من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
المعز لدين الله
أبي تميم معد بن أبي الطاهر إسماعيل المنصور، وهو الذي ظفر بحضرة
مصر وملكها، وحصل له حظوة ملكها وأدركها، ووصلت إليه جيوشه، وحصلت على معاقد شرفاتها عروشه، وقدم أمامه القائد جوهر فاختلط القاهرة وبنى له بهما القصرين، وإلى الآن بعض آثارهما الظاهرة، وقسم بناء المدينة على من كان في جملة المعز من القبائل، واتخذ الكافوري بستانا ترق به الجداول، وتزف الخمائل، وشرع أبواب المدينة، ولم يكمل لها سورا يدور بنطاقها، ولا أقام لها جدرا يستند إليه ظهور أسواقها، ثم مدنت بعد ذلك التخطيط، وأدير بها سور اللبن المحيط، وذلك لما أناخت القرامطة بساحتها، وأنامت المعز وهو يعتقد أن روحه في راحتها، ثم بنى في الأيام الصلاحية السور الحجر الدائر، وضرب عليها مثلها الساير، ثم لما كمل القائد جوهر بناء ما شرعه، أتم قصر المعز وموضعه، استخلف المعز بالمغرب بعض أشياعه، وقدم مصر وقد شرق صدر البر والبحر بأتباعه، وأتى الإسكندرية وخيّم بظاهرها، وجثم أسده الهصور يزأر، إلا على زائرها، وتلقاه إليها أهل مصر من القواد والوزراء والقضاة والعلماء ووجوه الناس، فبسطهم بالإيناس، وتلقاهم بالرحب والسعة، وأمر لهم بالخلع والأنزال الموسعة، ثم سار حتى أتى مصر ودخل القاهرة، ونزل بقصره بها في يوم الثلاثاء لتسع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وتوفي في يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاث مائة.
وذكر ابن الأثير: أن ملك الروم كان أرسل إلى المعز رسولا بالمهدية، ثم كان
يتردد إليه، فأتاه وهو بمصر فخلا به بعض الأيام، فقال له المعز: [ص] أتذكر إكرام [ي لك إذ] أتيتني رسولا وأنا بالمهدية، فقلت لك: لتدخلنّ عليّ بمصر وأنا خليفة؟ فقال له الرسول: إن أمنتني على نفسي ولم تغضب قلت لك ما عندي، فقال له المعز: قل وأنت آمن، فقال له: لما بعثني الملك إليك ذلك العام، وأنت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا عظيما أشخص بصري، ثم دخلت عليك فرأيتك على سرير ( ....)، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لظننت ذلك، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا، وأشرفت على مدينتك فرأيتها مظلمة، ودخلت عليك فما وجدت لك من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت: كان ذلك أمرا مقبلا، وهذا أمر مدبر، ولا أخالك إلا ميتا، فلم تلبث بعدها المعز الحمى ومات، وقد كان المعز احتفر له سردابا، وقال لأصحابه: إن بيني وبين الله عهدا، وإني ماض إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزارا، ثم تغيب سنة في السرداب ثم ظهر وهو متعلل، فمات، وكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا نزل وأومأ إليه بالسلام، ظنا منه أن المعزّ فيه، وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام.
ثم ابنه:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع