تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الفائز بنصر الله

أبو القاسم عيسى وكان لا يخب إلى غاية قلوصا ولا عنسا، لا يخرج به ولا يوسى، ولا يزجر بطير سعودا ولا نحوسا، وبويع بعد أبيه، فطلب الوزير عباس بن تميم قاتله وسن شفاره، وقصد مقاتله فهرب قدّامه، فقتله الفرنج وطلب النجاة، فلم ينج، واستوزر الفائز أبا الغارات طلائع بن رزيّك، وخاطبه بالتمليك، وسمّاه الملك الصالح، وأنزله منه بمكانة لا يؤثر فيها قدح

القادح [ص]، وكان له اسم الملك، وهو المالك الحائز، وله لا لأمرة الأمر الجائز، والغنى والغناء، وسواه العائز، وكان الفائز معه كالظل كيف ما مشى يتبعه، وكالجليس مهما قال يسمعه، أطوع له من الشراك، وأسرع من فيه الظبى في الأشراك، وكان ابن رزيك من أجل وزراء تلك الدولة، وأسبغهم إنعاما، لا يقصّر طوله، وكان عارفا بالأدب، مكرما لأهله، منعما عليهم بفائض سجله، وله شعر لا يؤخر جواد قريحته، ولا يشم دخان الند إلا من ريحته، ولا تتفجر المعاني إلا من فجر صبيحته، ولا تصاب المفاصل إلا بصقال صفيحته، ووفد في زمانه الفقيه عمارة اليمني، ونوّله ما يرتجيه من غاية الأماني، وفيه يقول:

دعوا كل برق شمتم غير بارقيلوح على الفسطاط بارق نشره
وزوروا المقام الصالحي فكلّ منعلى الأرض ينسى ذكره عند ذكره
ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنىفتحنو على مجد المقام وفخره
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «دعوا كل برق شمتم غير بارق»
ولكن سلوا منه العلى تظفروا بهافكلّ امرئ يرجى على قدر قدره
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «دعوا كل برق شمتم غير بارق»

وأراده الصالح على الدخول في مذهبهم للدخول، وراوده من يلزمه به أن يقول، وكتب إليه:

قل للفقيه عمارة يا خير منأضحى يؤلّف خطبة وخطابا
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
أقبل إلينا لا تحد عن هديناقل حطّة وادخل علينا البابا
تجد الأئمّة شافعين ولا تجدإلا لدينا سنّة وكتابا
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
وعليّ أن يعلو محلّك في الورىوإذا شفعت إليّ كنت مجابا
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة
وتعجّل الآلاف وهي ثلاثةذهب وحقّك لا تعدّ ثوابا
للشاعر طلائع بن رزيك، اقرأ القصيدة

وكان الفقيه عمارة شافعي المذهب، لا يحول عنه ولا يذهب، فكتب إليه ما يدلّ على حسن معتقده، ونفض ذلك الزخرف من يده:

يا خير أملاك الزمان نصاباحاشاك من هذا الخطاب خطابا [ص]
لكن إذا ما أخربت علماؤكممعمور معتقدي فصار خرابا
فاشدد يديك على قديم مودّتيوامنن عليّ وسدّ هذا البابا

فسكت عنه لسان إكراهه، وسكن مثل هذا القول وأشباهه، وبقي عمارة أدنى جليس إلى رتبهم، وأنيس على مباينته لمذهبهم، وأتى يوما إلى حضرة الصالح بن رزيّك فأسدى إليه صنيعا قبّل به يده، ثم خرج فرأى ممّن يؤمله من قبّل ومجّده، فقال:

ملك إذا قابلت نور جبينهفارقته والنور فوق جبيني
وإذا لثمت يمينه وخرجت منأبوابه لثم الملوك يميني

ولمّا طال بعمارة العمر، وذاق طعم عيشها المر، رثى بني رزيّك بمراث عوتب عليها، فقال إيها وأنشد:

زالت ليالي بني رزيك وانصرمتوالحمد والذمّ فيها غير منصرم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «صحت بدولتك الأيام من سقم»
كان صالحهم يوما وعاد لهمفي صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
ولم يكونوا عدوا لان جانبهموإنما غرقوا في سيلك العرم
فلو فتحت فمي يوما بذمهملم يرض برّك إلا أن تسدّ فمي
ولو ذكرت لياليهم ونضرتهاوحسنها لم يكن بالدهر من قدم

ثم ابن عمّه:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.