من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
بديع الزمان الهمذاني
الصفحة ١ من ٢
وهو نادرة الدّهر وبادرة الزهر؛ قلّ أن ولد الزّمان مثله، أو ولّد شكله؛ إن الزمان بمثله لعقيم، ولا عصبية للعظم الرميم؛ بل هو والله البديع حقا،
المعتكر طرقا؛ كاد يلتهب فكره ذكاءا، وينتهب ذكره ذكاءا، كأنما كلمه حبر أو لفظه زبر؛ سجعه قصير، ونفعه كبير، من سمع حسّانه تبع إحسانه، ومن فهم بيانه، علم أن فوق السّحاب بنانه؛ وربما كاد يحكيه لو وهب، لو كان - كما قال - طلق المحيا يمطر الذّهب؛ نافح الرّياض فأخذ أنفاسها، وسافح السحائب فنثر أكياسها، بزّ الكواكب ولبس لباسها، وبذّ المدام وسلب الحميّا كأسها، فجاء بسحر عظيم إلاّ أنه حلال، وخمر لا لغو فيها ولا تأثيم وفيها الخلال؛ ووراءه جرى الحريريّ لكنّه نقّح، على أنه مما ترك البديع ولقح.
وذكر البديع أبو منصور الثعالبي، فقال: هو أبو الفضل، أحمد بن الحسين الهمذاني مفخر همذان، ونادرة الفلك وبكر عطارد، وفرد الدّهر، وغرة العصر، ومن لم يلف نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطّبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، ولم يدرك قرينه في ظرف النّثر وملحه، وغرر النظم ونكته، ولم يرو أن أحدا بلغ مبلغه من لب الأدب وسرّه، وجاء بمثل إعجازه وسحره؛ فإنه كان صاحب عجائب وبدائع؛ فمنها:
أنه كان ينشد القصيدة لم يسمعها قطّ، وهي أكثر من خمسين بيتا، فيحفظها كلّها، ويوردها إلى آخرها، لا يخرم حرفا منها [ولا يخلّ بمعنى]، وينظر في الأربع والخمس الأوراق، من كتاب لم يعرفه ولم يره إلا نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذا، ويسردها سردا.
وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى غريب وباب بديع، فيفرغ منها في الوقت والساعة، والجواب عمّا فيها.
وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه، فيبتدئ بآخر سطوره ثم هلم جرا إلى الأول، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه.
ويوشح القصيدة الفريدة من قبله بالرسالة الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم ومن النثر؛ ويعطى القوافي الكثيرة، فيصل بها الأبيات الرشيقة.
ويقترح عليه كلّ عروض، فيرتجله في أسرع من الطرف على ريق لا يبلعه، ونفس لا يقطعه. وكلامه كله عفو الساعة، وفيض البديهة، ومسارقة القلم، ومجاراة الخاطر [للنّاظر].
وكان مع هذا مقبول الصورة، خفيف الرّوح، حسن العشرة، ناصع الظرف، عظيم الخلق، شريف النفس، كريم العهد، خالص الودّ، حلو الصداقة، مرّ العداوة.
فارق همذان [سنة ثمانين وثلاثمائة] وهو مقتبل الشبية، غضّ الحداثة، ووافى نيسابور فنشربها بزه، وأظهر طرزه، وأملى مقاماته وغيرها، وضمنها ما تشتهي الأنفس من لفظ أنيق قريب المأخذ، بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع
والمقطع كسجع الحمام، ثم ألقى عصاه بهراة، فعاش بها عيشة راضية.
وحين بلغ أشده وأربى على أربعين سنة، ناداه الله فلبّاه، وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة؛ فقامت نوادب الأدب، وانثلم حدّ القلم أنه على ما
مات من لم يمت ذكره، ولقد خلّد من بقي نظمه ونثره.
وسئل بعض علماء الأدب عن الحريريّ والبديع في مقاماتهما، فقال: لم يبلغ الحريريّ أن يسمّى بديع يوم، فكيف يقارب بديع زمان!.
ومن نثره قوله:
وقد نظرت في المرآة فوجدت الشيب يتلّهب وينهب، والشّباب يتأهّب ويذهب، وما أسرج هذا الأشهب إلاّ لسير، وأسأل الله خاتمة خير.
ومنه قوله:
أبرزت باطنه، وحركت ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره؛ فملأ فكيه وعيدا، ولحييه تهديدا، وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد:
جاء شقيق عارضا رمحهإنّ بني عمّك فيهم رماح
إنّا نقتحم الخطب، ونتوسط الحرب:
فأرضك أرضك إن تأتناتنم نومة ليس فيها حلم
ومتى شئت لقيت خصما ضخما، ينهشك قضما، ويأكلك خضما؛ فجعل الشيطان يثقّل بذلك أجفان طرفه، ويقيم به شعرات أنفه:
وحتّى ظنّ أنّ الغشّ نصحيوخالفني كأنّي قلت هجرا
ومنه قوله:
وبيننا عذراء، زجاجها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة؛ إذا طاف بها الساقي فورد على غصنها، أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها.
ومنه قوله:
انظر إلى الكلام وقائله فإن كان وليّا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوّا فهو البلاء وإن حسن؛ ألا ترى العرب تقول: قاتله الله، ولا يريدون الذمّ؛ ولا أبا له، في الأمر إذا تمّ.
ومنه قوله:
وفائدة الاعتقاد أفضل في الانتقاد، والسماح يكسر الرّماح، والصفح يفلّ الصّفاح، والجود أنصر من الجنود؛ فإن كشف الضرّ عن الحرّ، أجمل من كشف الصدف عن الدرّ؛ ومن عرف بالمنح، قصد بالمدح، وقد ظلم من يلوم غير ملوم، فالتغاضي يصحب المراضي، واللبيب يعيد البعيد قريبا، والعدوّ حبيبا، وحضرة السّلطان مفزع الراجين، ومنزع اللاجين، إليها يعودون وبها يعوذون، وهي المقرّ، وإليها المفرّ، وإذا عدل الملك أقصر الحائف، وأمن الخائف، وخير الإخوان من ليس بخوان؛ وده ميمون، وغيبه مأمون، فهو يحالفك ولا يخالفك، ويرافقك ولا يفارقك، ويوافقك ولا ينافقك، ويعاشرك ولا يكاشرك، وإذا حضرت حنا عليك، وإذا غبت حن إليك.
ومنه قوله وقد كتب إليه بعض من عزل عن ولاية حسنة، وذوى يانع
غصنه؛ يستمد منه ودادا طالما تركه، ويستميل فؤادا كان يظنّ أنه قد ملكه؛ وإذا بحوادث الأيام قد غيرت ما عهد، وحسنت له بذل ما كان يضنّ به فلم يفد:
أما بعد: فقد وردت رقعتك فلم تند على كبدي، ولم تحظ بناظري ويدي؛ وخطبت من مودتي ما لم أجدك له أهلا، وقلت: هذا الذي تاه بحسن قده، وزها بورد خدّه، فالآن إذ نسخ الدّهر آية حسنه، وأقام مائل غصنه، وانتصر لنا منه شعرات كسفت هلاله، وأكسفت باله، ومسحت جماله، وغيرت حاله؛ فمهلا مهلا؛ وتناسيت أيامك إذ تكلّمنا نزرا، وتلحظنا شزرا:
ومن لك بالعين التي كنت مرةإليك بها في سالف الدهر أنظر
أيام كنت تتلفت والأكباد تتفتت، وتقبل فتمني وتعرض فتضني:
وتبسم عن ألمى كأنّ منوّراتخلّل حرّ الرّمل دعص له ندي
فأقصر الآن فإنه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت، ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس، فحتام تدلّ وإلام؟ ولم تحتمل وعلام؟ وقد بلغني ما أنت متعاطيه من تمويه يجوز بعد العشاء في الغسق، وينفق على السّوق؛ وإفناؤك لتلك الشعرات جزا وحصا، ونتفا وقصا؛ فأنا برحلك وجانبك، وحبلك ملقى على غاربك، ولو أحببت أن أوجعك لقلت:
ما يفعل الله باليهودولا بعاد ولا ثمود
ولا بفرعون إذ عصاهما يفعل الشعر بالخدود
ومنه قوله:
كتابي إلى البحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد
تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد بلغني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره؛ وهذه الحضرة وإن احتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون، فإن الأحب إليّ أن أقصدها قصد موال، [لا قصد سؤال]؛ والرّجوع عنها بجمال أحبّ إلي من الرجوع عنها بمال؛ قدّمت التعريف، وأنا أنتظر الجواب الشريف.
ومنه قوله:
عافاك الله، مثل الإنسان في الإحسان، كمثل الأشجار في الثمار، سبيله إذا أتى بالحسنة، أن يرفّه من السّنة إلى السنة، وأنا كما ذكرت لا أملك عضويّ من جسدي، وهما فؤادي ويدي؛ أما الفؤاد فيعلق بالفود، وأما اليد فتولع بالجود؛ لكن هذا الخلق النفيس، ليس يساعده الكيس؛ وهذا الطّبع الكريم ليس يحتمله الغريم، ولا قرابة بين [الأدب و] الذهب؛ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة.
ولي مع الأدب نادرة: جهدت في هذه الأيام بالطّباخ أن يطبخ من جيمية الشماخ لونا، فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع من «أدب الكتاب» فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت ألفا ومئتي بيت فلم يغن فيما به اعتنيت؛ ولو وقعت أرجوزة العجاج في توابل السّكباج ما عدّ منها عندي لون، ولا استقرّ صون، بل ليست تقع، فما أصنع؟ فإن كنت تحسب اختلافك إليّ، أفضل عليّ، فراحتك راحتي، وراحتي أن لا تطرق ساحتي.
ومنه قوله:
أنا لقرب دار مولاي:كما طرب النشوان مالت به الخمر
ومن الارتياح إلى لقائه:كما انتفض العصفور بلّله القطر
ومن الامتزاج بولائه:كما التقت الصّهباء والبارد العذب
ومن الابتهاج بمزاره:كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب
ومن شعره قوله:
عليّ ألاّ أريح العيس والقتباوألبس السّيل والظّلماء واليلبا
وأترك الخود معسولا مقبّلهاوأهجر الكاس يغدو شربها طربا
وطفلة كقضيب البان منعطفاإذا مشت وهلال الشهر منتقبا
قالت وقد علقت ذيلي تودعنيوالوجد يخنقها بالدّمع منسكبا:
كنت الشّبيبة أبهى ما دجت درجتوكنت كالورد أذكى ما أتى ذهبا
أبى المقام بدار الذّلّ لي كرموهمة تصل التّقريب والخببا
وعزمة لا تزال الدّهر ضاربةدون الأمير وفوق المشتري طنبا
يا سيد الأمراء افخر فما ملكإلا تمناك مولى واشتهاك أبا
إذا دعتك المعالي عرف هامتهالم ترض كسرى ولا من فوقه ذنبا
أين الذين أعدّو المال من ملكيرى الذّخيرة ما أعطى وما وهبا
ما الليث محتطما والسّيل مرتطماوالبحر ملتطما واللّيل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقةأجدى يمينا وأدنى منك مطّلبا
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبالو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا
والدّهر لو لم يخن والشّمس لو نطقتواللّيث لو لم يصد والبحر لو عذبا
يا من تراه ملوك الأرض فوقهمكما يرون على أبراجها الشّهبا
ومنه قوله:
أيا ملكا أدنى مناقبه العلىوأيسر ما فيه السّماحة والبذل
هو البدر إلاّ أنه البحر زاخراسوى أنّه الضّرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما بداوإن نحن حدّثنا بها صدّق العقل
وجاراك أفراد الملوك إلى العلىوحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل
سما بك من عمرو ويعقوب محتدكذا الأصل مفخور به وكذا النّسل
وحكى ابن ظافر قال: حكى بديع الزّمان الهمذاني، قال: قال الصّاحب يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس بن حمدان: لا يقدر أحد أن يزوّر على أبي فراس شعرا؛ فقلت: ومن يقدر أن يزوّر على شعره، وهو الذي يقول - وقلت ارتجالا -:
رويدك لا تصل يدها بباعكولا تغز السّباع إلى رباعك
ولا تعن العدوّ عليّ إنييمينك إن قطعت، فمن ذراعك
فقال الصاحب: صدقت؛ فقلت أيد الله مولانا، قد فعلت وزوّرت على أبي فراس، وهذا شعري! فعجب منه.
وحكي أنّه جرى ذكره في مجلس شيخه أبي الحسين بن فارس، فقال ما
معناه: إنّ بديع الزّمان قد نسي حق تعليمنا إيّاه، وعقّنا، وطمح بأنفه عنّا؛ فالحمد لله على فساد الزّمان، وتغيّر نوع الإنسان.
فكتب إليه بديع الزمان: نعم، أطال بقاء الشيخ الإمام؛ إنّه الحمأ المسنون، وإن ظنّت به الظّنون، والنّاس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم، وتركبت الأضداد، واختلاف الميلاد؛ والشيخ يقول: قد فسد الزّمان؛ أفلا يقول: متى كان صالحا؟ في الدولة العبّاسيّة، فقد رأينا آخرها، وسمعنا أولها؟ أم الملّة المروانية، وفي أخبارها:
لا تكسع الشّول بأغبارها؟ أم السنين الحربية:
والسّيف يعقد في الطّلىوالرّمح يركز في الكلى
ومبيت حجر في الفلاوحرّتان وكربلا؟
أم البيعة الهاشمية [، وعلي يقول: ليت العشرة منكم] براس، من بني فراس؟ أم الأيّام الأموية، والنّفير إلى الحجاز، والعيون تنظر إلى الأعجاز؟ أم الإمارة العدوّية، وصاحبها يقول: هلمّ بعد البزول إلى النّزول؟ أم الخلافة التيميّة، وهو يقول:
طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام؟ أم على عهد الرسالة، ويوم الفتح قيل: اسكتي يا فلانة، فقد ذهبت الأمانة؟ أم في الجاهليّة، ولبيد يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
أم قبل ذلك، وأخو عاد يقول: إذ النّاس ناس والبلاد بلاد؟ أم قبل ذلك، وآدم - فيما قيل - يقول:
تغيرت البلاد ومن عليها[ووجه الأرض مغبرّ قبيح]
أم قبل ذلك، والملائكة تقول: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ اَلدِّماءَ﴾.
ما فسد النّاس، إنما اطرد القياس، ولا أظلمت الأيام، إنما امتد الظلام؛ وهل يفسد الشيء إلاّ عن صلاح، ويمسي المرء إلاّ عن صباح؟ وإنّي على توبيخ شيخنا، لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، منتسب إلى ولائه، شاكر لآلائه، لا أحلّ حريدا عن أمره، ولا أفلّ بعيدا عن قلبه؛ وما نسيته، ولا أنساه؛ إن له على [كل] نعمة خوّلنيها الله نارا، وعلى كلّ كلمة علّمنيها منارا؛ ولو عرفت لكتابي موقعا من قلبه، لاغتنمت خدمته به، ولرددت إليه سؤر كاسه، وفضل أنفاسه؛ ولكنني خشيت أن يقول: ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ وله - أيده اللّه - العتبى، والمودّة في القربى، والمرباع، وما ناله الباع، وما ضمّه الجلد، وضمنه السمط؛ ليست رضى، ولكنها جلّ ما أملك.
اثنتان - أيد الله الشيخ الإمام -[قلّما تجتمعان] الخراسانية والإنسانية؛ وإن لم أكن خراسانيّ الطّينة، فإنّي خراسانيّ المدينة؛ والمرء من حيث يوجد، لا من حيث يولد؛ فإذا أضاف إلى خراسان ولاء همذان، ارتفع القلم، وسقط التكليف؛ فالجرح جبار، والجاني حمار، ولا جنّة ولا نار، فليلمّني على هناتي، أليس صاحبها يقول:
لا تلمني على ركاكة عقليإن تيقّنت أنني همذاني
والسلام.
قوله: والعيون تنظر إلى الأعجاز: إشارة إلى قول أحد الذين قتلوا عثمان لمّا دخلوا عليه، فنظروا إلى نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان، وهي تصيح، فقالوا:
إن عجزها لكبير.
واجتمع بديع الزّمان والأستاذ أبو بكر الخوارزميّ في دار السيد أبي القاسم المستوفي، بمشهد من القضاة والفقهاء والأشراف، وغيرهم من سائر النّاس، فجرى بينهما من المناظرة ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال الأستاذ أبو الفضل بديع الزمان: سأل السيد - أمتع الله ببقائه إخوانه - أن أملي جميع ما جرى بيننا وبين أبي بكر الخوارزمي أعزه الله من مناظرة مرّة ومنافرة أخرى، موادعة أولا ومنازعة ثانيا، إملاء يجعل السماع له عيانا، فما تلقيته إلا بالطاعة، على حسب الاستطاعة، لكن للقصّة تشبيبا لا تطيب إلاّ به، ومقدمات
لا تحسن إلاّ معها؛ وسأسوق بعون الله صدر حديثنا إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز؛ فنبدأ فيها باسم الله ﷿، والصلاة على النبي ﷺ [ذهابا بالقصّة عن أن تكون بتراء، وصيانة لها عن أن تدعى جذماء؛ قال رسول الله ﷺ:] «كلّ خطبة لا يبدأ فيها باسم اللّه ﷿ فهي بتراء». وخطب زياد خطبته البتراء. لأنه لم يحمد الله ﷿ ولم يصلّ على رسوله ﷺ؛ وهذا مقام نعوذ بالله منه، ونسأله التوفيق للصّواب، بورده وبصدره.
نعم، أطال الله بقاء السيد، وأمتع ببقائه إخوانه؛ إن قعدنا نعدّ آثاركم ونؤدي مآثركم، نفد الحصر قبل نفودها، وفنيت الخواطر قبل أن تفنى المآثر؛ وكيف لا، وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته، أو العلم فأنتم عاقدوا بردته، أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم لابسو جلدته، أو التّواضع صبرتم لشدته، أو الرأي صلتم بنجدته، وإن بيتا تولى الله بناءه ولزم الرسول ﷺ فناءه، وأقام الوصيّ ﵇ عماده، وخدم جبريل ﵇ أهله، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير؛ ونحن نعود للقصة نسوقها.
فأولها: أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارا، وإلا جوار السادة جوارا، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل، ومددنا عليها الطنب، وقديما كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوقه، ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا، وكلمة الغربة نظمتنا؛ وقد قال شاعر العرب غير مدافع:
أجارتنا إنا غريبان هاهناوكلّ غريب للغريب نسيب
فأخلف ذلك الظنّ كلّ الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف؛ وكان قد اتفق لنا في الطريق اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزّة بزّوها، وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به؛ ووردنا نيسابور براحة أنفى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار، وزيّ أوحش من طلعة المعلّم، بل اطّلاعة الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره؛ وهذا بعد رقعة كتبناها، وأحوال أنس نظمناها؛ فلما أخذتنا عينه سقانا الدّرديّ من أول دنّه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنّه؛ من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره؛ لكن أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة رأيه، وقاربناه إذ جانب، وواصلناه إذ جاوب، وشربناه على كدرته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثّه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمدّ وداده، ونستلين قياده، ونستميل فؤاده، ونقيم منآده، بما هذه نسخته بعد البسملة:
الأستاذ أبو بكر، والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه إن وجده يضرب آباط القلة في أطمار الغربة، فأعمل في مرتبته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أصناف المضايفة، من إيماء بنصف الطرف وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلف لردّ السلام؛ وقد قبلت تربيته صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم آله عذرا؛ فإن المرء بالمال وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال أتقزز صف النعال؛ فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت إن نوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا
يجرّون المطارف، ولا يمنعون المعارف:
وفيهم مقامات حسان وجوههموأندية ينتابها القول والفعل
فلو طرحت بأبي بكر أيده الله طوارح الغربة، لوجد منال البشر قريبا، ومحطّ الرّحل رحيبا، ووجه المضيف خصيبا؛ ورأي الأستاذ أبي بكر أيّده الله تعالى في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ودّ، والمرّ الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.
فأجاب بما هذه نسخته:
وصلت رقعة سيدي ورئيسي، أطال اللّه بقاءه [إلى آخر] السّكباج، وعرفت ما تضمنته من خشن خطابه، ومؤلم عتبه وعتابه، وحملت ذلك منه على الضجرة التي لا يخلو منها من مسه عسر، ونبا به دهر؛ والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه.
أما ما شكاه سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه - زعم - في القيام عن التّمام، فقد وفيته حقه - أيده اللّه - سلاما وقياما على قدر ما استطعت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلاّ السيد أبا البركات العلويّ أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول، وأمه البتول، وشاهداه التّوراة والإنجيل، وناصره التّأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل؛ فأمّا القوم وما وصف سيدي عنهم فكما وصف حسن عشرة، وسداد طريقة، وكمال تفصيل وجملة.
ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد:
فإن أك قد فارقت نجدا وأهلهفما عهد نجد عندنا بذميم
والله يعلم نيتي للأحرار كافة، ولسيدي أدام الله عزه من بينهم خاصة؛ فإن أعانني على ما في نفسي بلغت له بعض ما في النية، وجاوزت به مسافة القدرة؛ وإن قطع عليّ طريق عزمي بالمعارضة، وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار، [بيد الاضطرار]:
فما النفس إلاّ نطفة في قرارةإذا لم تكدر كان صفوا غديرها
وبعد: فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا؛ فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله عليه؛ ولست أسومه أن يقول: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾، ولكنّي أسأله أن يقول: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ اَلرّاحِمِينَ﴾.
فحين ورد الجواب، وغير العذر رائده، تركناه بعرّه، وطويناه على غرّه، وعمدنا لذكره، فسحوناه، عن صحيفتنا ومحوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه؛ وتنكبنا خطته، وتجنبنا خلطته، فلا طرنا به، ولا طرنا إليه؛ ومضى على ذلك الأسبوع، ودرجت اللّيالي، وتطاولت المدّة، وتصرم الشهر وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدر حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، بألفاظ تقطفها الأسماع من لسانه وتردّها إليّ، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه وتعيدها عليّ؛ فكاتبناه بما هذه نسخته:
أنا أرد من الأستاذ سيدي - أطال الله بقاءه - شرعة وده، وإن لم تصف؛ وألبس خلعة وده وإن لم تضف؛ وقصاراي أن أكيله صاعا عن مدّ؛ فإني
وإن كنت في الأدب دعيّ النسب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب، سيّ ء المنقلب، أمتّ إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إذا زرت زار، وإن عدت عاد؛ وسيدي - أيده الله - ناقشني في القبول أولا، وصارفني في الإقبال ثانيا؛ فأما حديث الاستقبال، وأمر الإنزال والأنزال، فنطاق الطّمع ضيق عنه، غير متّسع لتوقّعه منه.
وبعد: فكلفة الفضل هينة، وفروض الودّ متعينة، وأرض العشرة لينة، وطرقها بينة، فلم اختار قعود التّعالي مركبا، وصعود التّغالي مذهبا؟ وهلاّ ذاد الطّير عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؟ فقد علم الله أن شوقي إليه قد كدّ الفؤاد برحا على برح، ونكأه قرحا على قرح، ولكنّها مرّة مرّة، ونفس حرّة، لم تعد إلاّ بالإعظام، ولم تلق إلاّ بالإجلال، وإذا استعفاني من معاتبتي، وأعفى نفسه من كلف الفضل بتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرّعها، وحلل الصبر أتدرعها، ولم أغره من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طرت إلاّ إليه، ولا وقعت إلاّ عليه:
أحبّك يا شمس الزمان وبدرهوإن لا مني فيك السّها والفراقد
وذاك لأنّ الفضل عندك باهروليس لأنّ العيش عندك بارد
فلمّا وردت عليه الرّقعة، حشر تلامذته وخدمه، وزمّ عن الجواب قلمه، وجشّم للإيجاب قدمه، وطلع مع الفجر علينا طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الإمام أبي الطيّب أدام الله عزّه؛ فقلت: الآن حين تشرق الحشمة وتنوّر، وننجد في
العشرة ونغوّر، وقصدناه شاكرين لما أتاه، وانتظرنا عادة بره، وتوقعنا مادة فضله، فكان خلّبا شمناه، وآلا وردناه، وصرفنا الأمر في تأخرنا عنه إلى ما قاله عبد الله بن المعتزّ:
إنّا على البعاد والتّفرّقلنلتقي بالذّكر إن لم نلتقي
وأنشدناه قول ابن عصرنا:
أحبّك في البتول وفي أبيهاولكنّي أحبّك من بعيد
وبقينا نلتقي خيالا، ونقنع بالذكر وصالا، حتّى جعلت عواصفه تهبّ، وعقاربه تدبّ، وهو لا يرضى بالتعريض حتى يصرح، ولا يقنع بالنفاق حتى يعلن؛ وشكا إلي بعض إخواننا أني خاطبته مخاطبة مجحفة، ونزلته منزلة متحيفة؛ فقال: إني أؤثر العربدة، وأسلف الموجدة؛ ويرميني في ذلك بدائه وينسلّ، فكتبنا إليه:
جعلت فداءك من فاضلبلغت التراقي من جوره
وفي الغيب أكثر مما رأيتوأين البلوغ إلى غوره
أتتني الرّواة بما قلتهبهيئته وعلى كوره
وقولك إني طوع الشّجارأضمّ ضلوعي على سوره
فقلت حياء لمن قد [أتاني]تجاوز منّا مدى طوره
فيا من بذلت ودادي لهفما لأت حورا على كوره
بودّ تبلّج عن نورهوقصد تفرّخ عن نوره
فهشّ كما ليس يخفى عليكبشطر القيام إلى زوره
وبايعته بيمين الرّضاوغضّ الجفون على هوره
وقلت لحنظل أخلاقه:ألا حبذا الأري في شوره
ولو كان ذلك من غيرهطممت بنجدي على غوره
ولا عبته بكعاب الرّجوعفقامرني بيدي على غوره
وكان حديثي لمّا رجعتحديث الفتى مع سنّوره
فلم أدر فيما جفا ضيفهولم سكن البرّ من فوره
أللزّمن النّي في حكمهأم الفلك الغثّ في دوره
وكاتبته أستمدّ الودادكملتمس الدّرّ في ثوره
فقابل صرفي بممزوجهوواجه درّي ببللوره
وجشّم أقدام إقدامهيلوح التّكلّف في موره
وزار وزرناه عن قصدهبما ليس يخجل في زوره
هلمّ إلى منبت المكرماتاواينا منتحى سوره
وأما الخطاب فأنت ابتدأتودونك زند المنى أوره
فلمّا وردت عليه الأبيات، أبرزت باطنه، وحرّكت ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره، وملأ قلبه ولحيته تهديدا؛ فكتبنا إليه:
أعنّي يا أبا بكرعلى نفثة مصدور
على ودّك مطويّوعن عتبك منشور
إلى سلمك مشتاقعلى حربك مقهور
ولا تعدل إلى الظّلمة عن ناحية النّور
ولا تهو إلى الوهدة من عالية السّور
ولا تنهج إلى الأضياف إلاّ سبل الخير
ولا تحفر لهم بيراتقع في ذلك البير
ولا تنقل إلى الفتنةأسباب المقادير
فما أكثر ما عندك من سرّ العقاقير
ولا تغرف على الإخوان من هذي الأبازير
فكم أطوي لك السّمععلى سود المناكير
وكم ألقي عليها طرفي في حلمي وتذكيري
وإن تمدد إلى ماء التّصافي يد تكدير
تعد عن جهتي واللّهـ محذوف الشّوابير
ولا مروان بالكوفةفي غدوة عاشور
ولا الكلب أتى الجامع في فروة ممطور
وإن أحببت أن تعلم فانشطّ غير مأمور
فلا تبطل فدتك النّفس في بردك تدبيري
ولا تخلف بأخلاقك في العشرة تقديري
فلما وردت عليه الأبيات قال: لو أنّ بهذا البلد رجلا تأخذه أريحيّة الكرم، وتملكه هزّة الهمم، يجمع بيني وبين فلان - يعنيني -:
ثم رأى إذا انجلى الغبارأفرس تحتي أم حمار
وعلم أيّنا يبرز خلابه عفوا، أو أيّنا يغادر في المكر، ولودّ فلان بوسطاه؛ بل بيمناه، لو دخلنا وقلنا في المناخ له: نم، إلى كلمات تحذو هذا الحذو، وتنحو هذا المنحى، وألفاظ أتتنا من عل؛ وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد، والصّدق ينبئ عنك لا الوعيد؛ وقلنا: إنّ أجرأ النّاس على الأسد، أكثرهم رؤية له؛ وقد قال بعض أصحابنا. قلت لفلان: ألا تناظر فلانا، فإنّه يغلبك؟ فقال: أمثلي يغلب وعندي دفتر مجلد! ووجدنا عندنا دفاتر مجلدة، وأجزاء مجرّدة؛ وأنشدناه قول جحل بن نضلة:
جاء شقيق عارضا رمحهإنّ بني عمّك فيهم رماح
هل أحدث الدّهر بنا نكبةأم هل رقت أمّ شقيق سلاح
وقلنا: إنا نقتحم الخطب، ونتوسّط الحرب، فنردّها مفحمين، ونصدر بلغاء:
وألسننا قبل النّزال قصيرةولكنّها بعد النّزال طوال
فأرضك أرضك إن تأتناتنم نومة ليس فيها حلم
فمن ظنّ ممّن يلاقي الحروببأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
فإنك متى شئت لقيت منّا خصما ضخما، ينهشك قضما، ويأكلك
خضما، وحثثناه على الأخذ بكتاب الله تعالى من قوله: ﴿وَاَلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾ وأنشدناه قول الأول:
السّلم تأخذ منها ما رضيت بهوالحرب يكفيك من أنفاسها جرع
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع