تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو علي، الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشخباء العسقلاني

صاحب الخطب المشهورة، والرّسائل المحبرة؛ لسان لا يكفّ له غرب، ولا يكلّ له ضرب، بحسّ ذكيّ كأنه زجاجة فيها نار، وحدس زكي لا يطمس له نار؛ وبينه وبين ابن الجميد مكاتبات، ينشر منها الحلل، وينظر منها ما تحوي الكلل؛ وقفت عليها، وصرّفت النظر فلم أجده ينصرف إلاّ إليها؛ وكانت عندي بالخطّ الفاضليّ، وإنّما أذهبته من يديّ النّقل، وأطلقته من حاصلي العقل؛ وكانت بينهما من لطائف الشّتام، ما كان لسالف النّقائض كالختام، بألفاظ عذاب كأنّها نطف الغوادي، وطعم السلامة من يد الأعادي؛ وكان لا يحسن منها إلا عقير مدامة يحسوها، وعاقد راحة على شعاع راحة يكسوها؛ وكانا عجبا، ونيّرين ظهرا، والشمس والقمر قد حجبا.

ومن نثره قوله:

أمّا ما افتتحت به من ذكر استحكام الثقة، فقد عجبت من تعاطيه وصف

ذلك، مع العلم بوضوح دليله، والمعرفة بكثيره وقليله، وأنى يتجاوز تلك الصّفة وهو ينبوع الوفاء ومنبته، وممكن أسّه ومثبته:

تسكن أحشائي إلى حفاظكمسكون أجفاني إلى رقادها
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أمكنت العاذل من قيادها»

وأما تخلّفه عن الزيارة للعذر الذي نصّه، فقد رأيت ليلتي بغيبته، فكأنّها قرنت بيوم الحساب الأطول، أو علّقت نحومها السيارة بأمراس كتّان إلى صمّ جندل.

ومنه قوله:

فارقني مولاي، وخلّفني خلف السهاد، مفترشا شوك القتاد، أتذكر أخلاقه تذكّر الفقير غناه، وابن ذريح لبناه، وامتدّ عليّ رواق الليلة المذكورة، حتّى كأنّ نجومها شدّت بمناكب أبان، وقمرها يسير في فلك كيوان:

يئست من صبحها حتّى التفتّ إلىوجه الظّلام أعزّيه بفقدان

ولم تزل هذه حالي في الوحشة، إلى حين وصول الرّقعة الأثيرية؛ فإنها رقعت هلهلا من الجدل مخلقا، وتركت داويا من المسّرة قصرا مونقا؛ ووقفت عليها، فقلت: أجرى الطّرس سطورا؟ أم زهري منثورا؟ أو نظمت البراعة ألفاظا أدبية؟ أم سلوكا ذهبية؟ وأنا أجيب عنها، ولكن كما يجيب قسّا باقل، وتفاخر السّحب المثقلة جداول؛ لمّا علمت أنّه قد عبث عليّ من وجه صحيح، لقيته مخفوض الجناح، وقابلته بالاستغفار والاستفصاح؛ إذ أنا بحمد الله تعالى ليّن الكنف تحت ظلال المودّة، شديد في هواجر الشّدة:

جليد على عتب الخطوب إذا التوتوليس على عتب الأخلاّء بالجلد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

وأما الفصل المختصّ بالحضرة السامية، ووقوع الأمر بحسب ما كان مولاي ذكره، فلم تزل ألمعيته تمده بالرأي الثاقب، وتكشف له ستور العواقب، والله المحمود على ما منح مولاي من صحة النظر الذي يتساوى فيه حاضر من الأمر وغائب، ومستقبل من الخطب وذاهب، وحسن الألمعية التي عناها الأوّل بقوله:

وتصيب مرتجلا بأوّل فكرةأعراض كلّ مخمّر ومبيّت

وأمّا الفلانيّان، وما تجدد بينهما في هذا الوقت من الصحبة، وانتسج من المودة، فللمشابهة قضية دائمة الوجوب، وللمشاكلة حوادث تملك حبات القلوب؛ وكلّ نفس بعادتها صبّة، وإلى ما يلائم طباعها منصبة؛ النملة تفرح بالبرّة، أكثر من فرحها بالدّرة؛ والضّيون يرى القذاريّة، خيرا من اللّطيمة الدارية؛ ومولاي يخالفهما بصحّة ميثاقه، وكرم أخلاقه، ودماثة طبعه، وصلابة نبعه، وطيب أصله وفرعه؛ فلا غرو أن يجهدا في نقض دمرته، ويرغبا عن الاختلاط بحضرته:

لا تنظري صدّي ولا مقتيما أنت من حربي ولا سلمي

وأما سؤاله عن قائل البيتين المنظومين، وهما:

ويقودني لوصالهخرس الهوى قلق الوشاح
ينآد كالغصن النّضير بمثله عبث الرّياح

فقد فتح لي هذا السؤال بابا عرفت أنّ مولاي قد أعطى فلانا مقوده، ومدّ إلى

مغازلته يده، ولزم مضجعه، وتوفّر على الخلوات معه؛ فقلت: خبر يحتمل الصّدق والمين، ووقفت حائرا بين هذين، حتى عرفت اشتهار ذلك؛ وأنّ الأخ غضب منذ أيام قليلة، وبات في القرافة بأسوإ ليلة، فلم أدر كيف أعتب مولاي وألوم، ولا كيف أقعد في التّأنيب له وأقوم؛ وهو الحياء الذي إذا انثلم فقد انهدم، وإذا تصدّع فقد ذهب أجمع، والمعيشة التي من المروءة حفظ موادّها، وصلاح فسادها، ومع ذلك فالبيتان المذكوران لعبد الصمد [بن] المعذّل، في كلمة يقول فيها:

هتفت به نذر المشيب فغضّ من غرب الجماح
هيهات ملت إلى النّهىوأجبت داعية الفلاح
وجعلت من ورد التّقىكأس اغتباقي واصطباحي

وقد كان مولاي باستحسان هذه الأبيات أليق، وهي بصفته أعبق؛ وكأني به إذا بلغ إلى هذا الفصل من الرّقعة، أنشد قول الخطيم بن محرز:

وما لا مني في حبّ عزّة لائممن النّاس إلاّ كان عندي من العدى
ولا قال لي: أحسنت إلاّ حمدتهبما قال لي ثمّ اتّخذت له يدا
للشاعر الخَطيم العكلي المَحرِزي، اقرأ القصيدة

ولا أتعدّى هذا الحد حرفا، أن أجني ذنبا عظيما، وأولم قلبا بشهادة للّه عليّ كريما.

ومنه قوله:

وأما الفصل الأخير، فأعلم واللّه أنّه صدر عمن احتسى من كأس المساهمة، وجلّيت لي بودّه وجوه الدّهر السّاهمة؛ وأنا أؤمل بفضل الله تعالى أن يقع من غير إرهاب، وتتواصل لديّ بغير حساب، حفظا للعادة التي حكم بها كرمه، وتمت معها عندي آلاؤه ونعمه.

ومن شعره قوله:

ألقى بكفّي جذوة في درّةواللّيل يخطر في هلاهل أزره
أخت النّجوم تشعشعا وولادةسرقت محاسن وصفه في سكره
فضرامها من خدّه، وحياتهامن ثغره، ونسيمها من نشره

وممّا أورد له ابن بسّام قوله:

ما زال يختار الزّمان ملوكهحتّى أصاب المصطفى المتخيّرا
قل للألى ساسوا الورى وتقدّمواقدما: هلمّوا شاهدوا المتأخّرا
إن كان رأي شاوره أحنفاأو كان بأس نازلوه عنترا
ولقد تخوّفك العدوّ بجهدهلو كان يقدر أن يردّ مقدّرا
إن أنت لم تبعث إليه ضمّراجردا بعثت إليه كيدا مضمرا
تسري وما حملت رجال أبيضافيه ولا ادّرعت كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهموأمرت سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن تحوّل سطوةوزلال خلقك كيف عاد مكدّرا
لا تعجبوا من رقّة وقساوةفالنّار تقدح في قضيب أخضرا

ومنه قوله:

ولمّا كان الثناء أحسن ما تدار عليه الكؤوس، وتنقش له الأقلام في الطّروس، وجب أن يطلق في هذه الحلبة الأرسان، ويستخدم في أداء فرضها اللّسان.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.