من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دولة المتوكل على الله
أبي الفضل جعفر بن محمد المعتصم، بدأ أمره بكشف المحنة، ودحا مجاري سبيلها، ومحا آية ليلها، وأطلق من ضاقت بهم السجون من المصرّين على إنكارها، والمصرحين [ص] بسوء آثارها، ونزه القرآن الكريم، وقال:
إنه منزل غير مخلوق، وصفة من صفات الله القديمة سابقا، غير مسبوق، فأيد
الحق ونصره، وسدد إليه رأيه وبصره، إلا أنه كان مزورا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ويرمى ببغضه، ويغري من لا خلاق له بحط مقداره وغضه، حتى قيل إنه كان يأمر مخنثا كان عنده اسمه عبادة، أن يصنع له بطنا تشبها بعلي ﵁، ثم يأمره بأن يرقص ويغني له بما ننزه كتابنا عن ظلمه، وندع قائله وما باء بإثمه، وكان يتمضمض بذكره بكذب يضعه، واختلاق يرفعه الله به، كلما أراد أنه يضعه، حتى قيل إن ابنه المنتصر كان يحرج قلبه هذا الاستهتار، ويقدح عنده نارا طار منها ذلك الشرار، وأنه دخل عليه يوما وذلك الممسخر قد تلبس بهذه الحال، ونمق وقته بزخرف ذلك المحال، والمتوكل قد استغرب ضحكا، واستعذب بذوقه السقيم ما يحكى فنهى الممسخر وزجره، ثم تقدم إلى أبيه ولامه وما عذره، وقال له: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولو لم يكن له ما له من الفضل لكان ابن عمك، وإنما تأكل قطعة من لحمك، ثم وعظه ونهاه ونصحه، لو قبل نصحه، أو وعاه فما صبر إلا ريثما ولى، ثم أمر ذلك الممسخر الطرف الوضيع الساقط، أن يغني ويقول:
غضب الحبيب لابن عمّهرأس الفتى في كس أمه
قد قال تأكل لحمهفأجبته يا طيب لحمه
وأمره أيضا أن يغني ويقول:
غار الفتى لابن عمهرأس الفتى في حرّ أمه
فلما قتل المتوكل والفتح بن خاقان، قتل معهما ذلك الساقط الحقير، وعجل بروحه إلى النار وبئس المصير، وكان المتوكل مغرى بالبناء، وأنفق [ص] فيه خزائن آبائه، وأسرع فيه دبيب الفناء، فبنى من المنازل قصورا تتضاءل لها المنازل قصورا، ولما أزال المحنة جمع الناس على مذهب مالك بن أنس ﵀، وإنما
كان في الانحراف عن علي كرم الله وجهه في الغاية التي ما بعدها، وأمر بهدم قبر السيد الحسين بن علي ﵉، وخراب ما حوله من المساكن، وأن تحرث وتزرع، فعمل فيه الناس أشعارا، من أحسن قول بعضهم:
تالله إن كانت أمية قد جنتقتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد رماه بنو أبيه بمثلهاأضحى حسين قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شاركوافي قتله فتتبعوه رميما
ولد في ( ............) وقتل ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين بالسيوف في مجلس الشراب، باتفاق مع ابنه المنتصر وبغا التركي.
ثم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع