من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
بديع الزمان الهمذاني
الصفحة ٢ من ٢
وقلنا له:
نصحتك فالتمس يا ويك غيريطعاما إنّ لحمي كان مرّا
ألم يبلغك ما فعلت ظباهبكا ظمة غداة لقيت عمرا
وجعل الشّيطان يثقل بذلك أجفان طرفه، ويقيم به شعرات أنفه:
وحتّى ظنّ أنّ الغشّ نصحيوخالفني كأنّي قلت هجرا
واتّفق أنّ السيد أبا علي - أدام الله عزه - نشط للجمع بيني وبينه، فدعاني فأجبت، ثم عرض عليّ حضور أبي بكر، فطلبت ذلك، وقلت: هذه عدة لم أزل أستنجزها، وفرصة لا أزال أنتهزها؛ فتجشم السيد أبو الحسين، فكاتبه يستدعيه؛ واعتذر أبو بكر بعذر في التأخر، فقلت: لا ولا كرامة للدّهر أن نقعد تحت ضيمه، أو نقبل خسف ظلمه، ولا عزازة للعوائق أن تضيعنا ولا نضيعها، أو تعنينا ولا ندفعها؛ وكاتبته أنا أشحذ عزيمته على البدار، وألوي رأيه عن الاعتذار، وأعرّفه ما فيّ من ظنون تشتبه، وتهم تتجه، وتقادير تختلف، واعتقادات تخلف، وقدنا إليه مركوبا، لنكون قد ألزمنا الحج وأعطينا الرّاحلة، فجاءنا في طبقة أفّ وعدد تفّ:
كلّ بغيض قدّه إصبعوأنفه خمسة أشبار
مع أرباب عانات وأصحاب جربّانات، لا تنال العين منهم إلاّ خسيسا، وسرحنا الطّرف منه ومنهم، في أحمى من است النّمر، وأعطس من أنف النغر، فظننا أنه يريد أن يلقى كتيبة، أو يهزم دوسرا، أو يفلّ الأنكدين، أو يردّ الوافدين؛ ثم رأينا رجالا جوفا، قد خلّقوا صوفا، فأمنّا المعرة، ولم نخش المضرة، وقمنا له وإليه، وجلس يحرق أرمه، وتمثل ببيت لا يقتضيه الحال: من أنا في الحبالة نستبق.
فتركناه على غلوائه، حتّى إذا نفض ما في رأسه، وفرغ جعبته وسواسه، عطفنا عليه، فقلنا: عافاك الله، دعوناك وغرضنا غير المهارشة، واستزرناك وقصدنا غير المناوشة؛ فلتهدأ ضلوعك، وليفرخ روعك: يا مارسر جس لا نريد قتالا، وما اجتمعنا إلا لخير، فلتسكن سورتك، ولتلن فورتك، ولا ترقص لغير طرب، ولا تحمّ لغير سبب، وإنّما دعوناك لتملأ المجلس فرائد وتذكر أبياتا شوارد، وأمثالا فوارد، ونباحثك فنسعد بما عندك، وتسألنا فتسرّ بما عندنا، ويقف كلّ منّا موقفه من صاحبه، وقديما كنت أسمع بحديثك، فيعجبني الالتقاء بك والاجتماع معك، والآن إذ سهل الله ذلك، فهلم إلى الأدب ننفق يومنا عليه، وإلى الجدل نتجاذب طرفيه؛ فاسمع خبرا وأسمعنا مثله؛ ونبدأ بالفنّ الذي ملكت به زمانك، وفتّ فيه أقرانك، وملكت منه عنانك، وأخذت منه
مكانك، وطار به اسمك بعد وقوعه، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه، وأفحمت به الرّجال، حتى أذعن العالم وقلّد الجاهل، وقالوا قول الصّوفيّة: يا دهشا كلّه؛ فجارنا بفرسك، وطاولنا بنفسك؛ فقال: وما هو؟ قلت: الحفظ إن شئت، والنّظم إن أردت، والنّثر إن اخترت، والبديهة إن نشطت؛ فهذه أبوابك التي أنت فيها ابن دعواك، تملأ منها فاك.
فأحجم عن الحفظ رأسا، ولم يجل فيه قدحا، وقال: أبادهك؛ فقلت: أنت وذاك؛ فمال إلى السيد أبي الحسين فسأله بيتا ليجيز، فقلت: يا هذا، أنا أكفيك؛ ثم تناولت جزءا فيه أشعاره، وقلت لمن حضر: هذا شعر أبي بكر الذي كدّ به طبعه، وأسهر له جفنه، وأجال فيه فكره، وأنفق فيه عمره، واستنزف فيه يومه، ودوّنه صحيفة مآثره، وجعله ترجمان محاسنه، وعبر به عن باطنه، وأخذ مكانه به، وهو ثلاثون بيتا؛ وسأقرن كلّ بيت بوفقه، وأنظم كل معنى إلى لفقه، بحيث أصيب أغراضه، ولا أعيد ألفاظه، وشريطتي ألا أقطع النفس؛ فإن تهيأ لواحد، أو أمكن لناقد ممن قد حضر، يريد النظر، أن يميز قوله من قولي، ويحكم على البيت أنه له أو لي، أو يرجّح ما أنضجه بنار الرويّة، على ما أمليته على لسان النّفس، فله يد السبق، أو يكون غيرها، فأعفى عن هذه المعارضة، وتتنحّى لنا عن أرض المماثلة، ويخلى لنا الطّريق لمن يبني المناربه؛ فقال أبو بكر:
ما الذي يؤمننا من أن تكون نظمت من قبل ما تريد إنشاده الآن؟ فقلت: اقترح لكلّ بيت قافية، لا أسوقه إلاّ إليها، ولا أقف به إلا عليها؛ ومثال ذلك أن تقول:
حشر؛ فأقول بيتا آخره حشر، ثم عشر فأنظم بيتا قافيته عشر، ثم هلمّ جرا إلى حيث يتضح الحقّ، وينتضح الزّرق، وتستقر الحجة وتطرد، وتستقلّ الشّبهة وتنطرد، فيعرف الحالي من العاطل، ويفرق بين الحقّ والباطل؛ فأبى أبو بكر أن يشاركنا هذا العنان، ومال إلى السيد أبي الحسين يسأله بيتا ليجيز، فتبعنا رأيه
بما رآه، ولم نرض إلاّ رضاه، ولم نعدل عن هواه ومبتغاه؛ وأعمل كلّ منّا لسانه وفمه، وأخذ دواته وقلمه، وأجزنا البيت الذي قاله، وكلّما أجزناه إجازة، جارى القلم فيها الطّبع، وبارى اللّسان بها السمع، وسارق الخاطر بها النّاظر، وسابق الجنان فيها البنان؛ إلى أن قلنا:
هذا الأديب على تعسّف فتكهوبروكه عند القريض ببركه
متسرّع في كلّ ما يعتادهمن نظمه، متباطئ عن تركه
والشعر أبعد مذهبا ومصاعدامن أن يكون مطيعه في فكّه
والنّظم بحر والخواطر معبرفانظر إلى بحر القريض وفلكه
فمتى توانى في القريض مقصرعرضت أذن الامتحان لعركه
هذا الشّريف على تقدّم بيتهفي المكرمات ورفعه في سمكه
قد رام منّي أن أقارن مثلهوأنا القرين السّوء إن لم أنكه
وإذا نظرت وجدت ما قد قلتهبرد اليقين على حرارة شكّه
عارضت بيتا قلته متعسّفاوحطمت جانحة القرين بدكّه
ودبغت منه أديمه فتركتهنهج الأديم بدبغه وبدلكه
اصغوا إلى الشّعر الذي نظّمتهكالدّرّ رصّع في مجرّة سلكه
فمتى عجزت عن القرين بديهةفدمي الحرام له إراقة سفكه
فقال أبو بكر أبياتا جهدنا به أن يخرجها عن اللّحاف، ويبرزها من الغلاف، فلم يفعل دون أن طواها، وجعل يفركها ويعركها، فقلت: يا هذا، إنّ البيت لقائله كالولد لناجله، فما لك تعقّ ابنك وتضيمه؟ أبرزها للعيون، وخلّصها من الظّنون؛ فكره أبو بكر أيده الله أن تكون الهرّة أعقل منه، لأنها تحدث وتغطي،
فلم يستجز أن يظهر، ثم بسط جبينه، وبسط يمينه للبديهة، نفسا دون أن كتب، فقال: أنت وذاك؛ واقترح علينا أن نقول على وزن قول أبي الطّيّب المتنبّي، حيث يقول:
أرق على أرق ومثلي يأرقوجوى يزيد وعبرة تترقرق
وابتدر أبو بكر أيده الله إلى الإجازة، ولم يزل إلى الغايات سباقا، فقال:
وإذا ابتدهت بديهة يا سيديفأراك عند بديهتي تتقلق
وإذا قرضت الشعر في ميدانهلا شك أنّك يا أخي تتشقق
إني إذا قلت البديهة قلتهاعجلا وطبعك عند طبعي يرفق
مالي أراك ولست مثلي عندهامتموّها بالتّرهات تمخرق
إني أجيز على البديهة مثل ماتريانه وإذا نطقت أصدّق
لو كنت من صخر أصمّ لها له[منّي] البديهة واغتدى يتفلّق
أو كنت ليثا في البديهة قادرالرئيت يا مسكين دوني تبرق
وبديهة قد قلتها متنفسافقل الذي قد قلت يا ذا الأخرق
ثم وقف يعتذر، ويقول: إن هذا كما يجيء لا كما يجب؛ فقلت: قبل الله عذرك، لكنّي أراك بين قواف مكروهة، وقافات خشنة؛ كلّ قاف كجبل قاف، منها: تتقلق وتتشقّق وتفلّق وتمخرق وتبرق وتسرق وأحمق وأخرق، إلى أشياء لا
أكثر بها العدد؛ فخذ الآن جزاء عن قرضك، وأداء لفرضك؛ وقلت:
مهلا أبا بكر فزندك أضيقواخرس فإنّ أخاك حيّ يرزق
دعني أعرك إذا سكتّ سلامةفالقول ينجد في ذويك ويعرق
ولفاتك فتكات سوء فيكمفدع السّتور وراءها لا تخرق
وانظر لأشنع ما أقول وأدّعيأله إلى أعراضكم متسلّق؟
يا أحمقا وكفاك ذلك خزيةجرّبت نار معرّتي هل تحرق؟
فلمّا أصابه حرّ الكلام، ومسه لفح هذا النظام، قطع علينا، فقال: يا أحمقا، لا يجوز؛ فإنّ أحمق لا ينصرف؛ فقلنا: يا هذا لا تقطع، فإن شعرك إن لم يكن عيبة عيب، فليس بطرف ظرف، ولو شئنا لقطعنا عليك، ولوجد الطّاعن سبيلا إليك؛ وأما أحمق فلا يزال يصفعك وتصفعه، حتى ينصرف وتنصرف معه.
وعرّفناه أن للشاعر أن يردّ ما لا ينصرف إلى الصرف، كما أن له رأيه في القصر والحذف؛ وأنشدناه حاضر الوقت من أشعار العرب، فقال: يجوز للعرب ما لا يجوز لك؛ فلم يدر كيف يجيب عن هذا الموقف وهذه المواقعة، وكيف يسلم من هذه المناصفة، لكنّا قلنا له: أخبرنا عن بيتك الأول، أمدحت أم قدحت؟ وزكيت أم جرحت؟ ففيه شيئان متفاوتان، ومعنيان متباينان؛ منها أنّك بدأت فخاطبت بيا سيدي، والثّانية:
أنّك عطفت فقلت: تتقلّق، وهما لا يركضان في حلبة، ولا يحطّان في خطّة. ثم قلت له: خذ وزنا من الشعر، حتى أسكت عليك فتستوفي من القول حظّك، واسكت علينا حتّى نستوفي حظنا؛ ثم إني أحفظ عليك أنفاسك
وأواقفك عليها، واحفظ عليّ أنفاسي وواقفني عليها؛ فإن عجزت عن اعتلاقها حفظتها لك، فسلني عنها بعد ذلك؛ وأخذنا بيت أبي الطيّب المتنبي:
أهلا بدار سباك أغيدهاأبعد ما بان عنك خرّدها
فقلت:
يا نعمة لا تزال تجحدهاومنة لا تزال تكندها
فأخذ بمخنّق البيت قبل تمامه، ومضيق الشّعر قبل نظامه، فقال: [ما] معنى تكندها؟ فقلت: يا هذا، كند النعمة: كفرها؛ فرفع يديه ورأسه، وقال: معاذ الله أن يكون كند بمعنى جحد، وإنما الكنود: القليل الخير؛ فأقبلت الجماعة عليه يوسعونه بريا وفريا، ويتلون له قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اَلْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾.
فقلت: أليس الشّرط أملك؟ والعهد بيننا أن تسكت ونسكت حتّى نتم وتتمّ؟ ثم نبحث ونفحص؟ فنبذ الأدب وراء ظهره، وصار إلى السّخف يكيلنا بصاعه ومدّه، وينفض فيه حمة جهده، وأفضى إلى السفه يغرف علينا غرفا، ويستقي من جرفه جرفا؛ فقلت له: يا هذا، إنّ الأدب غير سوء الأدب، وللمناظرة حضرنا لا للمنافرة؛ فإن نقضت عن هذا السّخف يدك، وثنيت عن هذا السّفه قصدك، وإلاّ تركت مكالمتك؛ ولو كان في باب الاستخفاف شيء أبلغ من ترك الإنكار لبلغته منك؛ فأخذ يمضي على غلوائه، ويمعن في هرائه وهذائه؛ فاستندت إلى المسند، ووضعت اليد على اليد، وقلت: أستغفر الله من مكالمتك، ونفضتها قائمة معه، وسكتّ حتّى عرف الناس، وأيقن الجلاّس أني أملك من نفسي مالا
يملكه، وأسلك من طريق الحلم ما لا يسلكه؛ ثم عطفت عليه، فقلت: يا أبا بكر، إنّ الحاضرين قد أعجبوا من حلمي بأضعاف ما أعجبوا من علمي، وتعجّبوا من عقلي، أكثر ممّا تعجبوا من فضلي؛ وبقي الآن أن يعلموا أنّ هذا السّكوت ليس عن عيّ، وأنّ تكلّفي للسّفه أشدّ استمرارا من طبعك، وغربي في السّخف أمتن عودا من نبعك؛ وسنقرع باب السّخف معك، ونفترع من ظهر السّفه مفترعك، فتكلّم الآن.
فقال: أنا قد كسبت بهذا [العقل] دية أهل همذان مع قلّته، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته؟ فقلت: أما قولك: دية أهل همذان، فما أولاني بأن لا أجيب عنه، لكن هذا الذي به تتمدّح وتتبّجج، وتتشرّف وتتصلّف، من أنك شحذت فأخذت، وسألت فحصلت، وكديت فاقتنيت، فهذا عندنا صفة ذمّ، عافاك الله، ولأن يقال للرّجل: يا فاعل، يا صانع، أحبّ إليه من أن يقال: يا شحّاذ، يا مكدي؛ وقد صدقت، أنت في هذه الحلبة أسبق، و [في] هذه الحرفة أعرق؛ ولعمرك إنّك أشحذ، وأنت في الكدية أنفذ، وأنا قريب العهد بهذه الصّنعة، حديث الورد لهذه الشّرعة، مرمل اليد في هذه الرّقعة.
فأما مالك، فعندنا يهوديّ يماثلك في مذهبه، ويزنك بذهبه، وهو مع ذلك لا يطرقني إلاّ بعين الرّهبة، ولا يمدّ إليّ إلاّ يد الرّغبة؛ ولو كان الغنى حظا كريما لأخطأه مثل هذا العقل، ولو كان المال غنما لما أدرك بهذا السعي، ولكن عرّفني هل كنت فيما سلف من زمانك، ونبت من أسنانك، إلا هاربا بذمائك، مضرجا بدمائك، مرتهنا بقولك، بين وجنة موشومة، وجوارح مهشومة، ودار مهدومة، وخدود ملطومة؟ ومتى صفت مشارعك، أو أخصبت مراتعك، إلاّ في هذه الأيّام القذرة؟ وستعرف غدك من بعد وتنكر أمسك، وتعلم قدرك في غد وتعرف نفسك، وما أضيع وقتا قطعته بذكرك، ولسانا دنسته باسمك.
وملت إلى القوّال وهو أبو بكر أحمد بن عبد اللّه الشّاذياخيّ، فقلت: أسمعنا خيرا؛ فدفع القوّال وغنّى أبياتا، فيها:
وشبهنا بنفسج عارضيهبقايا اللّطم في الخدّ الرّقيق
فقال أبو بكر: يا قوم، أحسن ما في هذا الأمر، أنّي أحفظ هذه القصيدة وهو لا يعرفها؛ فقلت: يا عافاك [اللّه]، أعرفها، وإن أنشدتكها ساءك مسموعها، ولم يسرك مصنوعها؛ فقال: أنشد؛ فقلت: أنشد، لكنّ روايتي تخالف هذه الرّواية؛ وأنشدت:
وشبّهنا بنفسج عارضيهبقايا الوشم في الوجه الصّفيق
فأتته السّكتة، وأضجرته النّكتة، وانطفأت تلك الوقدة، وانحلت تلك العقدة، وأطرق مليا، وقال: والله لأضربنك وإن ضربت، ولأشتمنّك وإن شتمت، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ولتعلمنّ أيّنا الضارب وأيّنا المضروب.
وقلت: يا أبا بكر مهلا، فإنّك بين ثلاثة فصول لم تتخطّها من عمرك، وثلاث أحوال لم تتعدّها في أمرك؛ وأنت في جميع الثلاثة ظالم في وعيدك، متعدّ في تهديدك؛ لأنك كهل وأنت شاعر، وكنت شابا وأنت مقامر، وكنت صبيا وأنت مؤاجر؛ فنطاق القدرة في الثلاثة الفصول ضيق عن هذا الوعيد؛ لكنّا نصفعك الآن، وتضربنا فيما بعد، فقد قيل: اليوم قصف، وغدا خسف؛ وقيل:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع