من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر دولة أخيه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن
وكان خروجه بالبصرة، وكان لعيسى بن موسى عليه النصرة، وكان
مدره خصام، وبدرة صمصام بقلب قلّب، ولسان ليست عارضته بخلّب، وجبل يدق على الكيد، ويقوى على الأيد، لولا إفراط شغفه بالنساء، وكلفه بذوات السناء، وما اقتفاه من سنة مصعب بن الزبير في المغالاة في مهورهن، وترك بوارق السيوف لإيماض ثغورهنّ، وإلا فقد كان طعم علقم إذا غضب، ومس أرقم إذا وثب، ومن كنوز المطالب أنه كان تلو أخيه في شدة البدن والعبادة، وحب العزلة وطلب العلم، وهو أشعر من أخيه، وظهرت له شجاعة وطول صبر على الاغتراب برا وبحرا، حتى إنّه دخل على المنصور في هيئة منتصح، وقد أخفى شكله، وقال له: مالي عندك إن جئتك بإبراهيم بن عبد الله، فوعده بإحسان جزيل، فطلب منه أن يكتب إلى ولاة البحر الفارسي بالإعانة في مقاصده حيث توجه، فكتب له الكتب وأوصى الولاة به فتمكن بذلك من الهرب، وبث الدعوة إلى أن أحكم أمره، ثم أتى البصرة، حتى أبطل بناء بغداد، وأعد الجهازات للهرب إلى خراسان، لما رأى من إفراط إقبال الناس عليه وإعراضهم عنه، إلى أن هزمه عيسى بن موسى، وقتله في المعركة، فعاد المنصور إلى بناء مدينته، وقال: الآن عرفت رأسي أنه لي، ولم يخطب له بإمرة أمير المؤمنين إلا بعد مقتل [ص] أخيه، وكان خروجه وخروج أخيه في سنة خمس وأربعين ومائة. ومن كتاب تجارب الأمم أنه قاسى شدائد في اختفائه، حتى إنه أكل على موائد المنصور، ووجد في بيت مال البصرة ألفي ألف درهم، فتقوّى بها، وصارت له فارس والأهواز، وكان الملتقى بينه وبين
جيش المنصور على باخمرا من بلاد الكوفة، فانهزم حميد بن قحطبة، وناشده عيسى بن موسى في الثبات، فلم يثبت، ولم يبق معه إلا ثلاثة، واتفق من الحديث الغريب أن المنهزمين من جيش المنصور رأوا قدامهم نهرا لم يقدروا على خوضه، فرجعوا فظن أصحاب إبراهيم أنهم قد ردوا عليهم، فانهزموا بعد أن حصلوا على الظفر، ومن شعره قوله في رقية بنت الديباج العكانية وكان قد تزوج بها، وكان كلفا بها:
رقيّة همّ النفس لا ذقت فقدهافها أنا ذا شوق لها وهي حاضر
وقالوا غدت شغلا له عن أمورهولو أبصروها لم يردوا معاذر
وقوله وقد اعتلّ أخوه:
شكوت فعمّ السّقم من كان مؤمناكما عمّ خلق الله نائلك الغمر
فيا ليتني كنت العليل ولم تكنعليلا وكان السّقم لي ولك الأجر
وقوله في رثاء أخيه:
أبا المنازل ما هلك الفوارس منيفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أنّي لو خشيتهمأوانس القلب من تلقائهم فزعا
لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهمحتى نعيش جميعا أو نموت معا
وقوله فيه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنافإنّ بها ما يدرك الواتر الوترا
وإنّا أناس لا تفيض دموعناعلى هالك منّا وإن قصم الظّهرا
ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرةيعصّرها من جفن مقلته عصرا [ص]
ولكنني أشفي فؤادي بغارةتلهب في قطري كتائبها جمرا
ومن نثره قوله: «وقد قيل لقد تهتكت في النساء، حبّ النساء سنّة نبوية، لم تعطّل رسول الله ﷺ عن إدراك الظفر، ولم تحل بينه وبين بلوغ الوطر، وإنّ أعجز الناس من قعدت به لذات الدنيا عن البلوغ إلى مراقي العليا، و [ما] انهضم من جمع بين إدراك لذاته والفوز بالبلوغ إلى غاياته، عقد الله عنا ألسنة العوام، وأغمد عنهم سيوفنا بالطاعة وحسن الالتئام».
وقوله في خطبة خطبها يوم عيد: «اللهمّ إنّك اليوم ذاكر أبناء بآبائهم، فاذكرنا عندك بمحمد ﷺ، يا حافظ الآباء في الأبناء احفظ ذرية نبيك»، قال: فلم يقلها حتى اشتد بكاء الناس.
وقوله وقد قيل له حين أشرف على القتل: ألا تفر وأمامك فارس والأهواز، وهما تحت طاعتك؟
فقال: «من فرّ من أهل بيتي حتى أفرّ، أتريدون أن أكون أول من فتح هذا الباب على الفاطميين؟ لا والله، إن خلقت إلا لسلّ السيوف، وشقّ الصفوف، وتجرع الحتوف، والمعاد إلى الله، وهو أعدل الحاكمين».
وقوله: «كلّ منطق ليس فيه ذكر فهو لغو، وكلّ نظر ليس فيه عبرة فهو غفلة، وكلّ سكوت ليس فيه تفكّر فهو سهو، فطوبى لمن كان منطقه ذكرا، ونظره عبرا، وسكوته تفكّرا، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وسلم المسلمون منه».
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع