تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ذكر دولة المهدي

محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، تقدم

ذكره في موضعه من النسب، وكان يلقب النفس الزكية، وكان أبو جعفر المنصور قد بايعه في الدولة الأموية، وأعطاه يمينه، وأعطاه في عقد المبايعة يمينه، وكان برّا تقيا طاهرا زكيا، ولهذا كان يسمّى النفس الزكية، ولم يقدر له ظهور في تلك الأيام الأول، ولا على عهد السفاح، فلما قبض المنصور على أبيه خرج عليه بالمدينة، واحتج عليه بمبايعته المتقدمة، ودارت بينهم كتب بديعة في إقامة الحجج، وكان المنصور فيها الألد الخصم والأشد عقدا لا ينفصم، وكان محمد بن عبد الله أيّدا، شرد لأبيه جمل فعدا جماعة خلفه فلم يلحقه أحد سواه، فأمسك بذنبه، فلم يزل يجاذبه حتى انقلع، فرجع بالذنب في يده، وكان يطلب الخلافة أيام بني أمية ويزعم أنه المهديّ المبشّر به، وكان نهاية في العلم والزهد والشجاعة، وأقام سنين مستترا في جبال طيء، مرة يرعى الغنم ومرة يعمل في المهن، وأمسك المنصور أباه وعمه وطائفة من أهله لاحضاره وإحضار أخيه إبراهيم فجحدوا معرفتهما، فحبسهم عليه، ويقال إن المنصور كان قد بايع أباه عبد الله ومحمدا ابنه بعده، وكانت له جارية معها ابن له صغير برضوى ولد له في حال تستره [ص] فردّى نفسه من الجبل، فقال فيه أبوه:

منخرق الخفين يشكو الوجىتبكيه أطراف مرو حداد
شرودة الخوف وأزرى بهكذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان في الموت له راحةوالموت حتم في رقاب العباد

رواها له ابن مسكويه، وقد رويت لغيره، ولمّا أتاه جيش المنصور تقدمه عيسى بن موسى، خندق عليه الخندق النبوي، وكان يبرز ويرتجز، وهو يقول:

لا عار في الغلب على الغلاّبوالليث لا يخشى من الذئاب

فلما رأى تضاؤل أمره أقال الناس بيعته، وكسر ذا الفقار وكان قد صار إليه، وأحرق الكتب التي كانت ترد عليه بالبيعة خوفا عليه من المنصور، ثم قاتل حتى غدا حجار الزيت، وحزّ رأسه وحمل إلى المنصور، وقال المنصور لإسحاق بن منصور العقيلي، وكان ذا تجريب لا يكهم، وتدريب له يلهم: أشر عليّ في خارجي خرج عليّ؟ قال: صف لي الرجل؟ فقال: رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ذو علم وزهد وورع، قال: من تبعه؟ قال: ولد علي، وجعفر، وعقيل، وعمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وسائر قريش، وأولاد الأنصار، فقال: صف لي البلاد التي خرج فيها، فقال: بلد

ليس فيه زرع ولا ضرع ولا تجارة واسعة، قال: يا أمير المؤمنين، اشحن البصرة بالرجال، فقال المنصور: هذا شيخ قد خرف، أسائله عن خارجي المدينة فيقول:

اشحن البصرة بالرجال، فلم يكن إلا يسيرا حتى أتاه الخبر بخروج إبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فقال المنصور: عليّ بالعقيلي، فذكّره بما كان قال، ثم قال له: هل كان عندك من هذا علم؟ قال: لا، ولكني لما ذكرت لي خروج رجل إذا خرج مثله لم يتخلف عنه أحد، ثم ذكرت البلد الذي خرج به، فإذا هو لا يحتمل الجيوش، فعلمت أنه سيطلب غير [ص] بلده، ففكّرت في مصر، فوجدتها مضبوطة، وفي الشام والكوفة فوجدتهما كذلك، ثم فكرت في البصرة فوجدتها خالية، فخفت عليها، فقال له المنصور: أحسنت، وقد خرج بها أخوه، فما الرأي في صاحب المدينة، قال ارمه بمثله، إذا قال هذا: أنا ابن بنت رسول الله، قال الآخر: أنا ابن عم رسول الله، فقال المنصور لعيسى بن موسى:

أما أني أخرج إليه أو أنت، فقال: بل أنا أفديك بنفسي، فخرج فنصر عليه، كما تقدم ذكره.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.