من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
المنصور بالله
أبو الطاهر إسماعيل، وكان قد أوصى إليه أبوه بقصد مصر واستضافتها، وإعداد القرى لقري إضافتها، فشغلته الفتن التي قامت بأفريقية واستأصلت [ص] لولا عوارضها المستبقية، فإنها ثارت ثوايرها في كل قطر، وطارت بواترها في ظل السيوف البتر، وكان جهد المنصور أن يرقع خروقه، ويخيط بإبر الرماح فتوقه، ولم تعدّ همّته قدر الاستصلاح، ولم تعل عزمته على الدفع بالراح، وكان أقصى اجتهاده أن يذود عن حوضه الغرائب، ويذوب خوفا يخرج من بين الصلب والترائب، إشفاقا على ملكه من تجاذب الأطراف وتجابذ الأطراف، خشية أن ينتزع، وحذرا من قاصد بسيفه أن يزع.
قال ابن سعيد: وهذا المنصور مشبّه بالمنصور، لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكان يسلّ من الخلافة، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف، وحين [أراد] لبنيه ختانا لم تسمو همّة ملك إليه، أمر بأن يكتب له أولاد قواده وأجناده، وسائر رجاله وعبيده وأهل بلاده، وكساهم وكانو زهاء مائة ألف، ثم فرّق فيهم أموالا جزيلة وبدأ بالختان
لست بقين من ذي الحجة سنة أربعين وثلاث مائة، ودام إلى سابع المحرم من السنة المقبلة، والجزر تنحر وسائر الذبائح والولائم تعمل، ويقال إنه أنفق نحو ألف ألف دينار في هذه الأيام، ولم ير كصبره يوم القيروان وهو يعامل أبا يزيد النكاري، وقد ذكر حسن موقفه شاعره محمد بن الحارث، فقال:
ولم أر كالمنصور بالله ناصرالدين وأحمى منه ملكا وأمنعا
ألم تر يوم القيروان وقوفهوقد كادت الأكباد أن تتقطّعا
وأبرز عن وجه من الصبر أبيضيقابل وجها للكريهة أسفعا
إذا استقبل الأبصار وهي طوامحثناها فلم تستكمل اللحظ خشّعا
وولد بالمهدية سنة اثنتين وثلاث مائة، وولي وله اثنتان وثلاثون سنة [ص]، وتوفي يوم الجمعة سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت ولايته سبعة أعوام.
ثم كانت خلفاؤهم بمصر، وأولهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع