من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
المستنصر بالله
أبو تميم معد بن الظاهر، وهو الذي تباينت أحواله وتناوبت أفراحه
وأهواله، وطالت مدته، فكانت ستين سنة، وتنوعت سنين سيئة وسنين حسنة، ولم يسمع بمثلها لخليفة ولا لملك مشهور في هذه الملة، ولا امتدت لأحد ممن كان بعده ولا قبله، وكاد في وقت تملك الأرض كلها، وتكفل البلاد وأهلها، وخطب له ببغداذ، وكان نصيبه إرقال وأغذاذ، حتى كان يعدّ مع الاسكندر، ويحسب أنّه تبّع حمير، ثم ضعف أمره حتى كاد لا تطيعه أمته، ولا تجاب برجع الصدى كلمته، وكان كالطيف له وجود ولا حقيقة له، وكالعدم هو شئ وما قدر أحد أن يمثله، ولما ملّكت له بغداد، ونسخ براياته البياض السواد، قال أبو دلف الخزرجي:
دار السلام مشاء بدعوة ابن الرسولجاء النهار وولّى ظلام تلك الذحول
ما إن رأيت خضابا جماله في النصولنور من الله وافى يهدى لكل جهول
وجاءه الحسن بن الصباح القائم بالدعوة الراديّة؟ من خراسان، في زي [ص] التجار، ودخل عليه فقرر معه ما يمثل، وقال له في آخر كلامه: ومن ولي عهد المسلمين؟ فقال: ولد في نزار، فمضى ابن الصباح إلى بلاد العجم، وأقام الدعوة التي دامت إلى عصرنا هذا، وقامت بعد ذلك بالشام بقلاع الدعوة.
قال ابن سعيد: إنه جاوز في أمد الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة بالمشرق، وكانت له من خزائن الأموال، وعظم الأمر ونفوذه، واتساع
الخطبة وفيضها على أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره، ثم انعكس عليه ذلك، فاقتنصت البلاد منه واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة، وافتقر وضعف أمره، وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشئ: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر [من] مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالا إلا ما تراه عليّ وتحتي، ورأيت بخط قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن خلكان، أن المستنصر كان في الغلاء قد صار لا يملك إلا فرسا واحدا، وقنيت دوابه الناس، وكان إذا أراد الركوب استعار بغلة صاحب الإنشاء ليركبها حامل المظلة معه.
قال صاحب بلغة الظرفاء: ولد سادس عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وأربع مائة، وبويع له في نصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربع مائة، وهو في سن التمييز، وتوفي ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربع مائة، وله من العمر تسع وستون سنة وخمسة أشهر.
ثم ابنه:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع