، وما استقلت بآية موسى إلاّ لتعجز بها أنهار الخواطر وتضرب بحارها، وما هي إلاّ رمح وكفى بيدها سنانا، وما هي إلاّ جواد تجنب السّنين خلفها فتكون أناملها لها عنانا.
وقوله:
ولعله الآن قد عوفي من الأمرين، وقرّت بوجهه العين، وجدّد عهده بنظره، وقرّب عليه لسانه إسناد خبره، وبلّت منه غلة الحائم، ورأت منه هلال الصائم، وطالعها وجه الزمان المغضب بصفحة الباسم، ووفى مواعيد الأنس منه الضّامن الغارم؛ وهو يسلم عليه تسليم الندى على ورق الورد، ويستمدّ الوفاء من غرس ذلك العهد، ولكتاب الحضرة العالية من الخادم، موضع الطوق من الحمام، يتقلده فلا يخلع، ويعجبه فلا يكاد يسجع، ويحكيه طوقا على الأسى، إلا أنه بدرّ الدّمع يرصع؛ وإذا أنعم به فليكن مع ثقة، ويخشى أن يكون هذا الشرط له قاطعا، بل مع من اتفق فإنه كالمسك، لا يدعه العرف الضّائع أن يكون ضائعا:
أكتبه يكتب لي أمانا ماضياوابعثه يبعث لي زمانا راجيا
إن أشتريه بمهجتي فقليلةفاسمح به فمتى عرفتك مانعا
ومنه قوله:
وقف الخادم على ما شرف به طبعه، وشنف به سمعه، وضيق سعة ذرعه، من العتاب الذي خفض له الجناح، واستعذب به الجراح، وأسر فيه بقيد أسى مستطاب لا يراد منه السراح، وقذف به في لهوات ليل لم يودّ أن يبتسم فيه الصباح؛ وقد علم الله أنه بريء من كل ما يوجب المذامّ، ويطلق ألسنة الملام، ومليء من الخدمة بما لا يغضي فيه عن حق سبقه لأحد من الخدام، وأنه لجواد يبذل جهده وما عليه أن يحلب الأيام، وأنه لمستيقظ من حقوق الخدمة إلا أن حظه من أهل الكهف لطول المنام، وما كان تأخره عن المكاتبات التي يخدم بها مجلسها، ويقتدح بها من الإجابة قبسها، إلاّ الرغبة أن يكون مقترنا بحصول أمر، فما أسعفته الأقدار بمراده، ولا نجح رائد اجتهاده؛ وكتب هذه الخدمة حين أحصر على ما استيسر من الهدي، قد ركب من قديم الإخلال حدّ النهي، متبرئا من التقصير الذي ما هو منه ولا إليه، ومعوّلا في العذر الذي ما كان مخلوقا قبل خلق يديه؛ ووصل الأمير أن معظم الأنس بمقدميها الكريم، وقدما إلى بلاد صارت كظلّ رامة لا يريم، ولا يؤدّي يومه الجديد ما كان يؤدّيه أمسه القديم، وكيف ما حل أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كل مطلع نجومه وبدوره، لا تذال أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تتبدل أقدارهم في مصونات المجامع:
يحميه لألاؤه ولو ذعيّتهعن أن يذال بمن أو ممّن الرّجل
كأن الأرض بهم سماء، فإنهم طوالعها، وكأن الدّنيا بهم رياض، فإن أوجههم زهرها، وأيديهم مشارعها؛ وما يدع العبد غاية من الخدمة لهما إلاّ
بلغها واعتذر، واجتهد ورأى أنه قد قصّر، لا زالت الأيام ناظمة لعقد المجد ببقاء الواسطة، ولا برحت الجنّة العلياء مصرفة بأيديهم الباسطة.
ومنه قوله:
سطّر هذه الخدمة - ثبّت الله قواعد مجده وأرساها، ولا ابتزّ أفنيته حلالها من السّعود وكساها، وقرن بالسّكون والأنوار مصبحها وممساها - في ساعة رحيل قد غرّد حاديه، وسال شطّ واديه، وكان يؤمل اجتماعا يغنيه عن تحمّل منن الأقلام وصنائعها، ويدينه من مشافهة الأنوار التي إلى اليوم ما تناست العيون فضل ودائعها، فأحصرته الأنوار دون منسكه، وعثرته الأيام بذيل العجز في مسلكه، وعزّت جناحه بما لم يستقلّ مجاذبته من شركه، فسارت الراية النّاصرية نصرها الله:
وأقمت بعد، وللزّمان عجائبمنها ترحّل مهجتي ومقامي
ويعزّ عليه أن لا يتطوّف بربعه، ولا يرى الدّيار إلاّ بسمعه، ورضي بما يرضى الرضى من ساكني سلعه.
ومنه قوله:
وصل إلى خادم المجلس - لا زال جفن الدّهر عنه كليلا، ولا برح مجده فوق مفرقه إكليلا، ورأيه في غياهب الأمور فجرا ساطعا، وفي مفاصل الخطوب سيفا قاطعا، وشعاع صوابه في ظلام المشكلات شائعا - كتاب منه فكّ منه قفل النفس من أسرها، وحاز لها الأماني بأسرها، وتغلغل لطفا في القلوب إلى حيث مستقرّ المستودع من سرها، وجدد له لهفا لولا التماسك لهفا قلبه بأدنى أنفاسه، وتدرّع
من سهام الدهر به ولا غرو أن يدّخر لباسه لبأسه.
وأما الكتب المنعم بها على يد فلان فلم يصل شيء منها، والطرف بها معقود، والقلب إلى حيث ورودها مورود؛ ولا شبهة في أنّ الطريق كالخواطر - وما يعني إلا خواطر نفسه - مربوطة لا تنفد مسالكها، وكم طالع فكرة مظلمة لا تنجلي حوالكها، وهو من كتب المجلس - أدام الله نعمته - بين روضة قد تلاحقت غرر محاسنها، وتناسقت درر معادنها، فمن نورة في كمام، وزهرة في نظام، وثمرة في تمام، ونضرة في ضحى وعبقة في ظلام، فهو من واصلة ومتواصلة، وواقعة ومتواقعة، وطالعة ومتطلّعة، ويانعة ومتنوعة، لا خلت من صوب سحاب خاطره الرّوى يروضها ويروّضها، ويرفع مياسم الجدوب ويقضّها ويقوّضها، وما يحسب الخادم أن هذا الكتاب إلاّ مساوقا لوصول الرّكاب الناصريّ إلى الشّام، فهنيئا له أن زاره السحاب الطبق والربيع الطلق، وأن أضاء بمحضره فجّ وأظلمت بمغيبه فجاج، وأن خمدت للمخافة نار واتقد للأمنة سراج وهاج، ومصر وإن كانت دارا، ما خرج عنها من الشام إلاّ إلى دهليزها، فإنه عزيز عليها - والله - وعلى أهلها فراق عزيزها.
وأما حال الخادم بعد فرقة الرّكاب المشكور، فوالله لقد عرد قلبه من أمره ووعده، بما لم يف به لا من سلوه بل من صبره، وسار بعد ذلك القلب فما وجد منه عزيمة فيطالبه بموعد نصره، وما خالف عادة تسرعه، وأخلف عدة تبرّعه، إلا أنه كان في غير سفرة ما كان نفض غبارها، وفي إعلال فرقة ما كانت كفأت إسارها، ولا سيما بعد أن أطلعته الأربعون شرفها، ونصبته الخمسون هدفها، فأنكر تلك التي كان عرفها، وفارق عصر شبيبته وما وجد في المشيب خلفها، ولحق أمله ببدنه وكلاهما قد أنهج، وقربته الخمسون مع معترك الستين، وكلاهما
قد أزعج؛ والله المسؤول في يقظة قلب وعين، وصحبة تبيين قبل صيحة بين؛ والله المشكور إذا عشي عن المجلس عيون الأيام ولواحظها، وأفهمه إشارات الدّنيا ومواعظها، فقد أبطل بعصاه سحرها، وفضح بقلمه سرّها، وانتضاها فقطع بها ولم تقطعه، ولبسها فخلعها ولم تخلعه، وانتظم أيامها في سلك أعوامه، وغصب أهلها حتى أنوارها، وألقى الجنا على قوامها لا على قوامه، فلا زالت في عمر وريق الأفنان، وثيق الأركان، تتزوّد كلّ يوم فيما يتزود، ويشتدّ ركنها ويتأيد ولا يتأوّد.
ومنه قوله ﵀:
أدام الله أيام المجلس، وأيده في كلّ مقام ومقال، ووسع له كل مجال ومنال، وأنفذ له كل رسم ومثال، وحرس عهود سعوده من الانتقال والملال، ولا زال مفيد الفوائد، معروف العوارف، منصور الأنصار، ظليل الظّلال، ورفع علمه، وثبت قدمه، ونصر سيفه وقلمه، وكرم شيمه وهممه، وعزز موارد جوده وديمه، وأعدى بها كلّ وليّ على الدّهر إذا ظلمه.
ورد كتاب مولانا الذي هو مولى الكتب وسيدّها وأوحدها، ومورده على القلوب منهلها العذب وموردها، وفيه من الإنعام مالا سبيل إلى شكره، بل إلى شكره، بلسان ذكره، وما لا يقوم الخادم بواجب حقّ بشره إلى يوم نشره؛ وكان وصول الكتاب الكريم، والخادم على قلق لتأخّر الكتب وإبطائها، وشذوذ التّرسّل وتواني خواطر استدعائها، وقد قابل تأخّر الكتب المظفرية تأخّر الكتب الناصرية، وتعاونت الشّواغل على الخواطر، وتواحى طيف خيال السّكون من جانبيهما لجفوة ناظر المشفق الساهر، ولا جرم أن وصولهما صبّحت به بكرة يوم لا يومين، فكأنما كانا على ميعاد، وطرقت الليلة بتوأمين بكتابيهما، فسقيا لليلة هذا الميلاد.
ووقف المملوك على ما في الكتاب المظفريّ، ولائح الأمر أنّ المولى قد قلا مصر وجفاها، وأنه خلّى الدّيار تستوحش ممن بناها:
فإن ترك العراق وساكنيهفقد تمنى المليحة بالطّلاق
والمولى إذا حلّ في مكان، نهضت عواثر جدوده، وطلعت طوالع سعوده، وكان بنفسه عسكرا، وبذكره عديدا مستكثرا، وجدّد من عزمه حديثا مذكّرا، ولم يحتج معه إلى جيوش في ديوان، ولا إلى سيوف في أجفان، وقام بنفسه النّفيسة مقام الفئة، وأقلق العدوّ في موطنه وحرّم عليه موطئه، والخادم خادم أغراض الخلق في هذه الدّلالة، ولسانه نائب ألسنتهم في هذه المقالة:
[فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله]ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
ومنه قوله ﵀:
ورد على المملوك - أدام اللّه ورد السّعود على الجناب الملكيّ المظفريّ، ولا زالت السّعود تصحبه، والنّوب تخدمه، والشّفاه تلثم ترابه، والسعادة تستمطر سحابه، والوفود تلتزم أبوابه، والأيام تتهيب حجابه، وتيجان الملوك تحفّ ركابه، والأقدار تقرب آرابه، والنّصر يغلب أحزابه - مواهب مولانا المسماة كتبا، وآثار سحبه التي أنبتت من الأسطر عشبا، ولحظت حظّه الحجريّ فأعجب وأعشب، وإن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربّا؛ لا برحت نعمة مولانا فوق شكر الشاكرين، وكتبه راحة قلوب المنتظرين، وعقلة عيون النّاظرين، ووصل ما سيّر من الحمل إلى الخزانة على يد جامع ورفقته، في وقت الحاجة الدّاعية، والخلّة البادية، والضّرورة المتمادية، وأنفق في الحاشية والتّعدية، وفرّق في أرباب المطالب والمطامع القريبة والمتعدية، وتضاعف الشّكر لمن جمع هذا المال ووفّره، ويسّره
وسيّره، واستخدم فيه ناظره ونظره؛ وما يعدّ المملوك ما وصل إلاّ موهبة صرفها إليه، ونعمة أسبغها عليه، ومنّة تقلّدها وقلد بها المنن، وصنيعة استرقّته وإن كان قد سلف استرقاقه بأوّل ثمن، فإنّه وفي بذقّة، لسانه، وبيّض وجه ضمانه، وكلّ من وصل إليه شيء من هذا البرّ شكر المولى فأكثر، وفرح بأنّ غرس الرّجاء قد أثمر، ورأى من وجوه رسله أهلة، وظنّ الإحسان عيد صيام الانتظار، فقال: الله أكبر، وتشيع سيبهم عند فيض سنيّ عطائه فتوالى فغفر؛ وبالمعروف، فلولاه لكان قد درست أعلامه، بل لولاه [لم] يعرفه، [و] لكان قد سلبت ألفه ولامه؛ وإنّ غيثا يصبح من مصر بحمص لقد أبعد مرماه، وكرم منتماه، وسما مسمّاه، وسرى طيف الخيال، ولكن إلى من لم ينم، وجرى مجرى النسيم إلا أنه ينفخ الأرواح في النسم؛ وللمملوك سبح طويل في الحمد، ولا بد أن يدخر منه ما يستأنفه عند تكملة الإنعام، على أن يشرع في الشكر عند كل مسألة، ثقة بما وراءه من الاهتمام؛ فأما العافية الشاملة لأهل الإقليم، فكيف لا تشملهم وسيف المولى الطبيب، ومهابته دون محبوب الأعداء منهم والرقيب؟ وكيف لا يأمن الغاب وهو مسبع؟ وكيف لا يتوقّى وهو مشرع؟ لا عدموا هذا الظل فإنه كثيف، وهذا الطبع فإنه شريف، وتلك الحماية فإنها الأمان، وتلك الولاية فإنها زمان لا يرجى مثله من الزمان.
ومنه قوله من كتاب إلى الملك المظفّر تقيّ الدّين:
أصدر المملوك هذا الخدمة من ظاهر حماة، وهو ينظر إليها نظر المحبّ إلى الحبيب، ويتذكر منها أيام الخدمة التي هي وطنه، ولو نأى عنها - وهي في
فطنه - لكان كالغريب، ولولا حياء المملوك من مصر لكان بشّرها وأهلها من قربه منهما بفرجهما القريب، ولكن لا بد من عصبية لمصر، فلا نفجؤها بمشيئة الله من ذكر يوم فراقه باليوم العصيب، وآثار المولى على قلعة بلدها بمكان التيجان من الرّءوس، وذكره بين أهلها من ناسك وخليع، يفتح المصاحف ويدير الكؤوس.
وكان ورود الركاب العالي الناصري نصره الله إليها في يوم كذا، أحسن الله تقضيه، والمرض قد أحسن الله في تقصيه، والشفاء قد أنعم الله به على سلطاننا وعلى من يليه، فيالها من نعمة لا عذر فيها للشكر إذا اعتذر، ويا لها موهبة منّة منّ الله بها، آمن الذي أمن بها وبهت الذي كفر، وياله صفو لا كدر فيه، وكلّ صافية لم تخل من كدر.
ومنه قوله:
﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلّا هُوَ﴾ فسبحانه جلّت قدرته جلاّها، وقد بلغت القلوب الحناجر، وفرّجها وقد بلغت الدّموع المحاجر، ومنّ بالسلطان على الخلق، وأقامه ليعتمّ به إن شاء الله دين الحقّ، فالمملوك يبشر مولانا - أدام الله له البشرى - بالعافية النّاصرية، وقد سار المبشّر عنّي بكتبه كما يقول المقلّل والمكثر، وقد سيّر المملوك كتابه الكريم لما فيه من زيادات، ولما تضمنه من متجددات، وعند مولانا له كتب كثيرة قد قضى منها الوطر، وقد نزه فيها النّظر، وقد وجب أن يردّ طيرها إلى وكرها، وعرائسها إلى خدرها؛ وأصدر المملوك هذه الخدمة ساعة سير السائر، كما أن المكاتبة بما قبلها قد كانت أم الكبائر؛ وغير ذلك فهو ينهي وصول كتاب مولانا، ومطالعة مولانا النّاصرية بخطّه، التي أنعم بتسييرها مفتوحة، وأفاد المملوك كلّ فائدة، بالوقوف عليها، وقد سيرّها فكان وصولها من حسن الاتّفاق، وكتابتها من سعادة
كاتبها تأتي عند العشيّ بالإشراق، لأنّ مولانا هنّأ بها عن العافية الأولى المكتوب بها، لينقطع الإرجاف، فصارت الآن هناء بعافية لا خلاف في أنها ما فيها خلاف.
ومنه قوله:
أدام الله سلطان الديوان العزيز، ولا زالت كتائب أعلامه تكتب أقلامه مرفهة، وأحلام وفاقه مرشدة، وأحلام أهل خلافه مسفّهة، وسيوف عزائمه تستوعب كلّ حديث حسن، فلا تبقي إلاّ أحاديث عن السّيوف مموهة، والقول بتوحيد فضل خلافته لازما، فلا يقبل شبه المعطّلة ولا تعطيل المشبهة؛ وأفعالها التي يبتغى بها وجه الله باسمه الشّريف في الملكوت الأعلى منوهة، ولا زال قوله بلغا، وأمره بالغا، وفضله سائغا، وفضل الله به سابغا، والحالي بعده للعاطل فاضحا، والحقّ للباطل دامغا، وإخلاص فطرة لا يدع للكفر شيئا غابطا، ولا للنّفاق شأنا نابغا.
الخادم يذكر أنه ورده، بل أورده من سدى الديوان، بل من أفق الإحسان، كتاب مرقوم، بل سحاب مركوم، أثبت في الأسماع، بل أنبت في الطباع، العقد النّقيّ، وأهدى إلى البصائر الصّادقة، بل أبدى للأبصار الرامقة، أي سابقة أنس، بل أي شارقة شمس، فأضاء الفضاء بنوره، وضرب بينه وبين الظلماء بسوره، فاستقلّت ملوك المعاني على سريره، ودخل الفهم حينه، ورفلت اللّيالي في حريره، ونقلته عينه في الحال إلى ضميره، فأنست معانيه بما هناك من عقائد اختصاص، وموارد إخلاص، مستقرّة في حيث لا تجري كلّ الأسرار، ولا تسري كلّ الأنوار، ولا تستودع إلا عقود التكليف، وخواطر التعريف، فألقت عصاها، ولقيت من أطاعها وما عصاها، وحلّت حيث حلّت، وجلّيت حيث جلّت، وانتدبت العزمات بمراجعتها، فهي المرآة إلاّ أنّ الصّدأ مصدود على صفحتها،
وهي العينان، إلاّ أن الليل والنهار سواء في وصف صحتها، وهي القلق، إلاّ أنّ العيون دائمة الاستمتاع بلمحتها، وهي الرّوض، إلا أن أنفاس النسيم منافسة في العبارة عن غير نفحتها، وهي المذكرات الأنفس بالله، إلا أن أسطرها سلوكها، وحروفها درر صفحتها؛ ولا زال الخادم إلى مثل هذه الفقر فقيرا، وبها على نفسه بصيرا، وإذا أنعم بتسييرها إليه عدّها نعيما مقيما، وإذا ملكها رآها ملكا كبيرا، وما تردّ واردة من الدار العزيزة، وذلك أنّ المواصلة ما فرغوا إلى دار الخلافة إلى أن فرغوا، وإلا فطالما طمع أولهم كما طمعوا، وقديما دعوا إلى طاعتها فما سمعوا، وسمعوا فما انتجعوا؛ ولا يربّى الصغير إلا بما ربّي عليه الكبير، ولا سبّ على جناية الأول إلا بما جناه الأخير، وقد كانت دولة العجم بالعراق استعلت ثم استفلت، وهبّت ثم وهنت، فتعبت رجال الليالي والأيام، وأولو تدبيرات السّيوف والأقلام بدار الخلافة، إلى أن صرفوا العدى عن موردها، وأبعدوا الأذى عن معهدها، واستقلّت الخلافة وحدها، ولزمت الأمور حدها؛ وإذا كانت المواصلة قد تقطعت بهم الأسباب، وأوصلهم حساب الحرب إلى العقاب، وتبرّأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا، وتفرّق الذين اجتمعوا بعد ما جمعوا، ففريق فرّ نازحا، وفريق قرّ مصالحا، وفريق على البعد راسل مستصلحا ومتطارحا، وفريق فتح بلده الذي كان التقليد له فاتحا، فلم يبق للمواصلة إلا أن يأووا إلى جبل يعصم من الماء، ويتعللوا بسراب بقيعة لا متعلل فيه للظمأ، ومعلوم أنهم إذا اختلبوا تلك الجهة، عادوا عود طائر نقّاق إلى عشه، واسترجعوا خاتم ملك، فربما رجع الأمر جاريا على نفسه، وما أولى ولاة المناصب، وكفاة المراتب وحملة الأمانات، وخدم سدّة السادات، إلى أن يفيقوا لهذه العمرة حق
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع